خطة السلام الأمريكية.. فرص النجاح والإخفاق

إميل أمين –

وقت ظهور هذه الكلمات للنور تكون ثلاثة أسابيع قد انقضت على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطة السلام الأمريكية الخاصة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي طال أمده لأكثر من سبعة عقود ومن غير أفق للحل عما قريب.

تستدعي ملامح ومعالم الخطة الأمريكية العديد من علامات الاستفهام، وفي المقدمة منها هل تتساوق مع القرارات الأممية لا سيما الصادرة عن الأمم المتحدة، عطفا على الشرائع والقوانين الدولية، ناهيك عن النواميس الأدبية التي تحكم المشهد منذ العام 1948 وحتى الساعة؟
الجواب هنا باختصار غير مخل لا، إذ أن كل ما صدر عن مجلس الأمن منذ العام 1967وحتى الساعة يشير إلى أن الأراضي التي استولت عليها إسرائيل، هي أراض محتلة ولهذا لا يجب بل ولا يمكن أن تقوم إسرائيل بتغيير معالمها وملامحها، سواء الجغرافية أو الديموغرافية.
جاءت الخطة الأمريكية تحمل توجها منافيا ومجافيا لكل ما تقدم، وقبلها اتخذت إدارة الرئيس ترامب عدة قرارات لم تكن لتدفع أو تحفز أي سلام في الأرض المحتلة، قرارات من عينة الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل، ومن ثم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
ابعد من ذلك اعترفت الإدارة الأمريكية الحالية بحق إسرائيل في الحفاظ على المستوطنات التي قامت ببنائها على أراض فلسطينية بشكل غير مشروع، بل اكثر من ذلك أنها شجعت ولو بطريق غير مباشر إسرائيل على ضم مناطق مثل غور الأردن إلى ملكيتها، الأمر الذي يهدد بعودة حالة العداء المباشر بين إسرائيل والأردن بعد أن انتهت منذ توقيع اتفاق وادي عربة.
والشاهد أن أحدا لا يرفض الوساطة الأمريكية بين الجانبين، فلا تزال الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة نفوذ كبير في هذا الملف سيما وان لها سابقة في هذا المضمار عندما نجحت إدارة الرئيس الأمريكي «جيمي كارتر» في سبعينات القرن المنصرم في التوصل إلى اتفاق سلام بين مصر وإسرائيل المعروف باتفاقية «كامب ديفيد»، غير أن المطلوب من واشنطن أن تكون وسيطا نزيها وعادلا، يدفع إلى إقامة السلام وليس إلى إلهاب جذوة الخصام.
يعن لنا أن نتساءل بشكل مباشر ومن غير مداراة أو مواراة: هل من فرص نجاح لمثل هذه الخطة؟
الجواب باختصار غير مخل يؤكد على أن فرص الإخفاق أكبر بكثير من إمكانيات النجاح، ذلك أنه ما من أحد حول العالم وافق عليها وأعلن سعادته بها سوى واشنطن وإسرائيل متمثلين في ترامب ونتانياهو فقط لا غير، وهنا نتساءل عن مواقف الدول العربية وبقية التجمعات الأممية الكبرى، ومن مواقفها يتضح لنا جليا أنه لابد لإدارة الرئيس مراجعة أوراقها مرة أخرى إذ أن ما أعلن في واشنطن ليس بقدر منقوش على حجر.
يمكن البدء من عند أصحاب القضية أنفسهم، أي الشعب الفلسطيني، والذي تحدث باسمه الأسبوع الماضي الرئيس عباس في مجلس الأمن الدولي، رافضا اعتبار خطة السلام مرجعية لأي مفاوضات مستقبلية.
أحسن كثيرا جدا أبو مازن في كلمته، التي جاءت عقلانية تتمتع بالجزم والحزم، وفي الوقت ذاته تشير إلى رغبة الشعب الفلسطيني في السلام العادل، وقد خلت من كافة المصطلحات الزاعقة والرايات الفاقعة التي لم تخدم يوما الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
كان أبو مازن محقا حين أشار إلى أن الخطة الأمريكية تجاهلت حقوق الشعب الفلسطيني، كما أنها تجافي وتنافي اليد العربية التي امتدت طويلا منذ العام 2002 بمبادرة سلام، عطفا على أنها تتجاهل مطالب الشعب الفلسطيني عينه وتبخس حقوقه المشروعة في دولة فلسطينية مستقلة.
يكفي أبو مازن والشعب الفلسطيني لكي يتم رفض خطة السلام الأمريكية أن تكون القدس الشرقية خارج السيطرة الفلسطينية، وما يفوت الرئيس ترامب هنا هو ما أشرنا إليه مرات عدة من قبل، ويتعلق بكون القدس مدينة فوق العادة، مدينة مقدسات مطلقة لا تقبل فلسفة المساومات، أو تخضع لمعايير قسمة الغرماء، أنها مركز حج روحي لمليار ونصف المليار مسلم حول العالم، ومثلهم لمسيحييه، وتهم بنوع خاص المسيحيين العرب، ولهذا يضحى من غير المنطقي أن يطالب الرئيس ترامب بأن تقوم عاصمة للدولة الفلسطينية في مناطق شرق القدس، وهنا كان من الواضح أن تلاعبا يجري على الكلمات كي تنطلي على البسطاء، فحين تكلم الرئيس ترامب عن عاصمة للدولة الفلسطينية المتوقعة قال إنها تقع شرق القدس، أي في المناطق المعروفة غالبا جهة العيزرية أو ابو ديس وما حولهما.
يرفض الفلسطينيون الخطة الأمريكية بإيجاز ومن غير إطناب انطلاقا من أنها تكافئ المحتل بدلا من أن تعمد إلى محاكمته ولو بشكل أدبي أمام العالم، كما أن الرفض يجيء لكونها تؤصل لنظام فصل عنصري بين الإسرائيليين الفلسطينيين.
لم يغلق أبو مازن باب السلام، وفي هذا أجاد لا سيما حين أشار إلى أن تحقيق السلام بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني لا يزال ممكنا، عبر تقسيمة مرضية للجميع، فالقدس الشرقية للفلسطينيين والغربية للإسرائيليين، وليس أمرا مكتوبا في شرائع سماوية أن يتصارع الطرفان بل يمكن لهما أن يتعايشا، والحقيقة القائمة التي لا يمكن لأحد أن ينكرها هي أن الطرفين أبناء عمومة، وقد عاش اليهود في وسط العالم العربي والإسلامي لقرون طوال في إطار من المواطنة الخلاقة، في الوقت الذي كانوا فيه يعانون أشد المعاناة في العالم الأوروبي، يضطهدون ويقتلون، حرقا وغرقا، وخرقا.
ولعل ما يجعل فرص نجاح خطة السلام الأمريكية ضعيفة إلى حد كبير هو أن نظرتها للإشكالية تاتي من جانب مادي اقتصادي فقط، وهنا فإننا لا نذيع سرا إن قلنا أن هذه هي عقلية الرئيس ترامب، فهو رجل أعمال ناجح يقيس الأمور بمعيار الربح والخسارة، وما عدا ذلك لا يمكن النظر إليه أو اعتباره، وعليه فإن فكرة مقايضة المساعدات الاقتصادية بالحلول السياسية لا تبدو فكرة مقبولة أو معقولة، كما أن فرص نجاحاتها تضيق في الحال والاستقبال.
لم يكن الجانب الفلسطيني فقط هو الرافض للخطة وهو أمر بديهي أولي يمكن توقعه وتخيله، فقد وقف العرب عبر جامعتهم وقفة رجل واحد، فرغم أن أحدا لم يهاجم الخطة كما الحال من قبل في مناسبات مختلفة، وجاءت ردات الفعل عقلانية تعبر عن رغبة حقيقية في سلام قائم على العدالة والمساواة، وعلى إحقاق الحقوق، ومع التشجيع الكامل للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي للجلوس معا على مائدة المفاوضات، إلا أن ذلك لم يمنع أن يرفع العرب صوتهم بالمناداة بدعم أمريكي عادل للصراع لا يأخذ جانبا على حساب الآخر، ولا يهضم حقوق شعب طال به العذاب في الشتات، ولا يحرم أمة كاملة من مقدساتها في بيت المقدس وبقية المدن الفلسطينية التي تكاد أن تتحول إلى متاحف يؤمها الزائرون من بقاع وأصقاع الارض، إذ يعمل التهجير الإسرائيلي على تفريغ تلك المدن من سكانها الأصليين، لا سيما مدينة القدس.
والشاهد أنه يمكن تصور الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي السابقين، غير أن هناك مواقف لدول كبرى حول العالم ترفض الأحادية الأمريكية التي فرغت الحق الفلسطيني من اعتبارات راسخة عبر الأزمان كما الموقف الروسي على سبيل المثال.
تحت قبة الأمم المتحدة في نيويورك كان المندوب الروسي «فاسيلي نيبينزيا»، يعلن أن الولايات المتحدة لن تتمكن من تحقيق حل عادل في الشرق الأوسط بدون موافقة الجانب الفلسطيني، ومشيرا إلى أن «صفقة القرن»، بغض النظر عن وجهات النظر بشانها، لفتت الانتباه إلى ضرورة تسوية القضية الفلسطينية، لكن الأمر يتطلب جهودا منسقة للمجتمع الدولي من اجل صياغة حل عادل وثابت.
ما قدمته الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن بحال من الأحوال أن نطلق عليه صفقة، ذلك أن الصفقات تعلن برضى طرفين وربما في حضور شهود، إلا أن ما رأيناه في مؤتمر واشنطن هو خطة إذعان يملي فيها طرف ينبغي أن يكون وسيطا نزيها ومحايدا توجهاته على طرف آخر.
ماذا عن موقف الاتحاد الأوربي من خطة السلام الأمريكية؟
قبل الجواب ربما ينبغي أن نذكر القارئ بأن الخطوة السلمية الوحيدة خلال العقود السبعة المنصرمة التي جرت بين الفلسطينيين والإسرائيليين والتي قادت إلى اتفاق أوسلو عام 1993، ذاك الذي مكن الفلسطينيين من وضع أقدامهم على تراب فلسطين مرة أخرى بعد طول غياب، كانت خطوة أوروبية، دفع إليها الأوروبيون، وهناك رواية استخباراتية تقول إن طرفا من أجهزة الأمن الخارجية الفرنسية هو من شجع الفلسطينيين على لقاء الإسرائيليين بعيدا عن أعين الجانب الأمريكي، ولهذا نجح الطرفان في التوصل إلى اتفاق يعد الأساس الرئيس لأي حديث عن صفقة سلام قادمة.
بحال من الأحوال فقد عبر وزير الدفاع والخارجية البلجيكي في مجلس الأمن عن موقف الاتحاد الأوروبي الذي لا يزال ملتزما بحل الدولتين عن طريق التفاوض، على أساس خطوط عام 1967، مع مبادلة الأراضي بصورة متكافئة، على النحو المتفق عليه بين الطرفين، بين دول إسرائيل المستقلة، ودولة فلسطين المتواصلة جغرافيا، وذات السيادة والقابلة للحياة، تعيشان جنبا إلى جنب بسلام وأمن واعتراف متبادل.
وفي الواقع لم يعد الفلسطينيون ولا العرب ولا الأوروبيون فقط هم الرافضون للخطة الأمريكية للسلام، إذ أكد ممثلو حركة عدم الانحياز الأعضاء في مجلس الأمن عن دعمهم الكامل لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، بما في ذلك تقرير المصير في دولة مستقلة وذات سيادة ومتصلة وقابلة للحياة.
داخل قاعة مجلس الأمن لوح الرئيس الفلسطيني أبومازن بالخارطة المقترحة للدولة الفلسطينية والتي بدت وكأنها بالفعل قطعة جبن سويسرية مليئة بالثقوب ومفتتة ما يعني انه لا يمكن ان تكون دولة في يوم من الأيام، وأنها اقتراح هلامي ليس اكثر.
ما الحل إذن؟
لا يمكن انتفاء دور الولايات المتحدة، لكن المشهد الآني يستدعي دعوة الرباعية الدولية لعقد مؤتمر سلام تشارك فيه الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والجامعة العربية والطرفان الفلسطيني والإسرائيلي، بمعنى توسيع دائرة الوساطة لضمان النزاهة والحيادية للوصل إلى حل عادل وشامل مرة والى الأبد.