مؤتمر ميونيخ… وعالم أكثر تعقيدا

إميل أمين –

يعد مؤتمر ميونيخ منصة فريدة في العالم للنخب الدولية في السياسة الدولية، وليس هناك مكان آخر في العالم يجمع هذا العدد من ممثلي الحكومات وخبراء الأمن، وفي تصنيفها وضعت جامعة بنسلفانيا الأمريكية المؤتمر للمرة الرابعة على التوالي في اهم مؤتمر في العالم، والمؤتمر هو بوتقة للتواصل بين الفاعلين الأساسيين للتعارف وتبادل وجهات النظر ولرسم الخطوط الحمراء حول العالم.

انطلق مؤتمر ميونيخ للأمن عام 1963 كحلقة لقاء بين عسكريين، وكان يسمى آنذاك « اللقاء الدولي لعلوم الدفاع »، وخلال اكثر من خمسين دورة انتقل نظام مؤتمر ميونيخ من مجرد مناقشة موضوعات خاصة بحلف الأطلنطي إلى قضايا اكثر شمولية تتعلق بمجريات الأمن العالمي.
ولعل السؤال الذي نقصد الجواب عليه في هذه السطور: هل استطاع مؤتمر ميونيخ لهذا العام في دورته السادسة والخمسين ان يفكك العديد من الازمات العالمية الامنية تفكيكا، ام انه اقترب منها بالتوصيف ومحاولة تقديم رؤى وحلول اولية، لكن على الاقل تساعد القائمين على معالجة الملفات الدولية الشقاقية؟
الشاهد ان رئيس المؤتمر « فولفانج إيشيغر»، قد وصف لقاء ميونيخ هذه المرة بأنه الاهم منذ عشرين عاما، ومضيفا ان المجتمعين سيناقشون خلاله ملفات وأزمات دولية عالقة ومعقدة، كما سيحاولون الإجابة على أسئلة مهمة تتعلق قبل كل شيء بمستقبل الغرب، وبتراجع دوره على مستوى العالم او داخل الغرب نفسه، واسباب هذا التراجع، وسبل معالجته.
يمكن القطع ان قادة الغرب الذين شاركوا في لقاء ميونيخ هذا العام قد مضوا في طريقه ومن خلفهم عجز ومن امامهم يأس من تغير الأوضاع وتبدل الطباع بشكل سريع بحيث يمكن تلافي الأخطار من الطريق، وللحاق بقلب العالم الذي يتغير الى جهة الشرق الآسيوي، ويمكن القطع أيضا بان الخرق يتسع على الراتق، أي أن هناك حالة من حالات القلق العميق بسبب اتساع دائرة الإشكاليات والأزمات كما الحال في سوريا وليبيا، وإشكالية الإرهاب المتنامي في إفريقيا بنوع خاص، وبدا وكأن الاتحاد الأوروبي ذاك الذي كان حلم للأوروبيين يتبخر الآن من بين أياديهم لا سيما بعد الانسحاب البريطاني وما يخلفه ذلك من تبعات واستحقاقات مزعجة لعموم الأوروبيين فقد كانت بريطانيا ولا تزال ثقل مهم للغاية في هذا السياق الأوروبي.
قبل انعقاد لقاء ميونيخ الأخير كانت العقول التي تعد للمؤتمر من وراء الستار قد أصدرت ما يعرف بالتقرير الأمني لميونيخ، أي خطوط الطول والعرض للقضايا التي يتم تناولها في ايام اللقاء، وقد تجلت واضحة نقاط التركيز او بمعنى ادق ملامح الخلاف الرئيسة في العالم الاوربي هذا العام، من جهة، والعلاقة الامريكية الاوروبية من ناحية تالية، ومن جانب ثالث علاقات الناتو بالقوى الاستراتيجية الوليدة حول العالم، وبنوع متميز العلاقة مع روسيا الاتحادية والصين.
في تقرير هذا العام رأينا تزايد الانشقاقات داخل المعسكر الغربي، ما تجلى في عدم القدرة على توحيد الرأي جهة الملف الإيراني على سبيل المثال، ففي الوقت الذي توقعت فيه امريكا المزيد من العقوبات على طهران، تسعى اوروبا لاستنقاذ ايران من خلال آلية تعامل مالية توفر بعض من الاحتياجات الاساسية للدولة، عطفا على ذلك هناك خلافات متصاعدة حول مشروع خط أنابيب « السيل الشمالي 2»، والذي يحمل الغاز والنفط من روسيا مرورا باوكرانيا وصولا الى بقية دول اوروبا.
لا تتوقف الخلافات عند هذا الحد بل تمضي ايضا لجهة قضية اختلالات التجارة عبر الاطلسي، والانفاق الدفاعي لحلف الناتو، وهل يجب على دول الاتحاد الاوروبي التعاون بشكل اوثق في قضايا الامن والدفاع والتجارة والهجرة.
هل من قضية أولية باتت تشغل الأوروبيين قبل وأثناء مؤتمر ميونيخ ؟
لتكن اوروبا بداية هي نقطة الانطلاق ومنها نستطيع تحديد بوصلة التوجه الفكري، والتساؤل إلى أين وماذا يشغلها، ما يقودنا حكما الى العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية أول الأمر.
هنا ليس سرا القول ان مخاوف عميقة تنتاب الأوروبيين من علاقتهم مع الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرجل الساعي إلى جعل أمريكا الأكبر والأقوى والأفضل، حتى لو جاء ذلك على حساب العلاقة مع الاوربيين، وذلك بعد نحو 75 عام على قيام وارتقاء الناتو، كأهم الأحلاف السياسية والعسكرية والاقتصادية في التاريخ المعاصر، الحلف الذي جمع جانبي الأطلسي طويلا في مواجهة المخاوف من الاتحاد السوفيتي السابق.
تكتب صحيفة « ليزيكو » الفرنسية صباح نهاية لقاء ميونيخ مشيرة إلى مخاوف الأوروبيين من أمريكا التي أدارت ظهرها لاوروبا عبر سياسات ترامب، واعتبارها انها تضع مصالحها فوق مصالح الاوروبيين، ما دعا وزير الخارجية الأمريكي « مايك بومبيو» لرفض الانتقادات التي وجهها الرئيس الألماني ومسؤولين اوروبيين آخرين للسياسات الامريكية المنفردة والمخاوف من خفوت تاثير الحكومات الغربية في العالم واصفا ايها بانها « لا تعكس الواقع ». تقودنا هذه الجزئية الى مساءلة قضية اهم ألا وهي الوضع العام للولايات المتحدة الأمريكية حول العالم عشية مؤتمر ميونيخ، وهل نحن أمام أي امريكا، هل المثالية ام الواقعية، او هل نحن تجاه استحقاقات أمريكا الويلسنية ام امريكا الجيفرسونية؟
يكاد تقرير الأمن الصادر قبل لقاء ميونيخ يشي بأبعاد المشهد، اذ يرى ان واشنطن قد تراجع دورها كحارس للنظام الدولي، وانها بدات في ترك المجال لقوى اخرى مثل روسيا وايران وتركيا، الامر الذي يجعل الاوروبيين امام حيرة من امر مستقبلهم وكيف لهم ان يواجهوا هذا الواقع كلاعب عالمي على رقعة الشطرنج الادراكية؟
ما يشغل الغرب الاوروبي بداية هو طريق النصر، وربما بصيغة مخففة عدم التعرض لاخفاقات تعيد ذكريات الحرب العالمية الثانية الاليمة، وهناك في إطار الاتحاد الأوربي اليوم من يذهب الى ان روسيا باتت تمثل من جديد تهديدا لأوروبا، عطفا على ذلك فان الصين بدورها تكاد تضحى عامل خوف شديد قائم وقادم، ومن هنا اضحى السؤال كيف للغرب ان ينتصر؟
وزير الخارجية الامريكي بومبيو يصرح بالقول « ان الغرب ينتصر ونحن ننتصر معا »، مضيفا قوله « يسرني ان ابلغكم ان فكرة التحالف بين ضفتي الاطلسي قد مات، هي فكرة مبالغ فيها الى حد كبير «، ويشدد الوزير الامريكي على ان بلاده اسهمت في تعزيز حلف شمال الاطلسي في شرق اوروبا بالقرب من الحدود مع روسيا.
في لقاء ميونيخ وازمات التفكيك واعادة التركيب مرة جديدة في المجتمع الدولي كان من الواضح ان المانيا تمثل ثقلا استراتيجيا اوروبيا بداية الامر وعالميا تاليا، والذين استمعوا الى تصريحات الرئيس الالماني « شتاينماير» الموجهة الى وزير الخارجية الامريكي بومبيو والتي اتهمه فيها بأن شعار امريكا اولا، قد هز النظام العالمي واجج انعدام الامن في عالم غير مستقر وقر لديهم عمق الخلاف الأوروبي الامريكي مهما حاول البعض مواراته او مداراته.
على موائد النقاش خلال لقاء ميونيخ كانت هناك إشكاليه قائمة وتتعلق بالصراعات القريبة من اوروبا تحديدا، سواء في الشرق الاوسط، او الشرق الآسيوي، والمخاوف تتصاعد يوما تلو الآخر من الانسحاب الغربي من ملعب الازمات الدولية، ولا سيما اذا فضلت ادارة الرئيس دونالد ترامب ترك ملعب العديد من البقاع الحيوية والاستراتيجية للفراغ الجديد، بالضبط كما فعل الرئيس الامريكي السابق باراك اوباما، من خلال نظريته المعروفة باسم القيادة من وراء الكواليس، وقد ترك وراءه فجوات عميقة وواسعة، وفراغات قوة ونفوذ، قام الجانبان الروسي والصيني بملئها مرة والى اجل غير مسمى.
هنا فان معدي تقرير ميونيخ قد اعربوا عن اعتقادهم بأنه اذا ما واصل الغرب تردده نحو التدخل بالنزاعات الأجنبية العنيفة، فلن يعني ذلك اختفاء هذه النزاعات بل قد تزداد تصعيدا، مشيرين الى أن الأوضاع بدول الجوار الأوروبي وتحديدا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا غير مستقرة، فشعوب تلك الدول وبعد ثماني سنوات من الاضطرابات في زمن ما عرف باسم الربيع العربي لا تزال المشاهد فيها غير واضحة الأمر الذي يجعل من منطقة حوض البحر الابيض المتوسط مثار قلق للجميع.
وعلى ذكر منطقة البحر الأبيض المتوسط، فقد حذر المجتمعون في ميونيخ من ان الوضع الليبي قد بات « مقلقا جدا»، ومرة اخرى كانت ألمانيا تتحرك بجدية في محاولة لاستنقاذ ليبيا والليبيين من وهدة جحيم الحرب، فقد سعى وزير الخارجية الألماني « هايكو ماس»، خلال المشاورات مع نظرائه الأوروبيين لإقناعهم بالتوصل إلى قرار حول المساهمة الأوروبية في مراقبة حظر تصدير الأسلحة إلى ليبيا، الأمر الذي جرت به المقادير بالفعل تاليا، وان كانت هناك اصوات وتحليلات تشير الى ان الأوروبيين مهمومون ومحمومون بحماية بلادهم من الارهاب، وقطع الطريق على الجماعات الاصولية من الوصول الى الداخل الاوروبي.
لقاء ميونيخ الاخير جاء صريحا غير مريح تجاه واحدة من اخطر قضايا العصر، أي التطور المناخي، ففي هذا الصدد اشار معدو تقرير ميونيخ للأمن الى ان السياسات التي تتبعها دول مجموعة العشرين، وهي اكبر عشرين اقتصادا على مستوى العالم، وتمثل 78 بالمائة من انبعاثات غازات الدفيئة، قد فشلت الى حد كبير حتى الآن باجراء التعديلات والتحولات اللازمة على سياساتها الصناعية والبيئية، وهو ما ينذر حال استمرارها بكوارث مناخية تشرد اكثر من 140 مليون شخص بحلول عام 2050 بافريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا وامريكا اللاتينية وحدها.
هل الارض فقط هي المهددة ام البحر والجو ايضا في حاضرات أيامنا ؟ بالقطع بات البحر في مواجهة خطيرة مع ارتفاع منسوب المياه بسبب ذوبان الاقطاب الجليدية، الأمر الذي سيؤثر على مساحات اليابسة ويهدد باغراق العديد من الاماكن المسكونة بالبشر وهذه أزمة مضافة لأزمات العالم المعاصر.
اما الجو او الفضاء فيمضي الخطر في جانبين، الأول هو العودة الى عالم عسكرة الفضاء واعادة سباق تسليح غلاف الارض، لا سيما من قبل الامريكيين والروس والصينيين، والثاني هو الأقمار الاصطناعية التي تصل إلى اكثر من 2000 قمر تحتاج إلى تنسيق لإبقائها آمنة.
ميونيخ وصف الإشكاليات، لكن الغالب هو أن الخرق اتسع على الراتق الى حين إشعار آخر.