قصيدة سينمائية

غادة الأحمد –

هناك أشخاص يمرون بالحياة فيحدثون فرقا وعندما يموتون يتركون فراغا لا يمكن لأحد ملؤه.
بندر عبد الحميد واحد من أولئك في سيرته الحياتية والإبداعية لم يكن مجرد مثقف امتلك أدوات الإبداع وناصيته، ولكنه كان حالة نادرة في يوميات دمشق. من أوائل سبعينات القرن المنصرم. بيته المشرع في شارع العابد، شاهد على حالته الاستثنائية في الحياة الثقافية السورية والذي كان يستقبل الضيوف من المحافظات السورية البعيدة ومن سكان دمشق: مثقفين ومبدعين… رسامين وسينمائيين شباباً ضاع بهم الأمل ولم يجدوا بدمشق صدراً يحتويهم فكان بندر الوجهة والصدر والوجه البشوش والقلب الواسع.
بدوي تعود ألا يغلق بابه في وجه أحد وهو القادم من أقصى الشمال من قرية تل صفوك التابعة لمحافظة الحسكة الذي كان عليه أن يمشي عشرات الكيلو مترات يومياً من أجل أن يدرس في أقرب مدرسة منها… هادئ الطبع يتحاشى العداوات والمزاحمة التي كانت سمة المرحلة التي عاش بها، مرحلة السبعينات التي رسمت المشهد الثقافي والأدبي في سورية والوطن العربي.
قصيدته تشبهه في بساطتها وتشبه الفرات في انسيابها ورقتها.
وأنت تخطُّ/‏‏ شطآناً وبحوراً/‏‏ موسيقى وأسماء/‏‏ انتبه/‏‏ انتبه أيها البريء/‏‏ كل شيء يُمزق/‏‏ وخلف ظهر يدك/‏‏ تقف /‏‏ وردة/‏‏ من مجموعة (دعوة خاصة للجميع دعوة عامة لشخص واحد 2006).
ظلَّ وفياً لقصيدة النثر وأخلص لها، ووجد ضالته في السينما ولاّدة الروايات والصور.
بدأ حياته مع الشعر بإصدار أول ديوان له عام 1975 بعنوان «كالغزالة.. كصوت الماء والريح» قبل عام من تخرجه من كلية الآداب وحصوله على الشهادة الجامعية في قسم اللغة العربية، وأتبعها بمجموعات شعرية أشهرها «مغامرات العيون والأصابع» و«إعلانات الموت والحرية» و«احتفالات» و«كانت طويلة في المساء».
عمل في الصحافة السورية قبل أن ينتقل إلى مجلة الحياة السينمائية التي تصدر عن المؤسسة العامة للسينما كأمين تحرير، ليؤسس فيما بعد سلسلة «الفن السابع» التي تعد واحدة من أرقى كتب الثقافة السينمائية في العالم العربي. وشغل مديراً لدار «المدى» للنشر خلال سنوات حياته الأخيرة وحتى يوم وفاته، كما عمل مراسلاً لمجلة «العربي» الكويتية لعدة سنوات، وشارك بالعديد من المهرجانات السينمائية العربية، له العديد من الكتب في مجال الفن والسينما آخرها عام 2019 صدر عن «دار المدى» «ساحرات السينما» وله رواية واحدة صدرت عام 1984 بعنوان «الطاحونة السوداء».
اللافت أن بندر جمع السوريين في مماته، كما في حياته موالين ومعارضين ورماديين مقيمين وفي الشتات، فالجميع شعر بالصدمة والفقد لإنسان كان يحب الجميع، وفتح بيته وقلبه لاستقبالهم على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم السياسية والأدبية والفكرية… لا شيء ممنوع في بيت بندر عبد الحميد، ولا تابوات على النقاشات المحتدمة في بيته، فالجميع يقول ما يريد بحرية، فالحرية أهم ما يمكن أن يملكه الإنسان.
يبته في شارع العابد متحف صغير مكوّن من غرفة في قلب دمشق وفي واحد من أهم شوارعها.. شارع العابد تغص جدران الغرفة بالصور والقصائد والكتب. صور لجميلات السينما العالمية والعربية.
من لم يزر بيت بندر في دمشق، لم يزر دمشق. ولم يعرفها في وجهها الجميل الأليف المحب والبشوش. وأضاع عليه فرصة لمس النبض الحقيقي للثقافة السورية بتجلياتها المختلفة دون تزييف وتزويق وممالأة… وجه يتكشف في الجلسات والحوارات التي كان يديرها.
سيسجل لدمشق يوماً استثنائياً في حزنها المداوم من سنين، لأنه يوم غياب بندر عبد الحميد، الرجل الذي جاء من إحدى قرى الحسكة ذات يوم قبل عشرات السنين، وصار أحد وجوه دمشق التي لا يمكن نسيانها أو تجاهلها.
مات أبو الطيب… مات صديق الجميع… النبيل الشهم الكريم صاحب البيت الصغير الحنون الذي ظل بابه مشرعاً لعابري السبيل والأصدقاء من مثقفي سورية والوطن العربي.
«بندر عبدالحميد نجم متفرد هوى من سمائنا فخسرت دمشق اسماً من أسمائها اللامعة».
* بندر عبد الحميد: شاعر وناقد سينمائي سوري (1947-2020)