«انحسار الغرب».. حوارات مؤتمر ميونيخ

صلاح أبو نار –

فيما بين 14 و16 فبراير شهدت مدينة ميونيخ الألمانية انعقاد الدورة السنوية لمؤتمر ميونيخ للأمن. وقبيل انعقاده صدر تقرير المؤتمر السنوي المرافق حاملا هذا العنوان الغريب:Westlessness، وهو مصطلح جديد تماما لن نجده في أي قاموس لغوي أو معجم متخصص، ويمكن ترجمتة: «انحسار الغرب» أو « تراجع القوة الغربية»، ويحيلنا فورا الى الكتاب الشهير للفيلسوف الالماني اوسفالد شبنجلر:«تدهور الحضارة الغربية» 1919.

انطلقت مسيرة مؤتمر ميونيخ للأمن 1963، وتعتبر دورته الأخيرة الدورة السادسة والخمسين.
ويشكل المؤتمر مناسبة لالتقاء قادة العالم ونخبه الفكرية والسياسية والاقتصادية النافذة، وفي الدورة الأخيرة حضر ما يقرب من 500 مشارك من 35 دولة ومنظمة دولية وإقليمية. ولايعتبر المؤتمر مؤسسة لاتخاذ القرارات ورسم السياسات مثل قمة السبع أو العشرين الكبار، بل محض مؤسسة لإقامة حوار استراتيجي وخوض مواجهات فكرية وبناء إجماعات سياسية جديدة، اي منتدى فكري استراتيجي يماثل منتدى دافوس الاقتصادي، ولهذا لايصدر عن المنتدى إعلان سياسي وتتميز تقاريره بالطابع الفكري وتبتعد عن الطابع السياسي الإجرائي.
وبمطالعة تقرير المؤتمر السنوي وجدول أعماله على مدى ثلاثة أيام، سنلاحظ اتساع موضوعات النقاش وتعدد أشكال مناقشتها بين الموائد المستديرة والندوات والبيانات الرسمية للمسؤولين.
وداخل هذا التعدد احتل موضوع انحسار الغرب واجهة الاهتمام وساهم في تشكيل مداخل مناقشه موضوعات اخرى كثيرة، وتلاه في الأهمية النزاعات الإقليمية الحادة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا والمتوسط، ثم الأزمات العالمية مثل ازمتي المناخ والتجارة العالمية.
وفي هذا المقال سوف نركز اهتمامنا على بؤرة مناقشات المؤتمر: انحسار الغرب.
ما هو المقصود بانحسار الغرب؟
يميز الجزء الأول من التقرير بين مستويين للانحسار: الانحسار داخل الغرب نفسه وانحسار الغرب على المستوى العالمي. ولكن النظرة المتمعنة لمحتوى التقرير، والمحاورات التي دارت وبيانات القادة التي نقلتها وسائل الإعلام، تخبرنا أن صورة وأبعاد الانحسار اكثر تركيبا من هذا التقسيم الثنائي والتحليل الذي ينطوي عليه، إذ تتسع لتشمل ازمة وتناقضات العلاقات عبر الأطلسية، ومفاهيم السيادة الاوروبية والدفاع الاوروبي المشترك.
ماهو هذا الغرب الأخذ في الانحسار؟
ينطلق تحليل مفهوم الغرب من منظور قيمي اساسا، ووفقا لهذا المنظور لا يشكل الغرب في معناه الراهن منطقة الغرب الجغرافية، وان كان الغرب الجغرافي شكل تاريخيا مركز انطلاقه وتبلوره، ومستقر مخزونه الفكري الاستراتيجي. ويستشهد التقرير في صفحاته الأولى بكلمات انجيلا ميركل: « الغرب ليس هوية مغلقة، بل منظومة من القيم المحددة التي تتعلق بالمجتمع ودور الفرد فيه». ويستشهد أيضا بكلمات ستيفان لوففين « اتحادنا يقوم على القيم، وعلينا الآن ان نتذكر ونؤكد على اكثر تلك القيم جذرية. لأنه ما الذي يمكن ان تكون عليه غايات اتحادنا وعملنا الأساسية والنهائية، غير العمل علي نشر وتوطيد تلك القيم».
ووفقا لهذا الطرح يعتبر الغرب تلك المنظومة القيمية، التي تدين بالديمقراطية الليبرالية وحقوق الانسان واقتصاد السوق والتعاون الدولي عبر المؤسسات الدولية. ولكن التحليل لاينحصر في عالم القيم، بل يتسع ليحتوي المؤسسات والقوي السياسية، التي يعتبرها حاملة للمنظومة القيمية او معادية لها.
ماهي الظواهر المعبرة عن انحسار الغرب؟
على المستوى الداخلي طرح التقرير والمناقشات التي دارت الظواهر التالية. صعود النزعات القومية والشعبوية، ومعها استبعادها للهوية القيمية الديموقراطية الليبرالية واعلائها لهويات ثقافية وإثنية بديلة، ورفضها لمفهوم الديمقراطية الليبرالية ومؤسساته مع طرحها لمفهوم الديمقراطية المسيحية، ورفضها للتنوع الديني والثقافي واللغوي مع إعلائها من شأن وحدة الهوية الثقافية والدينية، ورفضها لقيم الحداثة الاجتماعية ومعها المساواة النوعية مع اعلائها للقيم الاجتماعية التقليدية، ورفضها لوحدة المجتمع العالمي ومعها سياسات المسؤولية والحماية الدولية لصالح نزعة قومية حمائية ضيقة تعلي من شان التجانس القومي ويرونها قادرة علي حماية السيادة الوطنية.
وعلى مستوى التحالف الاطلسي طرح التقرير والمناقشات اتجاه علاقات التحالف للتحلل، تحت تأثير الانسحاب الامريكي الدولي العام وتقليل واشنطن من اهميه الناتو، والعجز الاوروبي عن الاضطلاع بمسؤوليات التحالف، والاختلافات بين كبرى الدول الاوروبية حول سياسات التحالف، والهوة الواسعة بين شرق اوروبا وغربها في مستوي التطور ودرجة التعرض للتهديدات الروسية وبالتالي في نمط رؤيتها لادارة العلاقات الاطلسية.
وعلى المستوى الدولي طرح التقرير والمناقشات عدة ظواهر تشير الى انسحاب النفوذ الغربي. منها انتقال مراكز القوة الاقتصادية صوب شرق آسيا ومعها الصعود الصيني، الامر الذي سلب الدور الدولي الغربي مساحة واسعة من قاعدة قوته الاقتصادية، ومهد الطريق امام دول شرق آسيا لمنافسه ذات الدور. ومنها الانسحاب الأمريكي من المجال الدولي الذي تصاعد في عهد ترامب، واتخذ اشكالا جديدة مثل معاداة الامم المتحدة ومؤسساتها والانسحاب من المعاهدات الدولية واستئناف سباق التسلح النووي وإضعاف نظام التجارة الدولية والعداء للتحالف الأطلسي. ومنها تراجع الدور الغربي في حل النزاعات المسلحة، الذي كان قد شهد تقدما بعد نهايه الحرب الباردة مع تقدم عقيدة التدخل الانساني والحماية الإنسانية في عقد التسعينات ووجود دعم دولي لها من الأمم المتحدة، لكنه أخذ في التراجع بعد أحداث 11 سبتمبر التي أطلقت تدخلات مغامرة وفاشلة وباهظة التكلفة في افغانستان والعراق، خلفت وراءها حالة احجام عن فكرة التدخل وترك الصراعات الاقليمية الدامية تتصاعد بلا ضوابط دولية، مع عجز متواصل عن ايجاد بدائل سياسية لضبطها. ومنها حالة الفراغ السياسي الناتجة عن ترك الأزمات تتصاعد بلا ضابط سياسي دولي، والتي اسفرت عن تنشيط الدور الروسي والأدوار الإقليمية كما هو الحال في الأزمتين السورية والليبية. ومنها في النهاية التراجع الذي حدث في دور المنظمات الدولية، تحت تأثير تغلغل الدول التسلطية فيه وتوظيفها لحمايتها وشغلها لمناصبها القيادية.
والحاصل ان الانسحاب الغربي في بعده الدولي في نظر هؤلاء النقاد، ليس مجرد تقلص في فعالية الدور الدولي بل تقلص في فعالية هذا الدور ومعه منظومة المفاهيم الدولية الليبرالية المقننة له، ولكن الأمر لم يكن محض نقد لنقاد، فلقد كانت هناك ايضا مشاحنات كبار ساسة طرفي التحالف الأطلسي.
في خطابه الافتتاحي للمؤتمر اتهم الرئيس الألماني والتر شتاينمر إدارة ترامب« برفض فكرة الجماعة الدولية»، ثم أعقبه الرئيس الفرنسي ماكرون:« ما تريده اوروبا ليس هو ما تريده أمريكا علي الإطلاق».
وعندما وقف مايك بومبيو ليخاطب الحاضرين محاولا تجسير الفجوة، خاطبهم هكذا:«الغرب يكسب، ونحن نكسب جميعا، ونفعل ذلك معا»، ولكن مراسل بوليتيكو الأمريكية سجل من قاعات المؤتمر ان بومبيو لم يستطع إقناع أحد من الحاضرين، وانهم عندما سمعوا عبارته السابقة دونوا في اوراقهم:« الولايات المتحدة تكسب».
من كواليس المؤتمر ارسلت جودي ديمبسي من مركز كارنيحي بسؤالها التالي إلى عدة متخصصين أكاديميين بارزين في الشؤون الدولية:« هل يمكن للغرب أن يستعيد نفوذه؟»
فكيف كانت الإجابات؟
لوحظ على أغلب الإجابات انها ركزت اهتمامها على الانحسار الغربي العالمي، ولم تمنح الانحسار الداخلي سوى اهتماما محدودا، فلنبدأ بآراء الانحسار الداخلي.
ينفي مايكل بارنيت هذه الإمكانية: كان الغرب يعتمد جزئيا علي ثروته المادية وغايته الاخلاقية، وكلاهما الآن في انحدار». وتري هيثر كونلي أن هذا ممكن، بشرط أن تستعيد النخب الاوروبية علاقاتها بمواطنيها وتضع المطالب الشعبية والبيئية في حساباتها، وتتجنب إعطاء الأولوية لبقائها في السلطة، وعندئذ ستكون قادرة على قطع الطريق على صعود وانتشار الاتجاهات الشعبوية والقومية.
وتجيب نورا موللر ايضا بالايجاب شريطة ان يشرع الغرب في معالجه علله الداخلية: «الانقسام الداخلي، وتآكل القيم السياسية، وظهور العديد من القوى الطاردة». بينما لايرى كرزيستوف بليدوفيسكي ان صورة الغرب الداخلية كئيبة الى تلك الدرجة، وان اقر بتراجعاتها بالمقارنه بوضعها قبل عقدين من الزمان، لأن الغرب لايزال يمتلك فرص الحياة الافضل والاستقرار السياسي وحماية الحقوق والكفاءة الاقتصادية.
ماذا كانت الاجابات بشأن الانحسار الخارجي؟
يقر الجميع ان الغرب يستحيل ان يستعيد نفس مكانته الدولية السابقة.لماذا؟
يشرح كارل بليد:« لأن العالم قد تغير، ولم يعد هو نفس العالم الذي تشكلت في ظله القوي الاطلنطية خلال فترة مابعد الحرب: فلقد ادي صعود القوي المراجعة والقوى الأخرى، الى خلق ديناميكية جديدة للقوى العالمية، لايمكن في ظلها العودة الى عالم الغرب القديم». وهو نفس ما يؤكده بول هنلي ومعه نورا موللر وشيمون شتاين، في اشاراتهم للتحولات العميقة التي شهدتها موازين القوى العالمية.
ولكن الغالبية ايضا تقر ان الغرب يمكنه ايقاف تسارع تدهور تلك المكانة الدولية، واستعادة مساحة من النفوذ الغربي الدولي المفقود، ماهو الطريق نحو ذلك؟
يشير كارل بليد إلى ضرورة بحث الغرب عن أساليب جديدة وكفئة لادارة سياسته الخارجية،عبر اعادة التركيب بين ممارسة السلطة والالتزام بالقيم، وبناء تحالفات عالمية جديدة، وإنهاء حالة الانسحاب الأمريكي عبر الوصول لنقطة توازن جديدة. وتشير كيت هانسن بوندت إلى الحاجة لقيادات جديدة، وقدرات وفهم مشترك يتعلق بالعناصر الاساسية اللازمة لكي يفهم الغرب كيف يعيش القرن الجديد المعولم. وتعدد مورا موللر عناصر علاج اكثر تفصيلا: توطيد العلاقات الفرنسية – الألمانية، والاحتفاظ ببريطانيا قريبة قدر الإمكان، والبحث عن طريق جديد لإعادة تأسيس التعاون الأوروبي – الأمريكي.

جريدة عمان

مجانى
عرض