السلطنة ومفهوم الأمن الدولي

تحيط بمؤتمر الأمن الدولي المنعقد في مدينة ميونيخ الألمانية العديد من التحديات المترتبة عن شكل العالم اليوم مع بداية هذا العقد ودخولنا سنة جديدة هي 2020، لاسيما أن طبيعة القضايا المطروحة صارت متداخلة يصعب فرزها ما بين الموضوعات السياسية والاقتصادية والأمنية والمناخية وغيرها.
فملف التجارة الدولية لا يمكن عزله عن قضايا كفيروس كورونا، فالطيران الدولي الآن مثلا يتأثر في كل صوره بما يجري في الصين، كذلك تتحرك أبعاد سياسية وما يشبه نظريات المؤامرة في هذا الباب، لكن يبقى العنوان اللافت والأقوى هو كيف بإمكان دول العالم المشاركة في المؤتمر، أن تنهض باتجاه تعزيز صورة العالم من حيث التشارك في تحقيق الأمن عبر تدعيم الروابط السياسية، إذ يكون صناع القرار الدوليون أمام هذه الأسئلة الملحة التي تبدو متشابكة يصعب فكها عن بعضها البعض.
تشارك السلطنة في هذا المؤتمر من واقع إيمانها بالتكامل مع دول العالم في إطار تعزيز كل ما من شأنه أن يساهم في بناء العالم الأفضل والأكثر سلاما ورفاهية، وتقوم بدور ملموس على صعيد بناء الرؤية التي من شأنها أن تصوغ مسارات أكثر رسوخا في سبيل الأمن والأمان في المنطقة بشكل خاص.
ومنذ وقت مبكر في عهد السلطان الراحل، بدأت السلطنة بناء رؤية شاملة لربط المفاهيم الأمنية بالجوانب الاقتصادية والإنسانية، وتعزيز الإخاء بين الشعوب والأمم، فهي تؤمن بأن الثقافة والمعرفة والإدراك الصحيح كلها جوانب أساسية ومركزية في صياغة الأهداف العليا للمأمول على مستوى التعاون الدولي المطلوب، كذلك فإن مدخل السلطنة إلى السياسة الدولية يجمع بين هذه المناطق والجوانب من الرؤية السياسية وتكاملها مع التعاون الدولي الاقتصادي والتجاري، بالإضافة إلى العناية بالبيئة وصونها، وقبل ذلك النظر إلى الإنسان بوصفه المرتكز الجوهري في جملة هذه العمليات، ودونه ليس من مسار أو أفق للغد المشرق. إن العدد الكبير من المشاركين في مؤتمر الأمن العالمي، لا يعكس مجرد رقم، بل هو دليل على رغبة في الوصول إلى أفكار جديدة عبر التنوع والاختلاف الإيجابي، بمشاركة خبراء السياسة الأمنية وصناع الأفكار الحديثة، لأن الوصول إلى الحلول الأفضل يتطلب في العالم المعاصر إعادة التفكير في الصور والأنماط التقليدية من المعرفة والتقييم، بحيث يتم بناء وعي جديد للأمور يساهم بالفعل في تحقيق ما هو أكثر جدارة بالبقاء.
بشكل عام، إن مفهوم الأمن لم يعد مجرد كلمة مختصرة، بل هو سياق كلي وعريض يصعب حصره في نقاط محددة، إنه بشكل عام يشير إلى مستقبل الكوكب، الأرض التي نعيش فيها، كيف بالإمكان لها أن تمضي إلى سلام مستدام وأن يساهم البشر عبر تعاونهم الجماعي في تلمس أفضل السبل للعيش الكريم والمشترك الذي يجعلهم يستفيدون من موارد الكوكب بأفضل وجه وعلى أطول مدى ممكن، ومن هنا فالقضايا تتنوع وتتسع ومع اختلاف الرؤى يكون ممكنا الإجماع في ظل مصلحة مشتركة للجميع في أن تكون الأرض مكانا أكثر صلاحية للعيش واستمرار الحياة.