خطة السلام والشرعية الدولية

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

منذ الترويج لخطة السلام الأمريكية العام الماضي والتكتم الشديد الذي اكتنف تفاصيلها بشقيها السياسي والاقتصادي إلا ان التسريبات الإعلامية أعطت بعض ملامحها على الأقل في الجانب الاقتصادي من خلال المؤتمر الخاص بالتحفيز الاقتصادي والاستثماري للخطة الذي عقد في البحرين قبل عدة شهور.
ورغم أن ذلك التحفيز الاقتصادي تحدث عن عشرات المليارات والتي ستدفع للفلسطينيين وعدد من الدول كمصر والأردن وحتى لبنان إلا أن الشق السياسي ظل هو الهاجس الأهم لأنه يتعلق بوضع الدولة الفلسطينية المستقبلية وحدودها ومصر واللاجئين والقدس وعدد من القضايا التي تتضمنها قرارات الشرعية الدولية.

وبعد الإعلان الرسمي عن خطة السلام الأمريكية في البيت الأبيض وبحضور رئيس الوزراء الاسرائيلي المنتهية ولايته وجمع من الدبلوماسيين جاءت الخطة صادمة وتعطي كل شيء لإسرائيل ابتداء من مدينة القدس المحتلة ومرورا بسيطرة اسرائيل على 30 في المائة من أراضي الضفة الغربية وان موضوع اللاجئين يعالج بعيدا عن اسرائيل وان تكون هناك أشبه بدويلة فلسطينية مقطعة الأوصال اشبه بتجمعات سكانية كما اتضح ذلك في الخريطة التي تم عرضها من قبل الرئيس الأمريكي ترامب كما تحصل إسرائيل على غور الأردن.
ان خطة السلام كما تم وصفها ولدت ميتة لأنها نسفت الأسس التي تقوم عليها عملية السلام الحقيقية بين اسرائيل والدولة الفلسطينية من خلال جملة من قرارات مجلس الأمن الدولي وهو المرجعية الملزمة للدول وهناك مئات القرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة وهناك المبادرة العربية التي أقرت في قمة بيروت عام 2002 والتي تنادي بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

مأزق الخطة
انطلقت خطة السلام الأمريكية في توقيتها من خلال أجواء سياسية أمريكية داخليه حيث يستعد الرئيس ترامب لخوض الانتخابات الرئاسية في الثالث من نوفمبر القادم، وبالتالي فان اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة والمتعاطفين معه من اليمين المتشدد يلعب دورا ماليا ومعنويا كبيرا ومن خلال دعم اسرائيل الذي فاق كل التصورات في تاريخ الولايات المتحدة اخترق ترامب كل المبادئ التي تقوم عليها سياسة الولايات المتحدة من خلال اهمية حل الدولتين وان يكون هناك حوار ومفاوضات بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني وان كل القضايا يتم حلها من خلال التوافق، ومن هنا فان خطة السلام جاءت ايضا لخدمة نتانياهو الذي يستعد هو الآخر لانتخابات ثالثة في الشهر القادم وهو ملاحق قضائيا من خلال تهم الرشوة والفساد وبالتالي فان خطة السلام الأمريكية تعطيه مكاسب سياسية كبيرة امام الناخب الإسرائيلي.
وعلى ضوء ردود الفعل فان الخطة وقعت في مأزق كبير من خلال القرار الحاسم من الجامعة العربية برفض الخطة خلال اجتماع وزراء الخارجية العربية في القاهرة، مؤخرا كما جاء الرفض مباشرة من قمة الاتحاد الإفريقي في اديس ابابا كما جاء الرفض الثالث من منظمة التعاون الإسلامي خلال اجتماعها في مدينة جده السعودية وايضا الرفض من دول عدم الانحياز والمجتمع الدولي وحتى دول الاتحاد الأوروبي.
بل ان هناك أصواتا من اعضاء الكونجرس الأمريكي برفض الخطة من خلال توقيع 107 من مجلسي الشيوخ والنواب وهذه رسالة أمريكية مهمة من خلال السلطة التشريعية والتي يدخل معها الرئيس ترامب في مشكلات كبيرة كان آخرها قرار مجلس الشيوخ الذي يقيد سلطة الرئيس من شن حرب علي إيران دون الرجوع للكونجرس.
على المستوى الشعبي فان رفض خطة السلام الأمريكية كان كبيرا ليس فقط في العالم العربي ولكن على مستوى دول العالم وحتى ان هناك أصواتا في إسرائيل اعتبرت الخطة غير منصفة ومجحفة في حق الشعب الفلسطيني.
ومن هنا فان خطة السلام الأمريكية سقطت سياسيا وبرلمانيا وشعبيا ولا شك ان الاجتماع الطارئ للبرلمانات العربية في العاصمة الأردنية عمان قد وجه رسالته القوية لتلك الخطة وبقية التفاصيل معروفة.
العامل الحاسم
كما نتحدث دائما فان اي سلام او خطة من هنا او هناك لا يمكن ان تمر دون موافقة الشعب الفلسطيني المناضل، ومن هنا فان العامل الحاسم في فشل الخطة هو صمود الشعب الفلسطيني لأكثر من سبعة عقود وان الاغراءات المالية لا يمكن ان تجعل الشعب الفلسطيني ان يضحي بأرضه ومقدراته وحقوقه، ومن هنا فان خروج عشرات الآلاف في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس قد وجه رسالة قوية بأن الصفقة المشبوهة والظالمة قد أسقطت من قبل الشعب الفلسطيني ومن احرار العالم.
ان شكل الخرطة التي عرضت على انها الدولة الفلسطينية تعطي مؤشرا بأن الذين خططوا لتلك الخطة لا يدركون قواعد الصراع في منطقة الشرق الأوسط ولا يدركون التضحيات الكبيرة من الشعب الفلسطيني والشعوب العربية لنصرة القضية الفلسطينية، كما ان هناك سذاجة كبيره في بنود الخطة تثير السخرية فاقتطاع مزيد من اراضي الضفة الغربية وايضا القدس الشرقية وكذلك غور الأردن هي عمليه غير قانونية فتلك الاراضي وحسب القانون الدولي هي أراض محتله لا بد ان ترجع لأصحابها.
اذن خطة السلام الأمريكية كما اشارت حتى بعض الصحف الأمريكية ولدت ميتة، ومن هنا فان الرئيس ترامب ومستشاره كوشنر ليس لديهم الدراية الكافية بمسار الصراع العربي-الاسرائيلي، كما ان عمل خطة يعتمد عليها مصير الشعب الإسرائيلي لا يمكن ان ترسم دون وجود أصحاب الحق الشرعيين ومن هنا جاءت الخطة لتنسف عملية السلام واتفاق أوسلو.
اذن الشعب الفلسطيني هو العامل الحاسم لإسقاط خطة السلام الجائرة علاوة على المواقف التي تمت الاشارة لها ومن هنا فان الترويج لخطة السلام من خلال دفع الأموال لم تجد فالمشروع الفلسطيني الوطني لا يرتبط بوجود رئيس أمريكي والذي أقصى مكوث له في البيت الأبيض اربع سنوات قادمة إذا فاز في الانتخابات الرئاسية القادمة، ومن هنا فان الصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين هو صراع كبير يتعلق بحقوق مشروعة للشعب الفلسطيني تم إقرارها من المجتمع الدولي ومرجعيته الأساسية وهي الأمم المتحدة.

الرهان الخاسر
من العوامل التي اعتمد عليها الرئيس ترامب ومستشاره كوشنر والآخرون في البيت الابيض هو ان العرب في هذه المرحلة في وضع سيئ حيث هناك حروب اهلية في بعضها كسوريا واليمن وليبيا وهناك ازمات شعبية في العراق ولبنان والجزائر والى حد ما السودان، كما ان هناك خلافات عميقه بين دول مجلس التعاون من خلال الازمه الخليجية.
وعلى ضوء ذلك فان ردة الفعل العربية لن تكون كبيرة وقد يوافق العرب على خطة السلام او على الاقل لا يتخذوا موقفا ازاء تلك الخطة ورغم الاعتراف بذلك التحليل الامريكي وهو واقع صحيح الا ان الدول العربية ورغم الضعف والتشرذم إلا أنها لا تستطيع ان تخذل القضية الفلسطيني وشعبها المكافح وبالتالي سقط هذا العامل الذي راهن عليه ترامب ومستشاروه رغم الضغوط الكبيرة التي مارستها الإدارة الأمريكية على القيادات العربية.
اذن الرهان الأمريكي على الموقف الرسمي العربي قد فشل هو الآخر حتى السلطة الوطنية الفلسطيني ورغم انها تتعرض لضغوط كبيره فان الرئيس الفلسطيني محمود عباس كان على مستوى الحدث الوطني من خلال رفضه محادثة الرئيس ترامب الهاتفية وما عبر عنه من مواقف شجاعة أمام وزراء الخارجية العرب وأيضا امام أعضاء مجلس الأمن مما كشف زيف الخطة الأمريكية وانحرافها عن مسار السلام الحقيقي، ومن هنا فقد انتهى الوسيط الأمريكي الأحادي ولم يعد مقبولا لأنه طرف غير نزيه وكشفت الخطة بانه اكثر اندفاعا لخمة اسرائيل حتى اكثر من الإسرائيليين وهذه معضلة كبرى في مجال السلوك الأمريكي في مرحلة ترامب، وعلى ضوء ذلك فان المطلوب الان هو الصمود الفلسطيني والمصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس لأن ذلك سوف يعطي صلابة للموقف الفلسطيني في مواجهة تلك الخطة الظالمة.
ان حقوق الشعب الفلسطيني راسخه وثابتة من خلال قرارات الشرعية الدولية، ومن هنا فان من مصلحة اسرائيل ايجاد الحل العادل والشامل من خلال المرجعية الأممية ومبادرة السلام العربية اذا ارادت اسرائيل ان تعيش مع جيرانها العرب بسلام وبدون ذلك السلام العادل والشامل ستظل المنطقة ملتهبة ولا يمكن لإسرائيل ان تنعم بالسلام في هذه المنطقة لأن الشعوب العربية وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني لن يفرط في حقوقه الثابتة والتاريخ يعلمنا بأن اي احتلال مصيره الانسحاب ورد الحقوق وإسرائيل هي آخر احتلال في التاريخ الحديث وبالتالي فان الزمن والإرادة كفيلان بإنهاء هذا الاحتلال البغيض.

جريدة عمان

مجانى
عرض