ليبيا والاتجاه الى السلام

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

منذ عام 2011 وسقوط نظام معمر القذافي وليبيا تتجه إلى المجهول وإلى مفترق طرق لا نهاية له، وأصبح الصراع بين حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا وقوات اللواء المتقاعد حفتر محتدما مما جعل التدخلات الخارجية أمرا حتميا، ومن هنا فإن الصراع في ليبيا الآن تحول من صراع محلي إلى صراع متعدد الأطراف كما هو الحال في الأزمة والحرب في اليمن.

وعندما تزداد الأطراف الخارجية الداخلة في أي صراع محلي فإن الأزمة تتعقد وتصبح قابلة للانفجار وهو ما يحدث الآن في ليبيا، ولعل الباعث على التدخل الإيطالي والفرنسي والتركي والروسي والأمريكي وعدد من الدول العربية هو المقدرات والثروات الليبية التي تمتلكها ليبيا وأولها النفط والغاز، كما ان الموقع الاستراتيجي لليبيا حتم هذا التدخل حيث الشواطئ الفسيحة علي شاطئ البحر المتوسط وكل هذه الأطماع ساهمت في التدخلات التي تستهدف تلك الثروات وليس هناك تفسير آخر.

ليبيا والثروات

بموقعها الاستراتيجي والفريد على سواحل البحر المتوسط وبثرواتها الطبيعية الكبيرة بدأت الأنظار تتجه إلى ليبيا ومع اندلاع الثورة الشعبية في ليبيا بدأ التخطيط الخارجي وخاصة الغربي لإسقاط نظام القذافي وبعد ذلك خلق فوضى من خلال الصراع المسلح بين شرق ليبيا وغربها وهو ما يحدث الآن.
إذن الثروات الكبيرة في ليبيا هي الباعث الأول على تلك التدخلات مع بواعث أخرى اقل أهمية من خلال محاربة الإرهاب علي حدود ليبيا خاصة دول جنوب الصحراء والساحل كمالي وتشاد والنيجر وأيضا منع التسلل على الحدود الليبية – المصرية وأيضا الحدود الليبية – التونسية.
وعلى ضوء المشهد الليبي فإن الأمور أصبحت اكثر تعقيدا من خلال وجود الفرقاء من الخارج وفي ظل عدم توازن القوى بين الجانبين الليبيين عقدت اتفاقية بحرية وأمنية واقتصادية بين حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج والحكومة التركية، ومن هنا فإن الصراع الليبي اصبح متعدد الأطراف ولن يتم حله بسهولة بل قد تستغرق تلك الحرب الأهلية سنوات في ظل تضارب المصالح والحرب بالوكالة بين دول ذات توجهات مختلفة ومصالح سياسية متباينة.
إن ليبيا بكل مقدراتها أصبحت ضحية اللعبة السياسية المحلية والعربية والدولية والمماحكات بين الدول والتي نقلت صراعها السياسي والاستراتيجي الى ليبيا وكل طرف يريد ان يحقق أهدافه داخل ليبيا فهناك طرف او أطراف يهمها وجود سلطة او نظام في ليبيا يتماشى مع توجهاتها السياسية وطرف آخر لا يريد تكرار الحكم العسكري الذي قاده العقيد الراحل القذافي لمدة 40 عاما ومن هنا تتعمق الخلافات والضحية هو الشعب الليبي الذي يعاني الأمرين.

اتفاق الصخيرات

اتفاق الصخيرات بين الفرقاء الليبيين هو الآلية الصحيحة لاتفاق الفرقاء وإنهاء الصراع المسلح لا ليبيا تحتاج الى فتره انتقالية لمدة محددة ولتكن سنتين على طريقة النموذج السوداني وبعد ذلك تنطلق بقية الخطوات بداية من إقرار الدستور الدائم والذي كان للسلطنة وجهودها السياسية دور كبير فيه، حيث اجتمع الفرقاء في مدينة صلالة لمدة شهر وتوصلوا الى مسودة الدستور والتي قد تحتاج بعض التعديلات وبعدها تنطلق الانتخابات التشريعية والرئاسية ويكون للشعب الليبي كلمته في هذا المجال.
وبدون اتفاق الصخيرات والذي يعد الآلية المناسبة والذي حقق الحد الأدنى من اتفاق الفرقاء، فإن الحرب الأهلية في ليبيا سوف تستمر لسنوات وقد تؤدي الى تقسيم الأقاليم الليبية وتدخل البلاد في مرحلة تمزق حقيقي وهذا يفرض على الفرقاء في ليبيا الاحتكام الى صوت الحكمة والعقل والى تبني منهج سياسي موضوعي يجنب ليبيا أي انزلاق محتمل في ظل تلك التدخلات الخارجية والتي لها أجندات لا تخدم مصالح الشعب الليبي الشقيق.
كما ان استمرار الحرب سوف يخلق نتائج سلبية بين المجتمعات الليبية في ظل تزايد الضحايا المدنيين الذين يسقطون من جراء القصف الجوي والمدفعي على العاصمة الليبية طرابلس، كما ان تدفق السلاح إلى الفرقاء في ليبيا يزيد من تعقيد الصراع رغم ان مجلس الأمن الدولي اتخذ مؤخرا قرارا ملزما بوقف إطلاق النار ووقف تصدير السلاح الى الفرقاء في ليبيا.
إذن طاولة الحوار هي الطريقة المناسبة والتي تخرج ليبيا من مأزقها الحالي وإذا كانت هناك بعض التحفظات علي اتفاق الصخيرات فإن الحوار يمكن أن يؤدي الى إدخال بعض البنود الإضافية والتي من شأنها ان تؤدي الى حل سياسي يكون المدخل الصحيح لبناء الدولة المدنية والمؤسسات التشريعية والرقابية والقضائية والتي تجعل ليبيا دولة ذات سيادة وتتحكم في ثرواتها ومقدراتها لصالح الشعب الليبي.
ان ليبيا أصبحت في مفترق طرق وتحتاج الى عملية سياسية حقيقية وجامعة الدول العربية لابد ان تلعب دورها القومي لإنقاذ ليبيا والتدحرج من شبح الحرب الأهلية الذي يشكل خطورة على وضع الدولة الليبية بكل مؤسساتها.

الحسم العسكري

الحسم العسكري في ليبيا غير ممكن ولكل طرف حلفاؤه ومساندوه، ومن هنا فإن غياب الحسم العسكري يفرض على الفرقاء الحوار وتطبيق اتفاق الصخيرات والانطلاق منه الى مرحلة تأسيس الدولة المدنية.
ان استنزاف القدرات الليبية المالية وتوقف صادرات النفط لفترات طويلة هو خسارة كبيرة للشعب الليبي وكما هو الحال في اليمن واستحالة الحسم العسكري وضرورة جلوس الفرقاء في اليمن على طاولة الحوار، فإن الأمر ذاته ينطبق على ليبيا حتى تكون هناك بارقة أمل للسلام والأمن والاستقرار وأن تعطى الأجيال الجديدة فرصة لحياة كريمة مستقرة بعيدا عن الصراعات والحروب والتي تأتي بالكوارث والدمار على ليبيا وشعبها.
وعلى أصحاب الحكمة ان ينادوا بصوت عال بمفهوم الحوار كما حدث في برلين وهي خطوة إيجابية بصرف النظر عن عدم تحقيق تقدم ولكن تكرار تلك الحوارات سوف يفضي الى قناعات مشتركة بين الفرقاء بأن الحل السياسي للأزمة الليبية هو الخيار الأفضل والأصلح وبدون مفهوم الحوار فإن ليبيا سوف تصبح دولة فاشلة وسوف يتمزق المجتمع الليبي.
إن إصرار الفرقاء على تحقيق الأهداف هي مسألة غير موضوعية ومنطقية، والأطراف غير المحلية في النهاية لا تريد للشعب الخير والاستقرار بل تهدف الى تحقيق مصالحها المالية والاقتصادية والاستراتيجية وان تلك الأطراف لا تهتم بمصالح الشعب الليبي والمشكلات المتعددة التي يعاني منها علاوة على عمليات القتل وهدم البيوت جراء القصف.
إن المجتمع الدولي وخاصة الأمم المتحدة عليها مسؤولية قانونية وأخلاقية لإيجاد حل او الضغط على الفرقاء للاستجابة للحوار والابتعاد عن العنف وإيجاد مقاربة بين الفرقاء الليبيين وهي مسألة ممكنة كما حدث في الصخيرات وصلالة وأيضا في برلين، وان قرار مجلس الأمن الملزم للفرقاء في ليبيا لابد ان يحترم من كل الأطراف المحلية والخارجية وكذلك وقف تصدير السلاح إلى ليبيا وان يتم التركيز على تسويق آلية الحوار.
الحروب في النهاية هي قتل أحلام البسطاء من الشعوب وخاصة الأجيال الجديدة والتي تتطلع الى بناء وطنها والى حياة مستقرة يسودها العلم والإبداع والمعرفة ومسايرة الركب الحضاري العالمي في مجال الثورة الصناعية الرابعة والابتكار الصناعي حتى تصبح ليبيا دولة متطورة وهي قادرة على ذلك من خلال الإمكانات البشرية والموارد الطبيعية.
كما ان ليبيا من خلال موقعها الفريد على ساحل البحر المتوسط مؤهلة ويمكن استغلال قطاع السياحة من خلال طبيعتها البكر وقربها من الدول الأوروبية كإيطاليا وفرنسا واسبانيا وبريطانيا، كما أن ثروة النفط والغاز سوف تساهم في انتعاش اقتصادي يحتاج الآن الى عملية تصحيح وبناء وتحديث وأيضا إعمار ما دمرته الحرب الأهلية من مقدرات وطنية، وعلى ضوء ذلك فإن أمام الليبيين خاصة النخب السياسية ان يكون لها نظرة موضوعية وهي ترى بلادها تدخل فصلا جديدا من الحرب والتمزق وفقدان البوصلة السياسية التي تؤدي الى الاستقرار والسلام والانطلاق نحو تنمية حقيقية ينتظرها الشعب الليبي الشقيق.

جريدة عمان

مجانى
عرض