الخطاب السامي يرسم عنوان المرحلة القادمة

جاء الخطاب السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- مشبعاً بالمعاني السامية والدلالات واسعة المدلول، والقيم والمفاهيم التي تشكل منهاجا للمرحلة المقبلة من العمل الوطني، باتجاه تحقيق المستقبل المشرق لعُمان في كافة قطاعات الحياة، بما يقود البلاد إلى المساهمة الفاعلة في الحضارة الإنسانية. فالخطاب السامي جاء محملاً بالكثير من الأفكار والتوجيهات السديدة والإشارات الجلية التي تتطلب مزيداً من التأمل والتدبر، لكي تخرج في شكل برامج عمل وخطط واستراتيجيات ورؤى للمرحلة القادمة، في سبيل الاستمرارية المنشودة في النهضة الحديثة وبناء الدولة العصرية.
ولعل الإشارة الأولى الجليلة التي ينبغي التوقف عندها هي أن جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – أيده الله – انطلق في خطابه السامي، بالتأكيد القوي على أن عُمان اليوم هي تلك الدولة التي أسس لها جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيب الله ثراه – وأن التحول الذي تم خلال خمسة عقود من الزمان، كان الفضل الأساسي فيه لجلالة السلطان الراحل رحمه الله، وجهود المخلصين من أبناء الوطن، مؤكداً – جلالته – على دور السلطان قابوس كرجل حكمة وسلام، وأن ما أنجزه سيكون مصدر إلهام على مدى العصور.
قدم جلالة السلطان الشكر للجميع على المشاعر النبيلة كما شكر قادة دول العالم الشقيقة والصديقة والمنظمات والشعوب على مشاعرهم وعزائهم في فقيد عُمان العزيز، مشيراً إلى أن ذلك يعكس «مكانة السلطان الراحل الدولية ومكانة السلطنة التي كرس حياته لأجلها».
من هذه الإشارة وهذا المعنى يمكن التأكيد على استمرار تاريخ عمُان المشرف وفاعلية دورها في الحضارة والبناء والمضي في حمل الأمانة التاريخية في مواصلة النهضة المباركة، باتجاه هدف سامٍ هو أن تظل عُمان هي «الغاية الأسمى».
حفل الخطاب السامي لجلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – بفيض من المشاعر النبيلة التي يقابلها الفخر بإرث السلطان الراحل، كذلك من جهة ثانية الحثّ على إكمال النهضة، وأيضا تشجيع الجميع وحفزهم للعمل من أجل المرحلة المقبلة بصون المكتسبات وإكمال المسيرة الظافرة لعُمان المستقبل.
وهنا سوف نجد أن هناك العديد من المرتكزات التي يمكن أن نستلهم منها الإضاءات في هذا الطريق المرتجى على ضوء الرؤية المستقبلية «عُمان 2040»، التي أشار إليها عاهل البلاد المفدى، التي تركز على دور التعليم والبحث العلمي والابتكار كأولويات في طريق الغد المشرق، كذلك الدور المنشود من ثروة الأمم أي الشباب، بالحرص على الاستفادة منهم والاستماع لهم كمساهمين في نهضة الغد المنشود. وإذا كانت الرؤية المستقبلية التي ترأس جلالته -أيده الله- اللجنة الرئيسية لها، قد قامت على مفهوم المشاركة، فإن هذا هو دليل المرحلة المقبلة، وهذا يأتي ضمن عدد من الموجهات والبرامج العملية والخطط التي حددها الخطاب السامي بالنظر إلى التحديات على المستوى الداخلي والخارجي باعتبار أن أية دولة معاصرة هي جزء من محيط العالم.
يمكن تلخيص جملة هذه الأهداف المستقبلية التي جاء ذكرها مفصلة في الخطاب السامي لرسم طريق الغد، في: إعادة هيكلة جهاز الدولة وتحديث القوانين والتشريعات وتبسيط الإجراءات وحوكمة الأداء والمحاسبة ومراجعة الشركات الحكومية، كل ذلك من أجل ضمان الانسجام مع الرؤية المنشودة، وحيث يرتبط كل ذلك مع الاهتمام بدراسة آليات صنع القرار الحكومي ليكون في خدمة المصلحة الوطنية العليا.
هناك أيضا التأكيد على الإدارة الرشيدة للموارد المالية والاستدامة والتنويع الاقتصادي ودور القطاع الخاص في عملية البناء، لاسيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي يعول عليها أن تقود مرحلة الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، ليكون هذا القطاع لبنة أساسية وفعلية في منظومة الاقتصاد المستقبلي.
وإذا كان الحديث عن الشباب والاقتصاد والإنسان بشكل عام، فقد كان التوجيه الجلي بالاهتمام بتطوير إطار وطني للتشغيل، للقطاعين العام والخاص، عبر مراجعة نظم التوظيف وتبني سياسات جديدة بما يمكن من التمكين الفعلي في سوق العمل ويقود أبناء عُمان للمساهمة الفعلية عبر التضحية والبذل والعطاء.
أكد جلالة السلطان -أيده الله- على قيمة العمل السامية والإخلاص فيه، وربط ذلك بعدد من المفاهيم كالنزاهة في كافة قطاعات العمل، بالإضافة إلى بناء الثقة بالقدرات والبصيرة والحكمة والتضحيات وغيرها من المعاني المبذولة في الخطاب السامي. ويتكامل ذلك مع مفهوم الشراكة المنشود للكل، بالإشارة للمرأة ودورها في مختلف المجالات، بما يؤدي إلى صناعة الحاضر وتشكيل دعائم المستقبل في إطار الثوابت الوطنية.
وفي ظل هذا التمسك القوى بالثوابت الوطنية ودولة القانون والمؤسسات، فقد جاء التأكيد السامي على هذه المعاني الراسخة، من مبادئ الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص والعدل وحرية التعبير، التي تُمكّن كلها، من السير إلى الأمام بكل عزة واقتدار في دولة العصر المنشودة، بما يساعد عُمان من الانتقال إلى مستوى الطموحات والآمال، وهو ما أشار إليه جلالته بـ «عنوان المرحلة القادمة»، وفي سبيل ذلك يكون تكريس الحياة «لأجل عمان لاستمرار المسيرة الظافرة».
أيضا لابد من التوقف مع الثناء السامي الذي قدمه جلالة القائد الأعلى لجميع العاملين بالقوات المسلحة الباسلة والقطاعات العسكرية والأمنية، لما لهم من دور في الذود عن الحياض والمكتسبات، وتأكيد جلالته على تقديم الرعاية لهم لتبقى هذه القطاعات «الحصن الحصين»، فتراب هذا الوطن محمي بهؤلاء الجنود البواسل الذين استحقوا ثناء ورعاية جلالة السلطان المعظم.
وإذا كانت المعاني وارفة الظلال كما تمت الإشارة في البداية، فإن هذا الخطاب السامي يتطلب أكثر من قراءة لاستخلاص برامج المرحلة المقبلة، وهو عمل وجهد مفترض أن تضطلع به كل جهة وكل فرد، بما يحول عُمان إلى خلية عمل مستمر لأجل إنجاز الرؤية المستقبلية التي طرحها جلالة السلطان المعظم، التي عمادها العبارة الوافية «كل يد تبني عمان لنا منها كل التقدير والثناء».
أخيراً فإنه ليس ثمة أبلغ من هذه العبارة في الإشادة من سلطان البلاد المفدى بالجهود التي يضطلع بها الجميع لأجل عنوان المرحلة المقبلة، بأن تكون عمان رائدة في كافة المجالات بإذن الله.

جريدة عمان

مجانى
عرض