حاجة لبنان للعودة إلى الوحدة الوطنية والتوافق

د. عبد العاطي محمد –

نكون أو لا نكون، هذا هو التحدي الذي يواجه اللبنانيين جميعا اليوم شعبا ومسؤولين، فالاستمرار على عدم الاستقرار خراب في كل شيء لا يسمح للوجود القومي بالبقاء، بينما التسريع بحزمة إصلاحات فعالة تتمشى مع ما لا يزال يطالب به الحراك الشعبي على مدى نحو 6 أشهر، هو المخرج الآمن ولو مؤقتا من الأوضاع العصيبة الراهنة، ولن يتأتى ذلك إلا بالعودة إلى الوحدة الوطنية والتوافق بين كل مكونات الشعب اللبناني.

من ينظر فقط إلى نصف الكوب الفارغ، لن يقبل بهذا التصور، بل يعتبره ضربا إما من الخيال أو المثالية غير المجدية، أو محاولة للقفز على مطالب الاحتجاجات التي ضربت البلاد منذ 17 أكتوبر 2019. وأما من ينظر إلى النصف الملآن، فإنه يعتبره مدخلا للتصحيح وإعادة البناء ووضع البلاد في حالة إنقاذ لا في حالة هلاك وضياع. ولأن الوضع اللبناني المضطرب اتخذ منحى تصاعديا بشكل ربما جاء مفاجئا حتى بالنسبة لمن تصدروا المشهد سياسيين وجماهير في الساحات المختلفة، ولأنه امتزج بأشكال من العنف جدد أجواء الحرب الأهلية (1974- 1989)، فإن أصوات المتشائمين كانت هي الأكثر حدة وشمولا. ومما زاد من القلق المشروع على حاضر ومستقبل النظام اللبناني الذي كان يضرب به المثل بأنه واحة الحرية والديمقراطية والرفاهية في منطقة معظمها جرداء من هذا القبيل، أن البيئة الإقليمية ساخنة إلى حد غير مسبوق بفعل ما جرى ويجري سواء في سوريا أو العراق أو الأراضي الفلسطينية أو غيرهم من بعيد نسبيا، والطبيعي أن يضاعف كل ذلك من الضغوط التي تفجر الحجر قبل البشر، وهنا لا يمتلك المتفائلون رفاهية الثقة في أن القادم أفضل.
ولكن صعوبة الموقف على هذا النحو لم ولن تستطيع دفع مصير لبنان في اتجاه واحد هو الانهيار، كدولة وشعب، لسببين أولهما لبنان بقراءة التاريخ الطويل منذ الوجود العثماني وإلى اليوم مرورا بنشأة لبنان الحديث والمستقل عرف أزمات وحروب طائفية وتدخلات خارجية لا حصر لها وسالت على أرضه دماء ذكية، ولكنه وجد رجالا أخرجوه من هذا الدمار والتفكك والتخلف الاقتصادي والثقافي، رجال استطاعوا إيجاد صيغ عديدة تطورت مع الزمن لتصنع نظاما سياسيا فريدا في المنطقة قائم على فكرة التوافق (أو الصيغة الديمقراطية التوافقية المعروفة جيدا لدى كل خبراء علم السياسة).
ولا يجب أن نذهب بعيدا فحرب الخمسة عشر عاما كادت أن تقضي على البلاد تماما، ومع ذلك لملم الجميع جروحه وتمسكوا بصيغة العيش المشترك التي وضعها المؤسسون الأوائل، وانطوت السنوات السوداء وعاد لبنان معافى حتى أنه نجا من موجة التغيير الحادة التي سادت المنطقة بعد 2011.
وعند النظر إلى حقيقة ما يجرى وبرغم التأكيد على مصاعبه الجمة، لا يصح مطلقا شطب كل هذا التاريخ في لحظة، وتفضيل العمل مجددا من نقطة الصفر، فالإنسان في نهاية المطاف كائن رشيد أو عاقل وانطلاقا منها نشأت النظم الحديثة دون الدخول في تفاصيل فلسفية لا تهم القارئ. وهناك حقيقة عند كل عقلاء العالم وبناة المجتمعات والحضارات تؤكد أنه من المستحيل بناء المستقبل بنفي الماضي أو إقصائه من أية حسابات.
وأما السبب الثاني الذي يجهض منطق المتشائمين، ويفتح مجال النقاش الإيجابي عند التعاطي مع الحالة اللبنانية الراهنة، فيعود إلى ملاحظة عامة لا تخلو منها أية حالة من حالات عدم الاستقرار التي عاشتها أمم كثيرة ماضيا وحاضرا، وهي أنه ما من رد فعل لأمر ما إلا وله رد فعل مضاد في القوة والاتجاه لكي يتحقق التوازن في نهاية المطاف. وبلغة العارفين بمسارات النظم السياسية، هناك مدخلات تمثل ضغوط ومطالب تواجه أي نظام سياسي في وقت ما، وهناك تفاعل معها من جانبه نتيجته ظهور مخرجات أي التوصل إلى نتائج تتناسب مع هذه المدخلات، ولن ينتهي الحال هكذا بل تستمر التفاعلات في صورة ما يسمى بالتغذية العكسية وتعنى مدى الاستجابة الشعبية لما يتم التوصل إليه من نتائج حيث من الممكن أن تضيف مطالب جديدة وهكذا تمضي الأمور. ومعيار النجاح أو الفشل في هذا التفاعل المتبادل بين النظام السياسي القائم ومجتمعه هو «الفاعلية» فيما يتعلق بالأداء والإنجاز، أي أن تتحول القرارات مثلا إلى واقع أفضل على كل المستويات وليس في جانب بعينه (إصلاح شامل لا جزئي ويعيش الناس تجلياته فعليا). إلا أن هذا ليس مسؤولية الحكم وحده بل هو من صميم دور النخبة التي لا تنسحب فقط على المعنى المباشر وهو النخبة السياسية بل بمعناها العريض الذي يشمل القوى الحية المؤثرة في حياة الناس بدءا ممن ينتمون إلى ما يسمى بالقوى الناعمة إلى من يندرجون تحت المنشغلين بالقوى الصلبة أي القوى الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
ومن حق الكثيرين أن يتحفظوا أو يرفضوا هذا المسار التحليلي من منطلق أنه تبسيط لما جرى في لبنان أو غيره الذي يعتبر حالة ثورات لا تتفق معها هذه الرؤية، وهذا صحيح لو وقفنا فقط عند الاستشهاد بتاريخ الثورات الكبرى التي صنعت تاريخ البشرية الحديث في القرون السابع والثامن والتاسع والعشرين. ولكنه زمن ولى بعيدا والأهم أنه ترك تراثا يشير ما تعلمته البشرية منه لا بإعادة استنساخه، وإلا ما جدوى كل الزخم في الأدبيات السياسية المختلفة التي أصبحت الزاد الرئيس الذي ينهل منه الجميع بحثا عن الإصلاح كلما تأزمت الأوضاع. وتأكيدا لهذا، وبالنظر مباشرة لكل ما جرى في المنطقة من انتفاضات أو احتجاجات أو حتى لو أخذنا بالتعبير المحبب لدى البعض وهو «ثورات الربيع العربي»، فإن نظرة متأنية عززتها الملاحظة المباشرة والنتائج تقول إنها بعيدة تماما عن مناخ ومسارات الثورات الكبرى المشار إليها سلفا، ويجب وضعها في حجمها الموضوعي أي وفقا لما ترفعه من شعارات وما يمتلكه أصحابها من قدرات على تفعيلها وتحدي خصومها، وفي هذه الحالة تبدو الأمور متواضعة للغاية شاء من شاء وأبى من أبى! لقد هبت جميعها في البداية تحمل عنوان الثورة العريض، ومرت فترات ليست بالبعيدة لتراجع اللغة إلى وصف الانتفاضة ثم الاحتجاج ثم أخيرا وصف الحراك الذي بدا اليوم تعبيرا دارجا هو أقرب إلى المنهج الإصلاحي لا الثوري، والحالة اللبنانية لا تخرج عن هذا الوصف.
والمهتمون من المتخصصين بموضوع ما يسمى «بالانتقال إلى الديمقراطية» – الذي يتصدر أجندة النقاش الدائر في المنطقة منذ سنوات – يطرحون تجارب شتى عرفتها شعوب عديدة تعرضت لمثل ما تعرضت له بعض شعوب المنطقة لعلها للاستفادة منها بتعلم العبر والدروس ومن ثم التوصل إلى الصيغ التي تناسب كل حالة.
والمقصود هنا بتعبير الانتقال إلى الديمقراطية «مجموعة العمليات الثقافية والمؤسسية التي يتعين القيام بها بعد تغير السلطة القائمة لإقامة النظام الديمقراطي»، أي بعد التخلص من صور ما يمكن تسميته بالنظام «السلطوي». ومن ذلك التوسع في مفهوم المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات والحريات وتوسيع مجالات المشمولين بها، ومن الناحية المؤسسية وضع الدساتير وتعزيز التنافسية والتعددية بين الأحزاب والقوى المدنية وتوسيع مجالات الاهتمام بالشأن العام.
وفي الأسواق كتاب قيم للأستاذ وعالم السياسة الكبير د. علي الدين هلال من إصدارات المجلس الوطني للفنون والآداب بالكويت (العدد479) يتعرض لهذه القضية بما هو خلاصة الفكر البشري المعاصر، ولا غنى عنه لمن يريد أن يتابع كل هذا النقاش الذي تعيشه شعوب المنطقة.
ومن بين نظريات عديدة لفهم ما يجرى نقف عند المعنيين أساسا بدور النخبة أو دور الفاعلين الرئيسيين في عملية الانتقال الديمقراطي، وذلك بالنظر إلى أنها النظرية الأقرب للحالة اللبنانية. باختصار تنطلق هذه النظرية من مركزية دور الفاعلين والاختيارات أو التفضيلات التي يتم اتخاذها في مرحلة الانتقال، وذلك نظرا لأهمية الاختيارات التي تتبناها النخب في فترات السيولة السياسية والاضطراب الاجتماعي.
وحقيقة فإن ما جرى في لبنان وبحكم ما تابعه الملايين داخل وخارج لبنان كان ارتجاجا أصاب النخبة اللبنانية بكل صورها على عكس المسار منذ مرحلة الاستقلال، وكان الشعار الأكبر هو «كلن يعني كلن» في إشارة إلى أن التغيير لا يقف فقط عند الرموز الحاكمة أو المسؤولة ولا قادة الأحزاب كلها ولا الرئاسات الثلاث، وإنما يجب أن يشمل الجميع بما يؤدي إلى ولادة نظام سياسي جديد تماما.
وما حدث هو صراع نخب داخل النخبة الواحدة ذاتها بغض النظر عن وضعها الطائفي الذي يفرض عليه التماسك، وبين هذه النخب القديمة، وبين نخب جديدة شكلتها التطورات الاجتماعية والاقتصادية السريعة والحادة التي فجرتها عوامل عديدة مثل الحرمان من الخدمات وانتشار الفساد ونهب الأموال وتدهور الأوضاع الاقتصادية إلى حد مريع. وبعد مخاض شهور عصيبة من عدم الاستقرار استطاعت النخب القديمة أن تتماسك مجددا في مواجهة نخب غير طائفية تشكلت في الشارع. ووفقا للتجارب فإن صراع النخب يمكن أن يؤدي إلى أن تضطر إلى مراجعة نفسها وتتوافق على حدود جديدة للجماعة السياسية المشاركة حتى لا تخسر مواقعها تماما، وفي الوقت نفسه يمكن أن ينتهي الصراع النخبوي إلى فوضى تدمر الأخضر واليابس إذا غابت الحكمة ولم يظهر رجال يعيدون روح وأداء المؤسسين الأوائل الذين أقاموا وطنا ودولة تعبر عنه بهوية عربية مميزة. وبمنطق التوافق الذي هو من مقومات لبنان ولن تستطيع تجاوزه مهما كانت قوة الدفع في اتجاه إلغاء النظام الطائفي التوافقي، من الوارد فعلا لا قولا أن يعبر اللبنانيون الأزمة. ومع التأكيد على أهمية الحلول العاجلة التي يجرى تفعيلها وخاصة على الصعيدين المالي والاقتصادي، فإن الأهم هو ترسيخ مناخ جديد للثقة يتأتى بالعودة إلى اللحمة الوطنية (الهوية المشتركة) والتوافق بين كل القوى من داخل وخارج الشارع، لتأتي تباعا عمليات الإصلاح المؤسسي.