مؤتمر ميونيخ للأمن حوار دون حلول

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

يعد مؤتمر ميونيخ للأمن الذي يعقد سنويا في المانيا الاتحادية من المنصات الحيوية التي تناقش قضايا الأمن والنزاعات الإقليمية والدولية وموضوع الإرهاب والسياسة الدولية من خلال عدد من الجلسات التي عادة ما تتميز بالشفافية والوضوح وإيصال رسائل سياسية مما يضفي على المؤتمر البعد الإعلامي والأفكار المطروحة اكثر منه إيجاد حلول واقعيه لأزمات العالم المعقدة.

ومن خلال القيادات السياسية والعسكرية والأمنية التي تحضر هذا المؤتمر السنوي فان ثمة أهمية من خلال وجود تلك الشخصيات المؤثرة والتي تلتقي معا من خلال الاجتماعات الثنائية العلنية وغير العلنية ومن هنا تكمن أهمية المؤتمر من خلال تلك الاجتماعات والتي تعد على قدر كبير من الأهمية.
هناك جملة من القضايا التي برزت من خلال منصات الحوار لعل من اهمها الموضوع الايراني – الامريكي ومن هنا جاءت اهمية لقاء رئيس الوزراء الكندي مع وزير الخارجية الإيراني وايضا عدد من اعضاء الحزب الديمقراطي الامريكي مع مسؤولين ايرانيين منهم وزير الخارجية ظريف علاوة على اللهجة التصاعدية في موضوع العلاقة الاوروبية-الامريكية والموضوعات التجارية حيث نالت سياسة الرئيس الامريكي ترامب الكثير من النقد خاصة تجاه مبادرة السلام والتي وجدت رفضا كبيرا من المجتمع الدولي.

منصه للحوار

علي غرار عدد من المنتديات والمؤتمرات الفكرية والسياسية يعد مؤتمر ميونيخ هو الأهم على صعيد القضايا المتشعبة التي يتم مناقشتها وخاصة على الصعيد الامني والعسكري في ظل ازمات متواصله في سوريا واليمن وليبيا علاوة على مجمل العلاقات الدولية بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، وهناك الجدل الكبير الذي أثارته تصريحات وزير الدفاع الامريكي حول التحدي الصيني والذي اصبح الهاجس الامني الاول للولايات المتحدة وليس روسيا وهذا تحول كبير في الفكر الاستراتيجي الامريكي ولعل ذلك يفسر تصريحات الرئيس ترامب حول انطلاق المواجهة من الشرق الأوسط والذي تتضاءل أهميته إلى شواطئ المحيط الهادئ حيث التواجد الآسيوي وخاصة الصين التي تواصل نموها الاقتصادي واندفاعها التجاري والإنتاجي ووجود الاحتياط النقدي الأهم في العالم من العملات الاجنبية وفي مقدمتها الدولار الامريكي.
اذن منصة الحوار في مؤتمر ميونيخ للأمن تتضح ملامحها من خلال التصورات التي تتحدث عنها القيادات الامنية والسياسية والعسكرية وهي في مجملها توصيل رسائل للطرف الآخر كما في حالة وزير الدفاع الأمريكي للصين وعدد من القيادات الاوروبية لسياسة الولايات المتحدة خاصة تجاه حلف الناتو.
العرب كان لديهم فرصة الحديث عن قضاياهم خاصة تجاه القضيه الفلسطينية والأمن في منطقة الخليج حيث تحدث معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية يوسف بن علوي عن اهمية ايجاد السلام والاستقرار في المنطقة وان تحدي ايران كدولة محورية لن يكون مفيدا وان الحوار بين إيران وجيرانها على الضفة الأخرى من الخليج هي مسالة حيوية لإبعاد المنطقة عن التصعيد والتوتر.
ان الموقف العماني من القضية الفلسطينية كان واضحا من خلال التمسك بالثوابت الدولية والمبادرة العربية وضرورة احلال السلام الشامل والعادل الذي يعد مصلحة للجميع من خلال حل الدولتين واقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وتسوية كل الملفات بما فيها موضوع اللاجئين الفلسطينيين في دول الشتات وفي اراضي عام 1948.
اذن منصات الحوار كانت حاضرة في إيجاد المقاربات السياسية والفكرية للصراعات والأزمات في العالم لكن دون إيجاد آليات واضحة لتفكيكها او ايجاد حلول واقعية لأن مؤتمر ميونيخ للأمن هو منصة حوارية ولقاءات سياسية بين الفرقاء وهذه الاخيرة يتبلور من خلالها خطوط التقاء او مسارات يمكن البناء عليها، ولكن ليس هناك حلول بالمعنى السياسي للكلمة وعلى ضوء ذلك فان اهمية مؤتمر ميونيخ تنطلق من خلال وجود اكثر من 500 شخصية سياسية وامنية وعسكرية ومن خلال تغطية إعلامية كبيرة تحول المشهد الحواري إلى أفكار ورؤى قد تكون مفيدة لإيجاد حلول لتلك الأزمات التي يعاني منها العالم او على الأقل أجزاء منه.
قضايا الشرق

عادة ما تتصدر الصراعات في الشرق منصات الحوار في مؤتمر ميونيخ ولعل القضايا مثل القضية الفلسطينية والحرب في ليبيا واليمن وسوريا وموضوع إيران هي دائما حاضرة في مشهد مؤتمر ميونيخ في ظل تشابك الاطراف الخارجية في تلك الصراعات فالمشهد الليبي معقد من خلال وجود التدخلات الخارجية مثل فرنسا وايطاليا وروسيا وتركيا وعدد من الدول العربية.
وهناك المشهد السوري المعقد ووجود الأطراف الخارجية خاصة روسيا الاتحادية والولايات المتحدة وإيران وتركيا وعدد من المنظمات المسلحة المعارضة للحكومة السورية، كما أن هناك الحرب في اليمن والتي تشارك فيها دول خارجية على رأسها دول التحالف العربي الذي تقوده السعودية وهي حرب كارثية متواصلة منذ خمس سنوات وحان الوقت لوقفها بسبب التداعيات الانسانية على الشعب اليمني علاوة على ان حسم هذه الحرب اصبح بعيد المنال.
كذلك هناك التوتر في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة واثر العقوبات الاقتصادية الامريكية القاسية على إيران والتوتر على صعيد الملاحة في مضيق هرمز وهو شريان استراتيجي يهم مصالح العالم كذلك مسألة تدفق السلاح من الغرب إلى المنطقة والذي يزيد من استدامة الحروب وقتل أحلام الأجيال الجديدة، ومن هنا فان كل هذه القضايا وتأثيراتها الامنية والاستراتيجية والاقتصادية تناقش من خلال منصات مؤتمر ميونيخ.
اذن حوار المنصات مفيد من ناحية ان كل الفرقاء حاضرين وهناك حضور كبير من المراقبين والإعلاميين الذين ينقلون المشهد بكل تفاصيله والأفكار المطروحة والرسائل المراد ان تصل إلى الأطراف الأخرى وعلى ضوء ذلك تكمن أهمية مؤتمر ميونيخ للأمن في ظل وجود مسؤولي الاستخبارات من الدول الغربية والشرقية على حد سواء وتكون هناك اجتماعات سرية بين مسؤولي هذه الأجهزة التي تمتلك ناصية المعلومات والتطورات والاتصالات، وهناك قضايا تهم الدول الغربية كما تمت الإشارة منها الجدل الدائر حول مستقبل حلف الناتو خاصة وان الرئيس ترامب يواصل انتقاده لعمل الحلف وهناك تأثيرات خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي ومستقبل العلاقة مع لندن وهناك العلاقات مع روسيا الاتحادية وعدد من القضايا ذات العلاقة بالجغرافيا الغربية.

رؤيه للمستقبل

العالم امام مشهد معقد في ظل حديث متواصل عن ضرورة إصلاح النظام الدولي خاصة الأمم المتحدة وتوسيع العضوية الدائمة في مجلس الأمن وإيجاد نظام دولي متعدد الأقطاب وإنهاء هيمنة القطب الواحد التي لم تكن مفيدة لإحلال السلام والاستقرار في العالم بل ان واشنطن كيفت تلك الهيمنة الأحادية لمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.
اذن من خلال مؤتمر ميونيخ تم طرح عدد من الافكار حول ايجاد عالم مستقر ومتصالح مع نفسه فإهدار الموارد الطبيعية والإنفاق على السلاح والحروب والصراعات تحرم الشعوب من حياه مستقرة خاصة تلك الشعوب في افريقيا وجزء من آسيا وأمريكا الجنوبية وتتقلص الفرص وتتصاعد نسب الفقر والأمراض ومن هنا فان منصات ميونيخ غطت عددا من القضايا التي تتعلق بوضع العالم من خلال كلمات مهمة من مسؤولي الأمم المتحدة وعدد من المفكرين.
ويبقى مؤتمر ميونيخ للأمن منصة هامة وحيوية من خلال الأفكار والأطروحات ومع ذلك فهو مؤتمر لا يعالج الأزمات من خلال حلول محددة ولكنه مؤتمر حواري فكري وسياسي وامني يناقش الأوضاع بشكل محدد على أن يكون هناك بناء على تم طرحه من مواقف وتصورات تساهم في تهيئة الأجواء لإيجاد حلول واقعية لأزمات العالم المختلفة وهذا بالطبع أمر ليس سهلا من خلال التعقيدات المختلفة التي تكتنف تلك الأزمات في الشرق والغرب على حد سواء.