الفرص البديلة .. هل هي خيار للهروب من الواقع

أحمد بن سالم الفلاحي –

متى يمكن أن نجزم؛ جزما تاما أن ما نقوم به من ممارسة فعل ما، أو سلوك ما، هو الأهم، وهو المجدي، وهو المقبول، وهو المستساغ، وهو المثالي، وهو الذي لا يختلف عليه اثنان؟ وكيف لنا أن نتأكد أن كل ممارساتنا ومشاريعنا، ومواقفنا، هي بالنسبة لنا البديل الأوفى، والأصدق، والأنجى، وأن ما يشير إليه الآخرون من حولنا لا يمثل لنا أهمية ما؟

وما هي المسافة العمرية التي يمكن الاطمئنان عليها للوقوف على أرضية صلبة بأن جل؛ إن لم تكن الكل؛ ما نقوم به هو عين الصواب، وهو الفرص المتاحة للذهاب في ذات الفعل، أو القدرة على التوقف عند نقطة ما؟ وهل ندرك؛ في حالة التنقل من فرصة إلى أخرى؛ أن خياراتنا هي في حقيقتها هروب من الواقع الذي نعيشه، وأننا لا نستغفل أنفسنا، وأن ما نمارسه هو الصواب بعينه؟
كلنا؛ بلا استثناء؛ نبحث عن فرص بديلة، فرص تنقلنا من حالة العسر إلى حالة اليسر، فرص تبني لنا مجدا لم نحلم به بعد، فرص نستعيد من خلالها كل ما خسرناه على امتداد رحلة العمر، ونجتهد في ذلك، وربما نخاصم القريب والبعيد، وقد نحاكم؛ إذا أتيحت لنا الفرصة لأن نكون على نصة القضاء، ونتحاكم؛ ونحن مصرون على مواقفنا، وقد ندخل في معارك مادية ومعنوية من الهم والحزن، وشراء الذمم، والخيانة، وقد نهجر الوطن بكل ما نحمل له من ود، وقد نغالي في الطلب إلى حد الإسراف، وقد نقسوا على من حولنا حيث ننزلهم منزلة العداء، وقد نغتال أنفسنا بريئة لا دخل لها سوى أنها تصادف مرورها في الساعة الحرجة، ولا دخل لها في تحديد مصائر اختياراتنا، كل ذلك يحدث ونحن في زحمة التنقل من فرصة إلى فرصة نظن أنها بديلة عن أخرى، وفق تقديراتنا، واجتهاداتنا.
الفرص البديلة هي عوالم خاصة بامتياز، وذلك ينظر إليها بالكثير من الخوف في بعض الأحيان، لأنها؛ غالبا؛ ما تكون على حساب استحقاقات الوطن الكبير، وتغني عن الحضور الحقيقي لهذه الاستحقاقات، وبالتالي متى تحكمت في النفس، نقلتها من محيطها العام، إلى محيطها الخاص الضيق، وفي ذلك خطورة جدا على الفرد، حيث أنه سوف يُجّير كل ما هو عام، إلى كل ماهو خاص، وإن كانت هذه الخصوصية هي المحفز؛ في الأساس؛ للبحث عن فرص بديلة، فالعام؛ غالبا؛ لا يتموضع على الخاص لكل فرد على حده، لأن الأهداف تكون كبيرة، وعامة، لصالح كل من يعيش في بقعة جغرافية هي جزء من الوطن، ولذلك يجتهد الأفراد ليملي لهم هذه الرغبات الخاصة، التي تجيش في النفوس، وهذا الأمر؛ في حقيقته؛ وإن كان مشروعا، إلا أن خطورته المبالغة فيه إلى الحد الذي يحول المشاريع العامة إلى مشاريع خاصة، ويجد الفرد في المشروع العام، فرصته البديلة لتحويله إلى مشروع خاص يحقق لها عائدا ما من العوائد المادية والمعنوية، أو احدهما.
يحل الاختلاف في هذه المسألة في لحظة التوقيت، أو شكل المناسبة، فعلى سبيل المثال؛ هل خير لك أن تقرأ كتابا، أو تشاهد عملا فنيا عبر جهاز التلفاز، أو تذهب إلى أحد المسارح لتحضر عملا مسرحيا – بالنسبة لك – يشكل أهمية قصوى، أو تزور صديقا، أو مريضا، أو تشارك في عمل تطوعي، حيث أنه في كل هذه المفاضلات أن تستبدل فرصة بديلة عن أخرى، وترى فيها الأهمية الأهم، أو أنك تهرب من أحدها لأنها توقظ فيك ألما ما؟
هنا تكمن المعادلة، وهي مسألة ليست يسيرة إطلاقا، وخاضعة؛ كثيرا؛ لعوامل نفسية ومادية عند الفرد، فالمفاضلات في عموميتها هي حالات خاصة، وتكون خاضعة لظروف كل فرد على حدة، ولا يمكن تعميمها على الجميع، لاختلاف الظروف التي يعيشها كل فرد، ومستوى الغنى المادي والمعنوي عند كل فرد أيضا، ولذلك تظل هذه المفاضلات مسألة نسبية على حد بعيد، ويمكن أن تستشف هذه المفارقات من خلال سلوكيات الأفراد، ويمكن للأماكن أن تنبئك عن هذا الاختلاف، وعن توجهات الأفراد، وعن ما يختلج في أنفسهم، فحيث ما تتوزع الأمكنة، تتوزع هذه النداءات الذهنية، فعلى شاطئ البحر، أو على امتداد حديقة غناء وارفة الظلال، أو حيث الامتداد اللانهائي في الصحاري، أو على امتداد الكثبان الرملية تجلس المجموعة تجتمع على مجموعة من التسالي، لعب ورق، أو كرة قدم، أو لعب تقليدية مختلفة، فالمهم أن تهرب من واقعها المشحون، فحيث تكون هذه الأماكن، تكون الفرص البديلة عن هذه المجموعة أو تلك.
يقال؛ والعهدة على الراوي: «أن الحياة عبارة عن (5) كرات تتلاعب بها، وهي: العمل، العائلة، الصحة، الأصدقاء، الروح»- انتهى النص .
فالروح وهي المعادلة الصعبة في هذه الخماسية، فأرى أن لا حديث حولها لحساسية العلاقة بها، ومعها، وليس هناك من كائن حي يمكنه أن يقترب من روحه، ليجد فيها أو عنها فرصة بديلة، فهي خارج سياق القدرة لأي كائن حي، أما الكرات الأربع الباقية، فهي القابلة للأخذ والرد، لأنها خاصة إلى حد بعيد للإرادة البشرية، في ظل مفهوم أن الإنسان «مخير ومسير» وكل منها يمكن أن يكون فرصة بديلة عن الأخرى، وفق مفهوم النسبة والتناسب بين الأفراد، وهي خاضعة إلى حد كبير لمسألة الظروف، والبيئة التي يعيشها كل فرد على حدة، ومجموعة الضغوطات الجانبية التي يتعرض لها الفرد، بالإضافة إلى محدد العمر، والخبرة، وتجربة الحياة، فهذه العوامل مجتمعة لها أدوار محورية في مسألة المفاضلة في الفرص البديلة عند كل فرد، وهذه مسألة مهمة، يجب أن ينظر إليها عند الاحتكام في مناقشة هذه المسألة.
وعلى سبيل المثال: فالصحة يمكن أن تكون فرصة بديلة عن العمل في حالات استثنائية كثيرة، فهناك أناس كثيرون ضحوا بوظائفهم لخاطر صحتهم، حيث قيموا حالتهم على أن الصحة هي الفرصة البديلة الكبرى للبقاء أكثر لحياتهم دون منغصات، وكذلك الحال يمكن أن يكون الأصدقاء فرصة بديلة عن العائلة، وهناك من ارتهن على البقاء قريبا من أصدقائه، واقنع نفسه على انهم الفرص البديلة عن العائلة، والتزاماتها الضيقة، وهم بذلك راضون عن أنفسهم إلى حد بعيد، كما يمكن أن يكون العمل فرص بديلة عن الأسرة، وعن الأصدقاء، وهناك من أغرق نفسه في التفاؤل أكثر، فرآه بديلا عن الصحة؛ وإن خسر في نهاية المطاف؛ إلا أنه في لحظة ما من لحظات الترقي، والسمو، والأجواء الاحتفالية وجد في العمل فرصته البديلة عن أشياء كثيرة في الحياة، وبمعنى آخر؛ أن كل هذه الصور الأربع يمكن أن تكون فرصا بديلة عن أخرى، بنسب متفاوتة، والذين ذهبوا هذا المذهب حققوا الكثير، وخسروا الكثير أيضا، وهذه من المعادلات النسبية، وليست المطلقة، لأن الحياة بنيت على التوازن؛ وفق قاعدة؛ «لا ضرر ولا ضرار».
هناك أيضا من ينظر إلى الدين، الممثل بمذهب ما، أو بممارسة ما، أو بأيدلوجية ما، على أنه البديل المطلق عن كثير من فرص في الحياة، من شأنها أن تضيف عملا رائعا في حياتنا اليومية، بل يذهب الأمر إلى أكثر من ذلك، وهو العمل على الفاصل المطلق أيضا بين التزاوج بين الحياة والدين، أو العكس، حيث يعيشون حياة منفصلة تماما عن الالتزام بمحددات الدين، فهؤلاء، وهؤلاء، يجدون فرصهم البديلة عن الآخر، وهنا لا أعطي حكما بصواب أو خطأ فريق دون آخر، فهذه كلها تظل أفكار ينتصر بعضهم على أنفسهم بذات الفكرة التي يراها فرصة بديلة عن أخرى، هل هم مخطئون بصورة مطلقة، أو على صواب بصورة مطلقة، يبقى هذا أمر مفتوح للنقاش المتوازن، يحق لكل ذي فكر أن يخوض فيه، دون المساس بالشخوص؛ كشخوص.
ختاما؛ متى ندرك أننا لو قمنا بعمل ما، سنحدث تغييرا في حياتنا؟
ولو فضلنا عملا ما آخر، سنجد فيه فرصة بديلة تغنينا عن الأول، وأن هذه الفرصة البديلة ستحدث تغييرا جوهريا في حياتنا، وكيف لك أن نتصارع مع حياتنا بين ما هو مستحق بأهدافه الكبيرة، وبين ما هو يلبي رغبة مؤقتة؛ هنا المعادلة تكمن.

جريدة عمان

مجانى
عرض