العـالـم بين القـوة الناعمـة والحكمـة

ديفيد هاول – جابان تايمز – ترجمة قاسم مكي –

على هذه الصفحة بالذات وقبل أكثر من 30 عاما بدأت مناقشةُ ما يسمى «البُعد الناعم» للسياسات العامة والشؤون الدولية في مقال بعنوان «علم الاقتصاد الناعم: دروس حكيمة من اليابان» وتحديدا في يونيو 1987 .
(الاقتصاد الناعم مصطلح جرى صَكُّه في اليابان لدراسة الانتقال في اقتصاد البلدان المتقدمة من قاعدة الصناعة إلى الخدمات وخصوصا تقنية المعلومات ( المترجم).
طُرِحَ التطويرُ الباكر لمفهوم «الاقتصاد الناعم» في الدوائر الجامعية اليابانية بوصفه العدسة الجديدة التي يمكن من خلالها رؤية وقياس وفهم سلوك وارتقاء الاقتصاد العالمي الرقمي الذي يرتكز باطراد على المعرفة، ثم تعديل السياسات بناء على ذلك.
بعد سنوات قليلة لاحقا وفي استبصار بارع وَسَّعَ مفكر هارفارد العظيم جو (جوزيف) ناي هذا المفهوم بهدف تطبيقه في الشؤون الدولية من خلال فكرة «القوة الناعمة» وإدارة العلاقات الدولية وفرض النفوذ بحيث يحل الإقناع والتعاون الثقافي محل القوة الجبرية .
انتشرت هذه الفكرة انتشار النار في الهشيم حيث بدا أن الأفكار العسكرية القديمة لمفهوم «القوة هي الحق» تفشل باطراد في عالم مثقل بالمعرفة ويتزايد ترابطه.
ثم جاءت بعد ذلك فكرة «الإدارة الناعمة» التي انتشرت في قطاع الأعمال. وهي ترى أن التراتبيات الهرمية (من فوق إلى تحت) التي تصدر عنها سلاسلُ التعليمات والقواعد في الشركة أو المؤسسة لم تعد تعمل جيدا في العصر الرقمي. بدلا عن ذلك ستصوغ تياراتُ البيانات المنتظمة القراراتِ وتحل محل «الفرمانات» أو الأوامر العشوائية المتنزلة من أعلى سواء في قطاع الأعمال أو الإدارة العامة.
ثم أعقبتها «الحماية الناعمة». وهي الفكرة التي ترى أن سلامة وحماية المجتمعات والمواطنين يمكن تحقيقهما من خلال المعلومات الاستخبارية العميقة والتدابير الاحترازية «السيبرانية» بقدر إمكانية تأمينهما من خلال الجنود والعتاد العسكري؟
والآن أخيرا تأتي الدعوة إلى «القيادة الناعمة». وهي الجمع الحاذق بين التوجيه الإستراتيجي والتمكين الجماهيري والذي يتطلب مزيجا من التواضع والحكمة من جانب القمة في الحكم والكوادر الحاكمة. وهذا شيء من المحزن أن عالم اليوم يبدو مفتقرا إليه.
بالطبع يتوالى ظهور كل هذه الأفكار التي قلبت التفكير التقليدي حول الكيفية التي يشتغل بها العالم أو الطريقة المثلي لتحقيق نتائج جيدة. هذه الأفكار تناقضها أمثلة عديدة وواضحة للقوة الخشنة والقبيحة التي تسود حتى الآن من وحشية داعش غير المعقولة في الشرق الأوسط إلى الطغيان الغاشم والظلم الفادح في بلدان عديدة وإلى أعمال القتل والشغب العنيف والاغتيالات المباشرة مثلما حدث للجنرال الإيراني قاسم سليماني وسوى ذلك. كما أن التمكين الشعبوي الجماهيري الذي صار ممكنا بفضل التقنية الجديدة لا يكون دائما لطيفا أو متسامحا. فالجماهير الغاضبة، في أحيان كثيرة، أبعد من أن تكون «ناعمة».
رغما عن ذلك هنالك اتجاه واضح ويحظى بدعم واسع نحو مقاربات أكثر نعومة وتسامحا ولطفا في كل فروع الحكم والإدارة سواء تعلق ذلك بالعلاقات أو المؤسسات أو الأعمال أو السلوك الاجتماعي. وهو اتجاه يدرج داخله الانقسامات السياسية القديمة بين اليمين واليسار والمحافظين والليبراليين.
قد تكون كلمة «ناعمة» ذاتها مضللة بالنظر إلى أن ما يُقتَرح قد يرقى إلى ضغط حقيقي يمكن أن يكون قاسيا وقهريا حتى وهو في قفازات ناعمة. فمثلا استخدام العقوبات الاقتصادية وليس القنابل يمكن أن يسبب معاناة حقيقية للجهة المُعاقَبَة. ربما أن «القوة الذكية» أو «الاقتصاد الأكثر حكمة» عبارتين أفضل لتحقيق الغايات بوسائل بارعة.
قبل أكثر من ألفي عام كان الجنرال الصيني صُن إتزو (مؤلف كتاب فن الحرب حوالي 500 ق.م ( المترجم) يعرف كل شيء عن القوة الناعمة وكيف يمكن للمرء أن يصل إلى مبتغاه دون مواجهة خشنة أو حرب.
ونحن اليوم نفكر في خوض الحرب بدون خسائر بشرية وفي معارك بين الطائرات الآلية (دون طيارين) ونشر قوات روبوتات «أجهزة إنسان آلي» برية وبحرية وجوية على جبهات القتال.
في الحقيقة لقد صار حتميا الآن مع تولي الروبوتات أداء المهام الروتينية والمادية (بما في ذلك القتال) أن يجد البشر أنفسهم وهم يؤدون أدوارا مختلفة. فالعقول وليست العضلات هي التي يجب استخدامها لحل أسوأ مشكلات وتوترات العالم.
ذلك يعني تعليم الجيل التالي تقبل الالتباس والتسامح مع المفارقات والتعايش مع غير المعلوم وتطوير مهارات طرح الأسئلة الصحيحة وتحدي اليقينيات «العلمية» ونتائج المسوحات واستطلاعات الرأي العام و«الحقائق» التي تبدو متينة في ظاهرها ولكن يتضح أنها هشة في جوهرها، أي كل تلك الأشياء التي لن يكون بمقدور أذكى الروبوتات القيام بها على الإطلاق.
وربما أن تزايد دور النساء في الحكم والإدارة في كل مكان تقريبا أيضا أضفى زخما قويا للمقاربة «الناعمة» والعملية لقضايا العالم العويصة.
ومع إمكانية التحقق الفوري من آراء كل شخص عبر «تقنية البيانات الوفيرة» تتضح أكثر أخطار ونقائص التصرفات الخشنة والمتهورة بواسطة قادة يزعمون أنهم «يعلمون» ما يريده الشعب.
بصرف النظر عن وجهة الأشياء يجب أن تلتقي القوة «فوق» مع القوة «تحت» بطرائق لم تتحدد أبدا في السابق بمثل هذا الوضوح. فحتى من تبقي من طغاة اليوم يتعلمون ذلك.

لا يزال العالم مكانا خشنا، أنه خشن حقا للملايين من اللاجئين والعائلات النازحة والأقليات المضطهدة، لكن يتزايد الإدراك بأن العنف يرتد على صاحبه وأن الوسائل الناعمة وليس التصرفات الخشنة والصدامية والخطط القتالية هي التي لديها الآن أفضل الفرص في بسط الاستقرار المجتمعي والتلطيف من الصراعات التي تأتي منها المعاناة. ربما عاد إلينا مرة أخرى عصر صن إتزو بفضل الترابط الفائق (بين الناس عبر الإنترنت) والشفافية التامة والذكاء الاصطناعي، وهي كلها ثمرة عصر الرقائق الإلكترونية الدقيقة. ذلك هو حقا التقدم المنشود في وضع البشر.

  • الكاتب سياسي محافظ وصحفي ومستشار اقتصادي
جريدة عمان

مجانى
عرض