الاقتصاد العالمي .. هل يتجه لنمو أفضل في العام الحالي؟

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

لا مجال للحديث عن تخمينات عندما يتعلق الأمر بالتوقعات الاقتصادية، والحد الأدنى اللازم للتوقع هو بكل تأكيد معايير موضوعية أو قريبة من أن تكون كذلك وشواهد واضحة وإشارات ظاهرة، لهذا يمكن القول إن الدلائل تشير بالفعل إلى أن النمو العالمي سيكون أفضل في 2020 رغم كل ما جرى في الصين وفي مناطق ودول أخرى.
وطبقا لصندوق النقد الدولي (يناير 2020) من (المتوقع أن يرتفع النمو العالمي من نحو 2.9% في 2019 إلى 3.3% في 2020 و3.4% في 2021 هذا التقدير المتفائل هو أيضا في جانب منه يتعامل مع الواقع ولذا فهو يمثل تخفيضًا للتوقعات عما ورد في عدد أكتوبر من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي بنسبة 0.1 % لعامي 2019 و2020 و0.2 % لعام 2021. ويعكس خفض التوقعات تعرض النشاط الاقتصادي لمفاجآت سلبية في عدد قليل من اقتصادات الأسواق الصاعدة، ومن أبرزها الهند، كما يعكس إعادة التقييم أيضًا إثر زيادة القلاقل الاجتماعية في بضع حالات.
وعلى الجانب الإيجابي، وحسب الصندوق، تحسَّن مزاج السوق بدعم من الدلائل المبدئية على نهاية الانخفاض في نشاط الصناعة التحويلية والتجارة العالمية، وحدوث تحول واسع النطاق نحو السياسة النقدية التيسيرية، وورود أخبار مواتية من حين إلى آخر عن مفاوضات تجارية بين الولايات المتحدة والصين، وتبَدُّد المخاوف من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق. انتهى الاقتباس من التقرير المنشور على موقع الصندوق ويبقى الحديث عن ما لا تتعرض له التقارير في الغالب بل ولا يتأثر إلى حد بعيد بتقلبات الطقس ساخنا كأن أم باردا، كما أنه يصعب (تكميته) أي جعله كميا. تخبرنا المسارات الحياتية الراهنة بأن مدى تعامل المستهلكين في عصر ما بعد الحداثة هذا مع الصدمات أو الأزمات التجارية والاقتصادية بل وحتى الكوارث البيئية أو الصحية أصبح أقصر وقتًا بكثير عما كان عليه الحال في سالف الأزمان أو سابقها، ولهذا تحدث صندوق النقد نفسه عن استمرار الإنفاق الاستهلاكي متماسكًا، وهو قد تماسك رغم أن نغمة التهديد أو التوقع بحدوث أزمة مالية اقتصادية عالمية مستمرة منذ اكثر من عام ونصف، وأضافت إليها الحرب مع الصين وكورونا والبريكست والتوتر مع إيران منشطات إفزاعية، ومع ذلك لم يتغير الإنفاق العائلي تقريبا، ويعود السبب وفق خبرتي الشخصية -وهي نسبية يقينا- إلى أن البيوت تخفض الإنفاق واقعيًا عندما يقل الدخل وتتراجع فرص التمويل المناسب، لكنها لا تقوم بذلك بنفس الحجم أو الجدية من اجل التحسب لمخاطر واقعة أو محتملة، وحين تقع المخاطر كما أشرت فأن التعامل معها يكون وجوديا أو ظرفيا إلى حد بعيد، وهذا من رحمة الله بالإنسانية المعاصرة لأن عواقب الاستسلام للشعور بالخوف أو الذعر لمدة مخيفة، فالذعر هو قاهر الأسواق والدول بل والشعوب طبعا إذا استقر وأنتشر وترعرع بسرعته المعهودة وما يضاف إليها غالبا من عوامل مصنوعة بأيدي أصحاب مصالح. نأتي إلى النقطة الأبعد تأثيرًا في مجريات الأحداث السياسية الاقتصادية في المرحلة المقبلة ألا وهى أنتخابات الولايات المتحدة التي حمى وطيسها من الآن، وما يمكن أن يجره السعي إلى النجاح بأي وسيلة، وإلى إرضاء كتل ناخبين بعينهم بقرارات أو خطوات ضارة أو حتى شديدة الضرر بالاقتصاد العالمي بل وأحيانا الأمريكي نفسه في المدى الأبعد.
ظني أن موجة الشعبوية في أمريكا أو أوربا وفي الهند كذلك وغيرهم بلغت ذروتها في الأشهر الماضية، واصبح صعبا على أربابها أن يتخطوا حدودا بعينها وإلا انهارت جماهيريتهم وتعرضت قواعدهم الانتخابية المؤيدة بلا تبصر أو بوعي لهزات عنيفة. ربما من اجل ذلك شهدنا تحيزات ترامبية رهيبة إلى إسرائيل لكنها بعيدة عن الحاق ضرر بالاقتصاد وعادت نغمة السجالات الانتخابية التي تتوقف طويلا عند الشخصي ولا تتعرض كثيرا للعام اقتصاديا كان أم غير اقتصادي، ومن أمثلتها التركيز الواضح على مثلية «بوتجيج» أو ما يعتبره ترامب غباء هذا أو قصر قامة ذاك. حتى اشتراكية السيناتور بيرنى سأندرز ورغم ضراوة الهجوم عليه من « وول استريت» والشركات الكبرى لم تفض إلى تراجع أسواق المال كما رأينا بعد أن برز قويا في تمهيدية «ايوا» وفاز في « نيوهامبشير»، بل وأصبح هناك قدر من التعاطي العقلاني نسبيا مع أطروحاته ما يدل على وجود درجة أو درجات من الشعور بالمازق الأمريكي أو العالمي الراهن (اللامساواة – الديون- الغضب الاجتماعي) والحاجة إلى تغييرات في النظام الأمريكي لتجديد النظام وليس لتحويله إلى آخر.
وقد دعا صندوق النقد ضمن الواجبات التي ارتأى أن على المجتمع العالمي الاقتصادي القيام بها من أجل حفز النمو والحفاظ على ما تحقق، إلى تدعيم بنيان النظام الضريبي الدولي. وهنا نعود إلى اتفاق إدارة ترامب مع ماكرون على حوار حول الضرائب على الشركات الرقمية -وهو من اعقد موضوعات الساعة في العالم- ضمن منظومة عمل منظمة دول التعاون الاقتصادي والتنمية وهى المنظمة التي تقوم على عمل بالغ الأهمية لكبح ظواهر التهرب والتجنب الضريبيين ومكافحة تآكل الوعاء الضريبي، وكنت أطن أن نفض إدارة ترامب يدها من كل ما ينتمى إلى المؤسسات المتعددة الأطراف وما يشبهها مثل منظمة التعاون سيجعل الرئيس الأمريكي يتمسك بحل فردى للخلاف مع فرنسا يعمل وفقا لقاعدة «العضلات الجمركية الأقوى» وليس المصالح المتوازنة.
أخيرًا تشير الأخبار الصادرة عن الصين إلى أن حدة كورونا قد بدأت تنكسر وأن السباق مع الزمن لإنتاج دواء لعلاجها يتقدم بل وسيضيف إلى الصين والإنسانية والاقتصاد نفسه بعدًا جديدًا وهمة إضافية فيما هو قادم. وقد أكد الرئيس الصيني أن اقتصاد بلده سيخرج أقوى من هذه المحنة وستحقق الصين ما تطمح إليه فيما يخصص التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
عربيًا فإن الأجواء فيها قدر ملتبس ومتراوح بين الخوف والأمل فبين تطورات مشجعة تبدو في الأفق فيما يتعلق بأسعار النفط على خلفية: بدء انكسار موجة تراجع الطلب وضعف التصنيع والتحسن في الأنشطة غير النفطية في الدول الخليجية، واستمرار النمو القوي في الاقتصاد المصري والتطورات في نموذج الأعمال السعودي وتدفق الاستثمارات إلى المغرب الخ، يقابل ذلك بالطبع: متاعب السودان وليبيا وسوريا والصومال والعراق واليمن وكلها لا تزال على حالها إلى حد بعيد، لكن ما قد يعزينا هنا أن التدهور في تلك الدول بلغ أوجه وأن الموجة توشك تحت ضغوط وعوامل مختلفة على أن تنعكس. من جانبي أرى أن الأداء الشخصي للأفراد عمومًا في منطقتنا يتحسن في بدايات فصل الربيع فهل يحدث ذلك مع الدول؟

جريدة عمان

مجانى
عرض