في هوية الفرد الحديث

محمد جميل أحمد –

ظهور فكرة الفرد الحديث ضمن المتغيرات البنيوية للحداثة في قطيعتها مع تصورات العالم القديم، كانت تعبيراً عن الحيثية الاعتبارية، في كون الفرد /‏‏ المواطن هو مركز التفكير، ذاتاً وموضوعاً، في نظام الدولة الحديثة.
كما أن فكرة الفرد الحديث هي التي تأسست عليها هوية المدينة خلال الثورة البرجوازية وحركة تحطيم النظام الإقطاعي.
ثمة علاقة جوهرية، إذاً، بين الفرد والحرية، كما بين الفرد والمسؤولية، وإذا كانت العلاقات الموضوعية بين الأفراد تجعل منهم كائنات موضوعية لا تقبل القسمة على أحد فإن صميم هذه الفكرة هي التي تشتغل عليها العلاقات التي تنظمها الدولة الحديثة.
وهكذا فإن مسؤولية الفرد كمواطن يتعين على الدولة تنظيم علاقاته بالمواطن الآخر تفسر، في الوقت ذاته، الطبيعة العمومية للدولة في تنظيم علاقات مواطنيها وفق حيثيات تنظيم الفضاء العام الذي هو محل تدبير تلك العلاقات بعيداً عن طبيعة الفضاء الفردي الخاص الذي ينشأ من تعميمه إشكالات ضرر كبيرة على ذلك الفضاء.
لقد كانت فكرة الفردية التي أفرزتها الحداثة كنمط جديد لوعي الذات عبر ذاتها، بعيداً عن خلفيات علاقاتها القرابية الحميمية من ناحية، وعن علاقاتها الخاصة في الأفكار الدينية والقناعات الشخصية، من ناحية ثانية، هي الإطار الوحيد والممكن للاجتماع السياسي البشري في التجمعات الكبرى للمدن؛ تلك التي تذررت بموجب تأسيسها الجديد عبر دولة وستفاليا؛ أنظمةُ الولاء الأولى في القرابة ونظام القبيلة.
بعبارة أخرى، النظرة الجديدة للعالم الجديد الذي أنتجته الحداثة على أنقاض العالم القديم هي التي حركت ونشطت علاقات جديدة منحت هوية الفرد ذاتيةً واستقلاليةً ارتبطتا موضوعياً بمسؤوليته كفرد ومواطن في إطار الدولة.
بطبيعة الحال، لم يكن ذلك الإطار الجديد لانخراط الفرد في نظام علاقاته ما بعد دولة وستفاليا، متصلاً بإكراهات جديدة، بل كان تعاقداً تضمن به الدولة احتكار العنف ويتنازل به الفرد عن جزء من حرياته للمصلحة العامة في الإطار الاعتباري لمجال الدولة في تدبير الاجتماع السياسي.
لقد كانت فلسفة الدولة في تجسيدها للسيادة انعكاساً رمزياً وتمثيلياً لإرادة الفرد الحديث وحريته كمواطن. ولهذا فإن مساحة الحرية التي توفرت في إطار الوعي الحديث لذاته كانت هي الشرط الشارط لإطلاق قوة الإبداع وتنوعه وتعبيراته في العديد من مجالات الحياة الانسانية.
اليوم، في ظل الاختلالات التي صاحبت قيام نظام الدولة في المنطقة العربية على يد الاستعمار، من ناحية، وفي ظل التحديات التي تواجه فكرة الدولة القومية بصورة عامة عبر نمط العولمة وثورة المعلوماتية والاتصال، من ناحية ثانية، تتضاعف الإشكالات التي تمر بها المنطقة العربية على وقع تلك التهديدات.
فالدولة القطرية العربية نشأت، حين اقامها الاستعمار أول مرة؛ تركيباً معكوساً على خلاف المقتضيات التي قامت عليها دولة وستفاليا، وكذلك لم يكن في المتغيرات الرمزية التي صاحبت تفكك الإمبراطوريات الدينية في أوروبا، ممثلةً في تفكك اللغة اللاتينية واضمحلال المسيحية في المجال العام، ما يعكس هوية موازية في دول المنطقة العربية (رغم الحركات الميتة في الدعوة إلى العاميات على ما بشر به أمثال سلامة موسى في مصر وسعيد عقل في لبنان) الأمر الذي يطرح تحديات مزدوجة على كل تفكير يشتغل على البحث في انتظام صيرورة متسقة لتلك الدولة في الوقت الراهن.
وفي هذا الإطار تبين لنا العلاقة الجدلية بين هوية الفرد الحديث باعتباره كائناً موضوعياً لا يقبل القسمة على أحد سوى الوطن، وبين الضرورة التي تلغي كل إمكانية لانتظام إطار الدولة بأفرادها في المجال العام حال تغييب فكرة الفرد الحديث، كما هي غائبة اليوم في نظم العلاقات التي تعبر عنها حياة الأفراد في المنطقة العربية! يبدو الأمر معقداً، لأن واقع اليوم بما كان عليه من اختلالات عطلت انتظام سوية فاعلة للدولة القطرية العربية، طرأت عليه تحديات أخرى، من خلال العولمة وثورة المعلوماتية والاتصال، وهذا التعقيد في التحديات التي تواجه مأزق الدولة العربية اليوم تواجهه في تقديرنا مسألة: كيفية تحرير هوية الفرد في هذه المنطقة من إكراهات نظم الإدراك الخاصة كالنظرة الطائفية والقبائلية والمذهبية التي تلون علاقاته وتسقطها على انطباعاته في الآخرين! وفيما بدا أن هوية الدولة القطرية العربية، لاسيما مع ما سمي بالربيع العربي، شهدت تراجعات كثيرة كشفت عن هشاشتها وعلاقاتها المعطوبة، فإن من الأهمية بمكان الحاجة إلى إعادة تعريف ما ظنه الناس بديهياً من كثرة ابتذاله كمفاهيم : الشعب، الدولة، المواطنة، وعلى رأس تلك المفاهيم مفهوم الفرد.
هذا الفرد في هذا الجزء من العالم المسمى عربياً، أصبح اليوم منخرطاً في علاقات عالم افتراضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإنترنت، وهي علاقات من حيث افتراضها العمومي والمجال الذي أنتجها؛ متجاوزة، بطبيعة الحال، لما أصبح اليوم بديهيات محسومة في مجال أوروبا والعالم الحديث، فيما يظن الأفراد هنا والآن في المنطقة العربية أن مجرد الدخول في ذلك العالم الافتراضي مؤشر لسوية بينية، بعيداً عن تلك البديهيات التي حسمت هناك ولم تحسم هنا!

جريدة عمان

مجانى
عرض