أربعـون الغيـاب

الدكتورة عائشة بنت أحمد الوشاحية –
عضوة مجلس الدولة –

اليوم تنقضي أيام الحداد العام على روح فقيد قلوبنا -رحمه الله- واليوم ككل يوم مضى ما زال ألم الفقد ساكنًا فينا وجراح القلوب لم تبرأ كأننا نستمرئ الحزن ونستزيد منه. ها نحن نتقاسم الفاجعة على امتداد رقعة الوطن جغرافيا وإنسانيا، كأنما هو قدر قابوس -رحمه الله- أن يبقينا يدًا واحدةً في حياته وفي مماته. هل يوجد إنجاز يمكن أن يقدمه قائد لشعبه أعظم من هذا الإنجاز؟
من المؤكد أن هذا الرجل العظيم كان قادرًا على أن يخوض في ما خاض فيه غيره من القادة إن كان على مستوى الإقليم أو على المستوى الدولي لكنه لم يفعل وتلك قمة الاقتدار ومنتهى الحنكة في عالم وعينا عليه مشتعلا بحرائقه شرقًا وغربًا، فكان نصيبنا منه بفضل الله واحة أمن واستقرار ودولة تمضي بعزم نحو أهدافها لا تحيد ولا تساوم.
إن قلنا أن قابوس هو نعمة الله وهبته العظيمة لهذا الشعب فتلك هي الحقيقة دون مبالغة، واليوم ونحن نقرأ سيرته نرى كم كان معتزًا بشعبه محبًا له، وساعيًا في سبيل نهضته. لقد سمعت في لقاء مع الصحفي الكويتي المعروف أحمد الجار الله أن جلالته -رحمه الله- كان دائم الإطراء لشعبه مما يعكس حميمية العلاقة بين القائد والشعب فقد كانت علاقة رائدها الحب والثقة المتبادلة. أحب قابوس شعبه فبادله الشعب حبًا وثقةً وإخلاصًا.
نحن الذين ولدنا في عهده الزاهر كنا طلائع نهضة السبعين ندين له بالفضل -رحمه الله- ولآبائنا الذين وقفوا خلفه صفًا واحدًا ملبين نداءاته في سبيل النهوض بالوطن فتحققت على يديه أقدارنا الأروع من كل ما حلم به لنا أهلنا والأجمل من كل ما دار في مخيلاتنا ونحن ما زلنا أطفالًا نعيش بعضًا من معاناة أهلنا وهم يقاسون شظف العيش وسط حشود الجهل والمرض والفاقة. ما كان لعقولنا الصغيرة، ولا لأرواحنا البريئة أن تستوعب المصير الذي نحن مقدمون عليه في غضون عشرين عامًا فقط نجد أنفسنا فيها دولة عصرية مزهرة ومزدهرة توفر لنا تعليمًا جامعيًا أشعرنا بالفخر حين خرجنا للدراسات العليا إلى دول سبقتنا في مضمار التقدم بقرون عديدة.
في السنوات الأخيرة فقط بدأت أدرك -ومثلي كثيرون- أن هذا الرجل العظيم كان رائدًا في قيادته لشعبه بكل ما تحمله الكلمة من معنى والريادة هنا بمعنى أنه يستشرف المستقبل في كل مجال يسعى إلى تنظيمه وتطويره فيكون له السبق والتميز معًا. وأذكر هنا ما يختص بأحد المجالات التنموية التي حظيت باهتمامي مع بدايات الألفية الجديدة، وهو مجال التنمية البيئية المستدامة. لقد نما هذا الاهتمام في إطار أكاديمي مرتبط بتخصصي الدراسي فبدأت أتابع مسيرة جلالته وخطاباته والتشريعات التي أصدرها في دعم التنمية البيئية لأجد أنني لم أبلغ شيئًا يسيرًا من رؤية جلالته وخططه التي نفذها منذ فجر النهضة في دعم البيئة والاهتمام بها. بل إنني أسائل نفسي وأستصغرها أن اقتضى الأمر مني إنجازًا دراسيًا تضمن شهادتي ماجستير وشهادة دكتوراه في العلوم والهندسة لأتمكن من بناء وعي معرفي ووجداني بقضية حيوية كقضية التنمية البيئية وأصل إلى رؤية مقاربة لرؤية جلالته التي أسسها منذ بداية عقد السبعينات من القرن الماضي، وظل يدعو إليها ويدعم أركانها التشريعية، ويعزز الوعي المجتمعي بها في خطاباته السامية. غير أنني في الوقت ذاته وجدت أن قضايا البيئة على مستوى العالم كانت مغبونة ومرتهنة لسياسات التنمية المتسارعة والمتصارعة، وكان صوت الداعمين لهذه القضايا خافتًا مكبوتًا ومتجاهلًا على المستويات الرسمية والشعبية. إن الحراك العالمي نحو تبني أهداف التنمية المستدامة التي أطلقتها هيئة الأمم المتحدة مؤخرًا تجئ كمحصلة لتلك الجهود، حيث أخذت القضايا البيئية مكانة متصدرة في هذا الحراك. هكذا وجدت أن قابوسنا -رحمه الله- كان متفردًا في ريادته لهذا المجال ليس محليًا فحسب بل على مستوى العالم وكان هو المثال والقدوة لنا إن أردنا أن نحفظ إرثه ونحافظ على عمان كما أرادها.
لقد خاض جلالته -رحمه الله- غمار التنمية الجادة في الوطن متمسكًا بثوابت الهوية العمانية راسمًا أهدافه بكل تفاصيلها، كان كمن يرسم لوحةً فنيةً على امتداد خمسين عامًا، ولم تكن ملامح هذه اللوحة واضحةً لنا بل إننا ربما تفاعلنا مع بعض تفاصيلها وغفلنا عن كثير. اليوم ننظر إلى هذه اللوحة الرائعة التي أبدعها وتتجلى لنا تفاصيلها بكل دقائقها فتذهلنا والآن ندرك أن قابوسنا لم يكن مجرد قائد أو حاكم بل كان صاحب رسالة أخلص واجتهد في أدائها بهمة وعزم عز نظيرهما في عمان وخارجها، كما أن قلبه العطوف الحاني كان رائده ودليله في سعيه لتحقيق رسالته. لقد بدا لي شخصيًا كمن يحمل قلبه بين كفيه حريصًا على أن لا تهتز خطواته فيفقد القلب الذي ينير بصره وبصيرته.
في سنوات مرضه -رحمه الله- أصبحت كلما رأيته أو أبصرت صورته أردد (يا رب قلبا كقلبه وهمة كهمته). نعم لقد كان رحمه الله قائدا ومربيا بالقدوة وتلك أعلى مراتب التربية فليتنا نتعلم منه ونقتدي به لنكون (نحن قابوس بن سعيد).