سلام ترامب.. التفكير داخل الصندوق الإسرائيلي

رشا عبد الوهاب –
«اكتشفت للمرة الأولى، أن السياسيين لا يكترثون كثيرا لتكلفة الأشياء، فهي ليست أموالهم»..
هكذا لخص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كتابه «فن الصفقة» رؤيته لفن السياسة، فهي اتخاذ القرارات دون حساب النتائج.
هذه الرؤية نفسها التي أخرج من خلالها خطة السلام أو ما يسمى أمريكيا بصفقة القرن، باعتبارها «الفرصة الأخيرة» للفلسطينيين. ولخص المؤتمر الصحفي الذي ظهر خلاله ترامب، وإلى جواره بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي مبتسما وسعيدا، المشهد السياسي للخطة، فالجانب الفلسطيني غائب، وذلك على غير عادة الوسيط الأمريكي، الذي اعتاد أن يظهر الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في صور المؤتمرات الصحفية التي تناولت محادثات السلام التي شهدها البيت الأبيض على مدار تاريخه.
وعبر جملة «التفكير خارج الصندوق» برر جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي ومهندس ما يسمى «صفقة القرن» خطة السلام الأمريكية لحل ما يوصف بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
ويرى كوشنر -من وجهة نظره طبعا- أن الخطة مقاربة غير تقليدية، حيث حذر من أنه «إذا ركز الناس على مناقشة تقليدية وقديمة، فلن نصنع تقدما». لكن خطة كوشنر في حد ذاتها ليست جديدة، بل إنها تشبه خطة أطلقتها «المنظمة الصهيونية العالمية» في عام 1979، حسبما كشفت مجلة «فورين أفريرز» الأمريكية، حيث سمت المنظمة الصهيونية «الخطة الرئيسية لتطوير المستوطنات في الضفة الغربية من عام 1979 إلى 1983»، وكتبها ماتيتياهو دروبلس، عضو سابق في الكنيست عن كتلة «حيروت الأحرار»، وشغل دروبلس منصب رئيس قسم الاستيطان في المنظمة الصهيونية. وتتشارك خطتا ترامب ودرولبليس في نفس القناعة بأنه ينبغي بألا تكون هناك أي سيادة فلسطينية على الأرض.
ولم تتوقف الولايات المتحدة عند إعلان الخطة، بل أحبط البيت الأبيض محاولة الفلسطينيين لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة يدين خطة السلام الأمريكية الأكثر إثارة للانتقادات الدولية باعتبارها غير قانونية، وذلك في ظل حملة من الضغوط على الشعب الفلسطيني من أجل قبولها بالإجبار عبر ربط الموافقة عليها بالمساعدات المقدمة إليهم.
وجاء انهيار المبادرة الدبلوماسية الفلسطينية قبل وقت قصير من كلمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن» على المنصة ليدين بأقوى العبارات والتعبيرات الخطة الأمريكية لتقسيم أرض فلسطين التاريخية، حيث حذر من تقويض السلام في المنطقة والقضاء على فكرة قيام دولة فلسطينية مستقبلية، وحمل الخريطة التي عرض كوشنر ومن قبله نتانياهو لدولة إسرائيلية ومنطقة حكم ذاتي فلسطينية.
ووصف الرئيس عباس المنطقة الفلسطينية على الخريطة بأنها «جبنة سويسرية، من يقبل أن تكون دولته هكذا؟»، كما أنها ترسيخ لنظام الفصل العنصري «الأبارتهايد» الذي عفا عليه الزمن.
واستشهد بتصريحات أنطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، التي وصفها بأنها التزمت بالمرجعيات الدولية المعتمدة وقرارات الشرعية الدولية.
هذا الجدل في أروقة الأمم المتحدة، وبالقوة الغاشمة من الولايات المتحدة، ليس جديدا، حيث تم تعديل الصيغة الأولية لنص مشروع القرار الفلسطيني في مجلس الأمن، والذي قدمته كل من تونس وإندونيسيا، فقد تم وضع صيغة جديدة حذفت منها إدانة خطة السلام الأمريكية، وتم حذف اسم الولايات المتحدة باعتبارها واضعة الخطة، كما تم إضافة جملة «أعمال الإرهاب» لإدانة أعمال المقاومة، وحذفت الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط، فيما يعد هزيمة جديدة داخل أروقة الأمم المتحدة، التي تعتبر المرجعية الرئيسية للاحتكام الدولي في القضايا التي تواجه العالم، والمعنية بالحفاظ على السلام العالمي والأمن وتطوير علاقات ودية بين الدول وتحقيق التعاون الدولي.
وتاريخ طرح القضية الفلسطينية أمام المنظمة الدولية بدأ مع اقتراب انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين.
ولأول مرة تطرح مسألة فلسطين على الطاولة كانت في عام 1947 وعبر القرار 181، قررت الجمعية العامة تقسيم فلسطين بشكل ملزم إلى دولتين دولة للعرب ودولة لليهود، مع وضع القدس تحت نظام دولي خاص.
وبعد حرب 1948، اتخذت الجمعية القرار رقم 194 لعام 1949 لتأسيس «لجنة التوفيق بشأن فلسطين» لمساعدة كافة الأطراف على التوصل إلى تسوية نهائية، بينما أكدت على حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وتعويضهم، وتم تأسيس لجنة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في العام نفسه.
وفي عام 1974، أعيد طرح قضية فلسطين على أجندة الجمعية العامة، وأشار القرار رقم 3236 على الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال الوطني والسيادة، وحق الفلسطينيين في العودة إلى منازلهم وممتلكاتهم.
وفي عام 1975، تم تأسيس لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف. قضية فلسطين ظلت أساسا لعدد من القرارات التي تبنتها الجلسات الطارئة والخاصة والعادية للأمم المتحدة.
وفي 29 نوفمبر 2012، منحت الجمعية العامة فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة.
ويعتبر هذا العام تحديدا مميزا بخصوص تعامل قرارات المنظمة الدولية بشكل مباشر مع دولة فلسطينية حديثة، وخلال الفترة من عام 1967 إلى 1989، تبنى مجلس الأمن الدولي 131 قرارا يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، معظم هذه القرارات تخص الفلسطينيين. ورعت الأمم المتحدة العديد من مفاوضات السلام بين الجانبين، فقد كان اتفاقية أوسلو أو «إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي» بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، بعد سلسلة من اللقاءات السرية بين المفاوضين الإسرائيليين والفلسطينيين في أوسلو عاصمة النرويج والتي تضمن ملامح خطة للإعلان عن دولة فلسطينية مستقبلية على أساس قراري مجلس الأمن الدولي رقمي 242 و338، وتم توقيع الاتفاق رسميا بحضور ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطيني والرئيس الأمريكي بيل كلينتون وإسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي في 13 سبتمبر 1993 في البيت الأبيض.
وبعد اغتيال رابين عام 1995، توقفت عملية السلام. ومع تولي نتانياهو رئاسة الوزراء عام 1996، أعلن عن سياسة العين بالعين أو ما سماه «المعاملة بالمثل» حيث انطلقت الآلة العسكرية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، إلا أنه وقع في وقت لاحق اتفاق أو بروتوكول الخليل لإعادة نشر القوات الإسرائيلية في الخليل وفقا لاتفاق أوسلو، وأرسى نتانياهو صيغة «الأمن مقابل السلام» بديلا عن «الأرض مقابل السلام».
وفي عام 1998، وقع نتانياهو وعرفات مذكرة «واي ريفر» للتنسيق الأمني وإعادة نشر القوات الإسرائيلية.
وفي عام 2000، عقد كلينتون قمة سلام بين عرفات وإيهود باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها، حيث اقترح الرئيس الأمريكي أن تكون غالبية القدس الشرقية تحت السيادة الإسرائيلية، وأن تحل قضية حق العودة عبر تعويضات مالية، إلا أن الرئيس الفلسطيني رفض هذه الخطة.
وبعدها بشهور قليلة، وضع الرئيس الأمريكي ما سماه «معايير» أو باراميترز كلينتون حيث اقترح فكرة تبادل الأراضي، وتواصلت مناقشة هذا المقترح خلال قمة طابا في يناير 2001، حيث قدم فريق التفاوض الإسرائيلي خريطة جديدة. وأزالت مقترحات كلينتون المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل في الضفة الغربية، وقبل الفلسطينيون ذلك كأساس للتفاوض، إلا أن المحادثات انتهت بدون اتفاق بعد شهر من انتخاب آرييل شارون رئيسا للوزراء.
وفي مارس 2002، عقدت قمة بيروت تحت رعاية الجامعة العربية حيث قدمت خطة للسلام، إلا أن إسرائيل رفضتها لأنها لا ترغب في دخول الجامعة العربية كطرف، كما أنها لن ترفض الانسحاب إلى حدود 67 وحق العودة. وفي يوليو 2002، حددت ما سمي بالرباعية الدولية، وتضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا، مبادئ خريطة الطريق، والتي تتضمن دولة فلسطينية مستقلة، وتم إطلاقها في أبريل 2003، بعد تعيين محمود عباس كأول رئيس للوزراء للسلطة الفلسطينية.
وفي العام نفسه، أطلق العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود مبادرة السلام العربية حيث دعا إلى تنفيذ إسرائيل قرارات الأمم المتحدة بالانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، وقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية عاصمتها القدس الشرقية. وكانت المحاولة الأخيرة للسلام في 3 سبتمبر 2014، حيث عرض عباس مقترحا جديدا إلى جون كيري وزير الخارجية الأمريكي حينذاك، دعا إلى 9 أشهر من المفاوضات المباشرة يعقبها خطة على ثلاث سنوات للانسحاب إلى خطوط 1967، والاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين، ووقف بناء المستوطنات في الضفة والقدس إلى جانب إطلاق سراح الدفعة الأخيرة من الأسرى، إلا إدارة الرئيس السابق باراك أوباما رفضت هذه الخطة. وبعد أكثر من 71 عاما على النكبة، لم تنفذ إسرائيل أيا من قرارات الشرعية الدولية، وكان وصول ترامب بمثابة «وتد» لتقوية شوكة إسرائيل وإضعاف مواقف الأمم المتحدة التي صبت لصالح الفلسطينيين خلال السنوات القليلة الأخيرة. إلا أن ترامب سعى بكل قوته لكسر شوكة المنظمة الدولية بمؤسساتها المختلفة عبر التهديد الدائم بقطع تمويلها.