«اقتراح»… لا يرتب حقا ولن يفرض شرعية!!

د. عبدالحميد الموافي –

ليس من المبالغة في شيء القول إن المرحلة الراهنة التي قد تستمر لبضعة أعوام أخرى ، هي من أسوأ المراحل التي مرت وتمر بها الشرعية الدولية والقانون والمنظمات الدولية، ليس فقط للمحنة التي نواجهها في فلسطين، والمحاولات المستميتة من أجل إضفاء شرعية ما، أو بمعنى أدق محاولة فرض رؤى وخيارات أحادية تتناقض تماما مع أسس ومبادئ وقواعد القانون الدولي المعروفة والمستقرة منذ ما قبل قيام اسرائيل ذاتها بعقود عديدة.

ولكن أيضا لأن البلدوزر الأمريكي يريد أن يكتسح أمامه أية قواعد دولية، ولا يعبأ بأية قرارات صادرة من الأمم المتحدة ومنظماتها ، من أجل أن يفرض ما يراه هو مناسبا له ولمصالحه في الفترة الحالية وما يخدم إسرائيل ، بل نتانياهو شخصيا ، خاصة وانه يقف على أعتاب انتخابات برلمانية هي الثالثة خلال عام واحد في إسرائيل ، والطامة الكبرى هي أن دول العالم ، الكبيرة والمعنية وذات المصالح في المنطقة أيضا، لا تريد التورط في الاعتراض ، ولا الدخول في خلافات قد لا تنجو منها اذا وضعهم البلدوزر الأمريكي هدفا لانتقامه، أو لضغوطه المباشرة وغير المباشرة ، وقد حملت البيانات والمواقف الصادرة في الايام الماضية ، وبعد إعلان ما سمي بصفقة القرن الأمريكية في 27 يناير الماضي الكثير من المعاني والدلالات ، حيث حرص كل طرف على اختيار كلماته بعناية بالغة ، وبشكل يتجنب الاعتراض المباشر سوى من جانب الفلسطينيين، وعلى نحو يمكن تفسيره على انه مجرد تحفظ ، أو أمل في الوصول إلى حل عادل لصالح السلام والاستقرار في المنطقة !!
أما المواقف الجماعية من جانب منظمات إقليمية او متعددة العضوية، عربية او إسلامية أو قارية ، فان تلك المواقف هي في النهاية مواقف جماعية يصعب تحميلها على عاتق دولة او بضع دول محددة من أعضاء تلك المنظمات وفق نظرية القطيع . ومع ذلك فان الأمر والرفض من جانب تلك المنظمات يظل له أهميته في التعبير عن توجهات الرأي العام العالمي وزيادة مناخ الرفض العالمي لممارسات ورؤى لا تستند إلى اي أسس من القرارات والشرعية الدولية .
ان المشكلة الحقيقية تتمثل في ان صفقة القرن ، وهي تصور او مشروع أو مقترح أمريكي اسرائيلي مشترك ، ومن جانب واحد ، لمشكلة تمس حياة وحاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني الشقيق ، تسعى لاستبدال ما يمكن تسميته « الشرعية الأمريكية « بالشرعية الدولية ، وعلى نحو يكون فيه الموقف ، أو التأييد الامريكي لموقف أو لخيار ما كافيا لتنفيذه ، أو فرضه على الجميع ، حتى لو كان ذلك مخالفا للقانون والشرعية الدولية ، ومن ثم يحل الموقف الامريكي محل الموقف الدولي وينقضه ، بكل ما يترتب على ذلك من نتائج .
ومن شأن هذا التطور ، إذا تم الأخذ به أو ترسيخه ، سواء بالنسبة لفلسطين أو غيرها ، أن يقلب النظام الدولي رأسا على عقب ، لأن المسألة في هذه الحالة ستكون مرهونة ومتوقفة على الرؤية والقرار الامريكي ، بغض النظر عن مواقف القوى الدولية الأخرى ، وبغض النظر ايضا عن الحقوق المشروعة والمستقرة التي اقرها النظام الدولي والتي تنظم العلاقات بين دول العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل . ولأن إسرائيل هي التي تمسك بالباب الامريكي ، تفتحه لمن تريد وتغلقه في وجه من تريد ، حسبما يظن كثيرون ، خاصة وأنها توهم الجميع بقدرتها الخارقة في هذا المجال ، فانه من الطبيعي، وفقا لذلك ، أن يتسابق الكثيرون ، لإرضاء إسرائيل ، أو لكسب ودها، أملا في الاستفادة من القدرات الاسرائيلية النافذة في المجتمع والدولة الأمريكية . ومع انتشار هذا الافتراض ، بغض النظر عن مدى صحته وقدرته الحقيقية أو العملية ، أو قابليته للاستمرار إلى ما بعد الإدارة الأمريكية الحالية ، فانه يمكن الاشارة باختصار إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي :
أولا : انه من المؤكد ان صفقة القرن ، التي جاءت في ظل ظروف أمريكية واسرائيلية معروفة ، ومن أجل دعم فرص بنيامين نتانياهو وحزب الليكود في انتخابات الشهر القادم في إسرائيل ، وكذلك زيادة فرص اعادة انتخاب الرئيس ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر القادم ، تواجه في الواقع عقبات وتحديات تعترض طريقها بشكل حقيقي . فبالرغم من محاولات جاريد كوشنر مستشار الرئيس ترامب للشرق الأوسط و المسؤول عن صفقة القرن وما حوته من أفكار ، للترويج لهذه الصفقة الأحادية وتقديمها على انها اول خطة متكاملة لحل القضية الفلسطينية – حسب قوله – إلا ان ما قام به كوشنر هو انه استعار أفكار نتانياهو وزاد عليها لصالح إسرائيل وضد الفلسطينيين الذين لم تتم استشارتهم ، وهو أمر لم يقبله العالم في الواقع ، لأنه اختار الاستجابة لكل مطالب إسرائيل وأكثر منها بالنسبة لضم الأراضي الفلسطينية والإبقاء على المستوطنات ، شرعية وغير شرعية ، وأزاح القدس الشرقية من أمكانيه التفاوض حولها ، وجرد الفلسطينيين من حق العودة ، وضرب بالقرارات الدولية عرض الحائط ، وتخلى عن حل الدولتين ، ووصف ذلك كله بأنه اختراق على طريق الحل ، وان ذلك نهج غير تقليدي وتجاوز لاسلوب التفكير التقليدى الذي استمر على مدى العقود الماضية . وبالتالي فانه اختار ان يعطي إسرائيل كل شيئ ، وأن يترك الفلسطينيين امام خيار وحيد هو رفض الصفقة التي حرمتهم حتى من الأمل في حل عادل لقضيتهم . وهذه ببساطة وصفة لزيادة التوتر وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط بوجه عام وبين الفلسطينيين واسرائيل بوجه خاص .
جدير بالذكر انه في الوقت الذي تتجاوز فيه صفقة القرن الامم المتحدة والشرعية الدولية وعشرات القرارات المؤيدة للحق الفلسطيني في اقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على حدود الرابع من يونيو لعام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، فانه من المؤكد ان الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة لن تتراجع، ولن تتخلى عن مواقفها وقراراتها المؤيدة للحق الفلسطيني، ولن تخلي الساحة لتشغلها الادارة الأمريكية وحدها. ومما له اهمية ودلالة ان ردود الفعل الاوروبية ومن جانب الامين العام للامم المتحدة وكذلك روسيا والصين ، سارت جميعها في الاتجاه المعاكس للصفقة الأمريكية الاسرائيلية ، مع تشديد على التمسك بحل الدولتين واحترام الشرعية والقرارات الدولية ، مع زيادة الميل إلى العودة إلى صيغة اللجنة الرباعية – المكونة من أمريكا وروسيا والامم المتحدة والاتحاد الاوروبي كإطار للتفاوض الفلسطيني الاسرائيلي للتوصل إلى صيغة متفق عليها . واذا كانت واشنطن ترى في صيغة اللجنة الرباعية تجريدا لها من مكانتها ودورها المنفرد الذي تريد القيام به ، لعل ترامب يفوز بجائزة نوبل للسلام كما فاز بها اوباما من قبل ، فان ذلك يعني ان صفقة القرن سيصعب على الارجح ان تكون مرجعية للتفاوض او للحل بين الفلسطينيين واسرائيل ، وهو ما يعني ترجيح ذبولها مع مرور الوقت لأنها لم تكن متوازنة وكانت منحازة بشكل غير مسبوق إلى جانب إسرائيل . يضاف إلى ذلك انه بالرغم من ادراك اهمية وثقل الدور والتأثير الامريكي بالنسبة لقضايا العالم المختلفة ، ولامكانية تحدى الولايات المتحدة الأمريكية للعالم وللقانون الدولي ، وهو ما حدث مرات عدة ، في المنطقة وخارجها ، الا أن ما سيعيق صفقة القرن ايضا ، أنها تتجاهل الواقع والتاريخ الفلسطيني وتتعامل مع الأراضي والشعب الفلسطيني على انه غير موجود ، أو أن الفلسطينيين سينفذون ويلتزمون بما تقول به واشنطن وتل ابيب ، حتى لو كان يحرمهم من حقوقهم المشروعة والتي لا يمكن التصرف فيها ، وهو أمر يصعب تصور امكانية تطبيقه ، ويصل الامر إلى حد الغرابة عندما تشكل أمريكا واسرائيل لجنة لرسم خرائط وحدود الأراضي التي ترى أمريكا ضمها لاسرائيل ، وكأن الارض خالية من السكان ، أو انه ليس هناك شعبا يقدم الارواح والدماء يوميا للحفاظ عليها ولاعادة تحريرها من الاستعمار والاستيطان الاسرائيلي . ويكشف ذلك مدى الانفصام والتجاهل الذي يمارسه كوشنر ورفاقه ، وكأن الخرائط والتفاصيل التي حفلت بها الصفقة المكونة من نحو 180 صفحة تضفي بذاتها أهمية أو شرعية على مخالفات صارخة للصفقة للقانون والشرعية الدولية وللمبادئ الأساسية للامم المتحدة التي تحرم ضم اراضي الغير بالقوة ، والتي تعترف ايضا بحق الشعوب في تقرير مصيرها والمؤكد انه لا يمكن استثناء الشعب الفلسطيني من ذلك اكراما لعيون إسرائيل او انحيازا فجا إلى جانبها.
ثانيا : إنه في فورة غضب ورد فعل فلسطيني وعربي على صفقة القرن ، خرجت مظاهرات واحتجاجات في الضفة الغربية وقطاع غزة وبعض الدول العربية ، وهو أمر اصبح الأمريكيون والإسرائيليون يعرفون حدوده ، ومن ثم يحسبون حسابه ويواصلون السير في طريقهم دون خوف على المستوى العملي مما قد يؤدي اليه ذلك من نتائج ، خاصة في ظل معطيات الواقع العربي والفلسطيني الراهن . ومع الاعتراف بحدوث شعور بالتفاؤل بإمكانية تجاوز حالة الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس، خاصة مع تأكيد كل الأطراف الفلسطينية على اهمية وضرورة استعادة الوحدة الفلسطينية ، والحديث عن استئناف الاستعداد للانتخابات الفلسطينية وزيارة وفد رفيع المستوى من رام الله إلى غزة ، الا ان ذلك كله ما لبث ان تبخر للأسف بعد أيام قليلة ، برغم ادراك كل الفلسطينيين أهمية وضرورة استعادة الوحدة وبناء موقف فلسطيني موحد وقادر على مواجهة التحدي الذي تمثله صفقة القرن ، والأكثر من ذلك انه تم في قطاع غزة تكوين لجنة شعبية عليا للرد على صفقة القرن ، ولا يخفى على أحد ان ذلك لا يساعد على سرعة انجاز او استعادة الوحدة الفلسطينية ، لأن الرد يجب ان يكون موحدا ومدروسا بين غزة ورام الله ، حتى يكون أكثر فعالية . ومن ثم فانه اذا لم تتمكن حماس وفتح من تجاوز خلافاتهما الآن ، في ظل مواجهة ما تفرضه صفقة القرن من مخاطر حقيقية على الشعب الفلسطيني وقضيته ، فمتى يمكن ان يتحقق ذلك ؟!
من جانب آخر فانه مع الوضع في الاعتبار ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد الثلاثاء الماضي امام مجلس الامن الدولي على الرفض القاطع لصفقة القرن ، وعلى التمسك بالحقوق الفلسطينية وبالاستعداد للتفاوض برعاية الرباعية الدولية ، وليس برعاية امريكية منفردة ، وعلى أساس من قرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين ، فانه لوح أيضا بإمكان الغاء الاتفاقات مع إسرائيل وتحميلها مسؤولية ادارة الأراضي الفلسطينية المحتلة ، باعتبارها قوة احتلال ، فانه ينبغي الاشارة إلى ان الضغط على الرئيس الفلسطيني للسير على هذا الطريق لا ينبع من حرص على الشعب الفلسطيني وعلى مستقبل قضيته ، لأن الانسحاب من الاتفاقات مع إسرائيل ، بما فيها اتفاق اوسلو وغيره ، وبرغم ما سيسببه ذلك من ارتباك لاسرائيل ، الا انه سيسمح لاسرائيل بالمضي قدما بشكل اكبر لزيادة الاستيطان ، ولفرض القانون الإسرائيلي عل اكبر مساحة ممكنة من الضفة الغربية وربما ضمها بشكل كامل ، كما تدعو بعض الأطراف الاسرائيلية ، فضلا عن إمكانية تهجير مزيد من الفلسطينيين وإبعادهم إلى قطاع غزة ، وهدم هياكل الدولة الفلسطينية التي تم اقامتها خلال السنوات الاخيرة ، أما الدعوة إلى المقاومة المسلحة فانها مجرد دغدغة لعواطف الشباب ، وشعار تطرحه بعض الاطراف الفلسطينية والاقليمية لحسابات خاصة بها ، بغض النظر عن المصالح الفلسطينية ، لأن المقاومة لها اشكالها وبيئاتها ومتطلباتها، ولا تقتصر على بعض الاستعراضات او اطلاق بعض الصواريخ او القذائف في اتجاه إسرائيل بين وقت وآخر . وعلى اية حال فان الرئيس الفلسطيني يعي ذلك كله ولا ينجرف إلى خيارات ليست في صالح الفلسطينيين، برغم الضغوط ومحاولات الاحراج التي يتعرض لها باستمرار .
ثالثا : انه بالرغم من ان اوساطا اسرائيلية عديدة تدرك ان الامن الاسرائيلي مرتبط إلى حد كبير بأمن الفلسطينيين ، وأنه من غير الممكن تحقيق امن واستقرار إسرائيل على حساب ، أو من خلال اخضاع الفلسطينيين بالقوة المسلحة ، الا ان الحسابات السياسية الضيقة للقادة والاحزاب الاسرائيلية تزين لهم السير على طريق التوسع الاستيطاني والسعي إلى ضم مزيد من الأراضي الفلسطينية وتطبيق القانون الاسرائيلي عليها ، لتحقيق مكاسب انتخابية تكتيكية كما يحدث الآن بالنسبة لنتانياهو . وهو ما يدمر خيار حل الدولتين ، بكل ما يترتب على ذلك من نتائج .
في هذا الاطار فانه من المؤكد ان حل الدولتين ليس في صالح الفلسطينيين وحدهم ، ولكنه في صالح إسرائيل ايضا ، الآن وفي المستقبل ، لسبب بسيط هو ان حل الدولتين من شأنه ان يكون مدخلا لتحقيق الاستقرار ولتغيير نمط العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية والعلاقات العربية الاسرائيلية ايضا ، وهو ما أكد عليه الرئيس الفلسطيني في كلمته امام مجلس الامن الدولي الاسبوع الماضي . والأكثر اهمية من ذلك ان التدمير المتعمد لحل الدولتين من جانب إسرائيل بأكثر من طريقة ، هو في الواقع بمثابة انتحار لاسرائيل ، ليس فقط لان البديل هو خيار الدولة الواحدة التي تضم الفلسطينيين في داخلها ، أو دولة الابارتهيد ، وهو ما يتعارض مع هدف يهودية الدولة من ناحية ، فضلا عن اثارة مشكلات امن واستقرار لا تنتهي لاسرائيل ، التي لن تتمكن من السيطرة على ملايين الفلسطينيين داخلها من ناحية ثانية، فضلا عن القنبلة الديموغرافية الفلسطينية بحكم ارتفاع معدلات النمو السكاني للفلسطينيين بكل ما يترتب على ذلك من نتائج يعرفها الاسرائيليون جيد. والمؤكد ان صفقة القرن بتحطيمها لحل الدولتين ليست في صالح امن واستقرار ومستقبل إسرائيل ، برغم جاذبية ما تمنحه لنتانياهو واسرائيل .