الفائز والخاسر.. مسألة نسبية

يسرا الشرقاوي –

التقييم الهادئ والموضوعي للتداعيات المتوقعة لخطة إدارة الرئيس دونالد ترامب فيما يتعلق بتحقيق السلام في الشرق الأوسط، أو ما يعرف بـ «صفقة القرن»، يكشف صعوبة الخروج بتصنيف مطلق وحاسم فيما يتعلق بمسألة «الفائز» و«الخاسر» في هذا الخصوص.
حاولت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في تقرير متوفر عبر موقعها الإلكتروني بتاريخ 30 يناير 2020، إجراء تحليل لمواقف الأطراف الرئيسية فيما يخص الصفقة المفترضة. وكانت النتيجة بتقديم تقييم لكل طرف كـ «فائز/‏‏ فائز محتمل»، أو «خاسر/‏‏ وخاسر محتمل»، فلا توجد أحكام مطلقة.
في سياق ذلك التحليل على سبيل المثال، وتحديدا فيما يتعلق برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، والذي يخوض معارك انتخابية تقارب على العام من أجل حسم مسألة تجديد ولايته، فإنه بين «الفائز»، و«الفائز المحتمل»، أو يمكن وصف ذلك التنصيف «المائع» و«الواقعي» أيضا، بأنه يعكس درجات المكسب والخسارة لكل موقف.
ففيما يخص نتانياهو، يرى رون كامبيس، كاتب تقرير «تايمز أوف إسرائيل» أنه قد يكون «فائزا»، إذا تم النظر للمسألة من زاوية أن «الصفقة» المزمعة تكفل لدولة إسرائيل تحديد حدودها الشرقية على أساس «نهر الأردن»، بالإضافة إلى التأمين الواضح لاستقرار قاطني المستعمرات الحالية، بضم كل المستوطنات الإسرائيلية في نطاق الضفة الغربية. ويضاف إلى ذلك كله، أن تصبح الدولة الفلسطينية التي تقرها «صفقة القرن»، بكل محافظاتها منزوعة السلاح، فضلا عن نزع سلاح حركة «حماس».
ولكن المعضلة أن تلك البنود ذاتها، والتي يفترض أن تدعم موقف نتانياهو في المارثون الانتخابي الذي يخوضه لقرابة العام حاليا، بغرض إعادة تجديد ولايته لرئاسة وزراء إسرائيل، سيكون لها تأثير «مزدوج»، جانبه الآخر سلبي بالنسبة للمشروع السياسي لنتانياهو، خاصة وأنه يفترض أن يمر بمحاولة حسم انتخابي جديدة من خلال انتخابات مارس المقبل.
ولفهم مسألة «ازدواجية» التأثير، يتوجب النظر إلى بنود أخرى فيما يتعلق بصفقة القرن، وتحديدا ما يتعلق بمسألة «الدولة الفلسطينية»، التي تقر يفترض أن تقع عاصمتها في منطقة تقع إلى الشرق والشمال من الجدار المحيط بالقدس. وكذلك فيما يتعلق بتجميد مرحلي لنشاط إقامة المستوطنات لمدة 4 سنوات كاملة.
هذا الجانب تحديدا، يعني قبول إسرائيلي رسمي بفكرة الدولة الفلسطينية، وهي مسألة لن يكن قبولها، من الناحية العملية، يسير. ففي أعقاب إعلان بنود الخطة/‏‏ الصفقة، التزم نتانياهو في تصريحاته مع المراسلين الصحفيين بتجنب الإشارة إلى لفظة أو فكرة «الدولة الفلسطينية»، إلا عندما تمت مجابهته مباشرة بهذه النقطة، فكان رده «أيا ما كان تسميتها»، فهذه المسألة تحديدا كانت من الخطوط الحمراء، التي طالما أكد نتانياهو في تصريحات واثقة لناخبيه من أنصار اليمين الإسرائيلي المتشدد، أنه لن يقبل بتخطيها.
ويزيد على ذلك أن التجميد الكامل لعملية الاستيطان لمدة أربعة أعوام لن تمر مرورا يسيرا على ذات القاعدة الانتخابية المتشددة، والتي حتما ستجلبه إلى قلب الجدل الانتخابي خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وحتى بعد حسم الانتخابات، ذلك إذا ما تم حسمها. الالتفاف على بنود «الخطوط الحمراء» والتي لا تتماشى وتوجهات الناخب الإسرائيلي، وتحديدا القسم اليميني منه، يمكن تحققه من جانب الإدارة الإسرائيلية مرحليا وفي توقيت لاحق، ولكنه يعني أيضا ضرب «الصفقة» وفكرة إرث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كمحقق للسلام بالمنطقة العصية عليه.
يصعب أيضا تطبيق تصنيف «الفوز أو الخسارة المطلقة» في حالة الرئيس ترامب، فرغم الدعم الذي يناله من الجانب الإسرائيلي، إلا أن تحليل كامبيس من «تايمز أو إسرائيل» ينصح بأن «يسعى ترامب إلى إيجاد بديل أخر لتحقيق إرثه الرئاسي»، والمؤشرات تؤكد أن لترامب كثير من نقاط الارتكاز التي يمكن أن تحقق له فكرة «الإرث السياسي»، مثل الإنجاز الاقتصادي والتعامل مع أزمة البحث عن عمل، والأهم المواجهة المستمرة مع المؤسسات الحاكمة في واشنطن، والتي بلغت مرحلة محاكمة العزل، والتي خرج منها ترامب أقوى كمحارب تقليدي يميني يواجه الدولة العميقة والنخبة المتنمرة في العاصمة الأمريكية.
طرح «صفقة القرن» ببنودها الحالية والتي تجعل القدس عاصمة موحدة للدولة الإسرائيلية، وتتجاوز كليا «حق العودة»، يمنح ترامب، كما يمنح نتانياهو دعم عاجل من أجل الموسم الانتخابي الذي يحل نهايات العام الجاري، والذي بدأ الإعداد له بكل همة. ولكنه لا يحقق إنجاز حقيقي فيما يتعلق بتحقيق تسوية فعالة ودائمة للنزاع العربي- الإسرائيلي.
ذلك النزاع الذي دخل أحدث معاركه، بحشد القوى العربية أدواتها المتاحة في رفض الصفقة إجمالا. ففي مسألة حسم «الفائز والخاسر»، يبدو الجانب الفلسطيني والعربي، الأشد خسارة. تقلص حلم الدولة الفلسطينية من أن تشغل إجمالي الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى المقترح الأخير بأن تقوم الدولة الفلسطينية على أساس قطاع غزة وثلثي مساحة الضفة الغربية. ويلاحظ أن حتى مسألة الدولة الفلسطينية ليس مرحب بها تماما من الجانب الإسرائيلي كما أتضح مسبقا.
كما أن الجانب الفلسطيني مطالب بتقديم عدد من علامات التعاون، مثل الاعتراف بالدولة الإسرائيلية والتنازل كليا عن السلاح، ذلك غير القبول بخضوع مخارج ومداخل دولته المفترضة برا وبحرا وجوا إلى سيطرة إسرائيلية تامة. يقابل ذلك تواجد سياسي معترف به دوليا، وكذلك مساعدات أمريكية ضخمة.
لكن الحكم النهائي أن الدولة الفلسطينية، لن تكن حقا دولة، وإنما شبه دولة تخضع لهيمنة وسيطرة الطرف المستعمر، وذلك لن يحقق «السلام بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين»، كما أقر ترامب في كلمته عند الكشف عن تفاصيل «صفقة القرن». وإنما سيدفع إلى نقل «الأزمة» إلى مستوى جديد سواء داخل الأراضي المحتلة الفلسطينية ذاتها، أو على مستوى العلاقات العربية- الإسرائيلية.

جريدة عمان

مجانى
عرض