تأكيد النزاعات لا حلها

يسرا الشرقاوي –
كان يفترض أن تكون الدورة 56 لمؤتمر ميونيخ للأمن والتي عقدت منتصف فبراير الجاري، دليلا على إمكانية التواصل والتنسيق ما بين القوى الدولية المختلفة، البداية كانت قوية لا يمكن تجاهلها بالتركيز على ثيمة «اللا غربية» أو Westlessness ، في إشارة واضحة إلى رغبة القائمين على المؤتمر في حل أزمة « القلق» و«تضارب المواقف» التي تعيشها الدول الغربية في مواجهة المتغيرات السياسية والاقتصادية المستمرة.
ولكن ختام ووقائع المؤتمر، الذي أنطلق أول مرة عام 1963 للتنسيق بين السياسات الدفاعية للغرب قبل أن يضم قوى دولية أخرى، تؤكدان أن «القلق» مازال قائما وأن أسبابه وجيهة. فوفقا لكلمة الختام التي ألقاها والفجانج أيشينجر، الذي يترأس المؤتمر منذ عام 2009، فإن الاختلاف ما زال قائما في الآراء ما بين الشركاء في أوروبا وأمريكا، وإن أشاد بـ « حالة الجدل» التي أثارها المؤتمر في دورته الأخيرة والتي يفترض أن تمهد إلى مزيد من الحوار والتقارب.
ولكن كلمة أيشينجر كانت صريحة بما يكفي في وصف الوضع الذي بدأت وانتهت عليه دورة المؤتمر، وإن كانت التزمت «الدبلوماسية» فيما يتعلق بمسألة التمهيد لحل ما مستقبلا. فالمؤشرات التي أكدت قوتها فعاليات المؤتمر، تؤكد أن الحل أبعد ما يكون وشيك، وأن بعض النزاعات قد بلغت مرحلة «مزمنة».
النزاع الأساسي يكمن في الفجوة المتزايدة ما بين الولايات المتحدة من جانب، تحت إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، والقيادة الأوروبية. النزاع دافعه الأساسي التوجه اليميني المتشدد الذي اعتمدته إدارة ترامب منذ توليها والتي تزداد في المجاهرة بمنطق «أمريكا أولا» سياسيا واقتصاديا وأمنيا. كانت قيادات أوروبية يتقدمها رئيس ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير، الذي حذر من « ديناميكية الهدم» التي باتت «حجر الأساس» للسياسة العالمية. وكان شتاينماير قد حذر في كلمته من «الوطنية» المتطرفة التي تعتمدها دول عدة، في إشارة ضمنية واضحة إلى كل من الولايات المتحدة والصين وروسيا، معتبرا أن ديناميكيات العلاقة بين القوى الثلاثة وتأثير سياسات هذه القوى على المشهد الدولي سوف تنتهي إلى إطلاق سباق نووي جديد على مستوى أكثر اتساعا وتقدما.
انتقادات الرئيس الألماني ربطت بوضوح ما بين «القومية المتطرفة» التي باتت نهجا سائدا في عدة دول رئيسية، بعد أن انتقل هذا التوجه من مقاعد المعارضة إلى سدة الحكم. وكيف يؤثر هذا التوجه على آليات التعاون الدولي. كما أورد إشارة إلى « الالتزام الانتقائي» من قبل بعض الدول بالالتزامات الدولية، في إشارة واضحة إلى السياسة الأمنية والاقتصادية للصين. انتقادات شتاينماير، وافقه عليها عدد من القيادات الأوروبية الذين أعابوا على الولايات المتحدة ما وصف بسياسة « الذاتية» و«الأنانية».
التحذيرات إجمالا وقعت على أذن صماء. فكلمة مايك بومبيو، وزير خارجية أمريكا، جاءت محملة بقدر كبير من «الإنكار» لحقيقة إضعاف التحالف التاريخي عبر الأطلسي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
بومبيو في كلمته، أكد على أن التحالف بين ضفتي الأطلسي « لم يمت»، وأن «الغرب ينتصر». وإن كانت دلائل التدخل، المحسوب على الصين وروسيا وغيرهما، في مجريات الانتخابات الغربية، يؤكد أن مسألة النصر يصعب حسمها.
كما أن تصريحات بومبيو عكست عدم تعامل جدي مع الفجوة المتزايدة بين الجانبين الأوروبي والأمريكي، والتي تعددت امارتها، كما كان من دور إدارة ترامب في توجيه الجدل بشأن مفاوضات لندن وبروسل بشأن الـ«بريكست»، والانقلاب الترامبي الدائم على دور حلف شمال الأطلنطي «الناتو».
بومبيو أيضا تجاهل تحذير شتاينماير، الذي سبق وتولى وزارة خارجية ألمانيا وتعتبر آراءه ذات ثقل في إدارة السياسة الخارجية الألمانية والأوروبية، فيما يخص روسيا. فقد أكد الرئيس الألماني على ضرورة التوصل إلى صيغة للتعامل ما بين الجانبين الروسي والأوروبي. تلك الصيغة كانت من وجهة نظرة بومبيو تتمثل في تعهدات أمريكية بتمويل مشاريع طاقة تبلغ إجمالي قيمتها حوالي مليار دولار في دول شرق ووسط أوروبا، والغرض، وفقا لمومبيو، تعزيز استقلالها فيما يخص ملف الطاقة وفي مواجهة روسيا.
التمويل العملاق يأتي ضمن مبادرة ما يعرف بـ «البحار الثلاثة»، والتي تجمع 12 دولة من الاتحاد الأوروبي تطل على بحر البطليق والبحر الأدرياتكي والبحر الأسود. وتهدف «البحار الثلاثة»إلى تعميق التعاون بين الدول المعنية في مجال الطاقة والبنى التحتية والأمن. ورغم أهمية المبادرة من حيث الثقل والأهداف والتوقيت، إلا أنها تؤكد قصور التوجه الغربي في إيجاد صيغة شاملة وفعالة للتعامل مع روسيا وتحجيم تهديدها.
كما الحال مع روسيا، لم يخرج المؤتمر بحل للمسألة الصينية. فوفقا لدانيال دريزنر، الذي كتب حول «اتجاهات الإجماع الغربي» خلال مؤتمر ميونخ بصحيفة « واشنطن بوست»، أوضح أن الصين، أو بالأحرى «التهديد الصيني» يعتبر العنصر الأوحد القادر على تحقيق توافق بين القوى الغربية أوروبيا وأمريكيا.
ولكن حتى هذا التوافق لا يتوقع أن يؤدي في ما بعد المؤتمر إلى سياسات فعلية وفعالة. فمثلا التحذيرات المستمرة من دور عملاق الاتصالات الصيني «هواوي» ومسألة هيمنته على مشروع «الجيل الخامس» للاتصالات في أوروبا، لا يأتي مصحوبا بـ «بديل» مقنع وقوي، حتى لا يكن هناك حاجة للتعامل مع «هواوي».
وكذلك الأمر في ما يتعلق بالمشروع الاقتصادي والتجاري «الحزام والطريق»، والتحذيرات المتعلقة باستعمار صيني خفي. ومرة ثانية، تلك التحذيرات لا تأتي ببديل أو رادع للمشروع الذي يواصل ضم الحلفاء والنمو بلا توقف.
الدورة 56 أكدت أيضا حجم التخبط الأوروبي الداخلي. ففي الوقت الذي طالب فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بضرورة تطوير الاستراتيجية الأوروبية، وإيجاد سياسات دفاعية وخارجية مشتركة وقادرة على مواجهة التحديات التي تحيط بأوروبا. ولكن ماكرون تبدو أقرب للمثالية منها للواقعية. فمن جانب، هناك حقيقة أن أغلب الدول الأوروبية لا يمكنها زيادة ميزانيتها العسكرية خلال المستقبل القريب.
وأن واقع أن دولة أوروبية عظمى مثل ألمانيا لا تملك دور عسكري فعال على المستوى الدولي، لا يرجح أن يتغير. صحيح أن حتى أيشينجر تحدث بذاته عن الفجوة بين المكانة السياسية والقيادية العظمى لألمانيا، وما بين الدور العسكري المتواضع لألمانيا. ولكن ذلك كله لا يعني تغيير وشيك. فبخلاف مسألة الميزانيات المتشددة، هناك أيضا طبيعة الدستور الألماني الذي يحد من الدور العسكري لبرلين. وهناك أيضا توجه الرأي العام الألماني الذي تجمع أغلب تياراته، على اختلاف دوافعها الإديولوجية، إلى الاستمرار في التزام دور عسكري محدود. ولا يتوقع أن يتغير هذا التوجه في مرحلة ما بعد المستشارة آنجيلا ميركل.
كما أن غياب المملكة المتحدة عن المشاركة بالمؤتمر، على أي مستوى، يشير إلى نزاع جديد ناشئ ومتمثل في المملكة «منغلقة» وأقل تفاعلا في مرحلة ما بعد «البريكست»، وذلك سواء على المستوى الأوروبي أو الدولي. النزاعات، وفقا لمجريات مؤتمر ميونيخ للأمن 56، أكثر تأكيدا وأبعد ما تكون عن الحل.