نوافذ :عندما نذكر البحر..

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

ما بين البحر واليابسة ثمة علاقة وشائجية، تعود إلى العصر الأول منذ بدء الخليقة، كما يعتقد ويتصور، وبقدر هذا التقارب في موضوعية النشأة الأولى، ظلت هناك حالة من التجاذب بين طرفين؛ كل طرف يمثل معادلة مستقلة، فكلما غزا البحر اليابسة «حالة المد» انكفأت الأرض على ذاتها وتموضعت، وكلما أرادت أن ترد بهجوم مباغت كان البحر هو أيضا أقرب إلى التراجع إلى زمن مسمى «حالت الجزر» وتظل هذه المناكفة اليومية قائمة، ومستساغة، ومقبولة، وتثير الأسئلة عندما يكون هناك خلل في حالة تغير أحدهما على الآخر إلى الحد غير المعقول، فتمدد اليابسة على حساب الماء؛ معناه أن هناك خلل في الأيكولوجيا، وذات الحكم يذهب في حالة تمدد الماء على حساب اليابسة، وفي الحالة العامة للصورة الماثلة أمامنا هنا في هذا المثال تظل الحدود هي المختلف عليها، والمتفق عليها في هذه المناولة اليومية بين الطرفين، فـ «… سواحل المد والجزر قدمت أفضل الفرص للغذاء والاستقرار، والتكاثر، والتعلم» كما كتب كارل ساور في العام 1962م، حسب ما جاء في كتاب (الساحل البشري) لجون آر غيليس؛ أكاديمي من أمريكا.
فالحد الفاصل ما بين اليابسة والماء، حد سرمدي، ومكوّن مهم في العلاقة بين اليابسة والماء، وبالتالي متى كان هناك تعد ما من أحد الطرفين على الآخر، قابله حالة من الذعر، ومن الاستنفار، ومن طرح الأسئلة، ومن البحث عن الأسباب، ومن إعمال الجهد لإيجاد الحلول السريعة حتى لا يكون هناك تفاقم للمشكلة إلى الحد الذي يخرج عن نطاق السيطرة، كما هو الخوف دائما.
والحد الفاصل بين البحر واليابسة ينبئ عن مقاربتين مهمتين في حياتنا نحن البشر؛ الذين نستلهم من هذه العلاقة القائمة المعاني الكبرى للحدود، وهما: مقاربة الزمان، ومقاربة المكان، وكلاهما عنصران مهمان في حياتنا اليومية، ولا يمكن تجاوزهما، أو تفضيل أحدهما على الآخر، فالحدود المكانية قائمة بيننا وبين بعضنا البعض في مختلف التقاطعات التي نعيشها كبشر، وبيننا وبين مختلف الكائنات الأخرى من حولنا الحية منها والجماد، ولا يمكن تجاوز الحدود المكانية بيننا وبين كل ما حولنا، وإلا سادت شريعة الغابة؛ حيث الحياة للأقوى؛ وهذا ما لا يمكن بقاؤه، وإن حل لظرف ما في زمن ما، فليس معنى ذلك أن تكتسي الصورة العامة للحياة بها كصورة قاتمة في العلاقة بين الأحياء.
وتمثل الحدود الزمنية ذات المعنى والأهمية، وإن كان الزمن يختلف في التعامل معه، كما هو المكان؛ حيث المادة الملموسة؛ إلا أن الزمن يفرض استحقاقات حدوده في الذاكرة الجمعية، حيث يعي الجميع أن هناك حدودا زمنية قائمة بين الليل والنهار، وبين الشهور والسنين، وبين الساعات والأيام، فلا يمكن أن يكتمل اليوم دون أن يتقصى عمرا زمنيا مقداره (24) ساعة، وكذلك الشهر ما بين (29 أو 30) يوما – قياسا على الشهر القمري هنا – والسنة بـ (12) شهرا، فهذه التراتبيات المكانية والزمانية هي اليوم من أهم المحددات التي تنظم حياتنا كبشر، وحياة كل الكائنات من حولنا، وعليها يقاس فهم الكثير من مقومات الحياة التي ترتبط بالحدود كأهم منظم للعلاقة بينها. تقول ربييكا سولنت؛ وهي كاتبة أمريكية؛ صاحبة كتاب (الأمل في الأوقات المظلمة) ما نصه: «إن ساحل البحر حافة… وهو يتحدى الفكرة المعتادة للحدود عبر كونه غير ثابت، متقلبا، وغير قابل للنفاد» – انتهى النص – فالديمومة القائمة للبحر في صنع حدوده مع اليابسة تطول وتقصر، حسب فهم النص أعلاه، ولذلك هو ثابت ومتقلب، ولكن مع ذلك هو يبقى حدا لا يمكن غض الطرف عنه، وكذلك حالنا مع كافة الحدود الفاصلة بيننا وبين الآخرين، وبيننا وبين عوالم حياتنا الحاضرة.