ليبيا … من مؤتمر الأمل في برلين إلى الحقائق على أرض الواقع

برلين-(د ب أ): كان من الواضح أن القمة التي عقدت في برلين بشأن ليبيا الشهر الماضي، لا يمكن أن تكون سوى خطوة أولى على طريق طويل نحو السلام في ليبيا التي تمزقها حرب أهلية.
وأشار وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، إلى ذلك في المؤتمر الصحفي عقب ختام القمة يوم 19يناير الماضي، حيث قال: «لقد عثرنا، إن صح التعبير، على المفتاح الذي يمكننا به حل الصراع الليبي، وعلينا الآن وضع المفتاح في القفل، وأيضا تحريك المفتاح لفتح القفل».
ومن المنتظر أن يستقبل ماس بعد غد الأحد ، وزراء خارجية الدول التي شاركت في قمة برلين، وذلك على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، المقرر أن ينطلق في اليوم نفسه، وذلك لمراجعة نتائج القمة بعد مرور نحو أربعة أسابيع على تنظيمها.
وربما كانت هذه النتائج متواضعة، حيث ظل مفتاح السلام في ليبيا متعثرا، وعصيا على التحريك.
ليس هناك، تقريبا، نية واحدة من النوايا الحسنة للمؤتمر تحققت على أرض الواقع، بل تحول الأمل الذي أحياه مؤتمر برلين، في بعض الجوانب، إلى خيبة أمل مريرة.
وعبر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، عن استيائه إزاء هذه النتائج بالقول: أشعر بإحباط شديد جراء ما يحدث في ليبيا، وأرى أن ما يحدث فضيحة.
كما عبر رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن، فولفجانج إيشنجر، عن هذه الحقيقة بشكل مشابه، قائلا: سيداتي وسادتي، عندما أفكر في قرارات مؤتمر برلين بشأن ليبيا، تسوء حالتي.. ولكن، ألم يحدث شيء حقا؟وتجرى الجهود التي تهدف إلى تحقيق تقدم، على أصعدة مختلفة، منها:
الهدنة: في ليبيا يتقاتل الجنرال القوي خليفة حفتر، قائد قوات شرق ليبيا، مع فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق في طرابلس المعترف بها دوليا، ورغم الاتفاق بالفعل قبل قمة برلين على وقف القتال، رفض حفتر التوقيع على اتفاقية بشأن هدنة دائمة.
ونجح المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا، غسان سلامة، على الأقل، في دعوة خمسة مسؤولين عسكريين بارزين من الجانبين، إلى مباحثات في جنيف، لكن الدعوة لم تثمر عن محادثات مباشرة. ويحاول سلامة تحقيق ذلك عبر دبلوماسية المكوك.
وفي بداية الأمر، أي عقب مؤتمر برلين مباشرة، هدأت المعارك في ليبيا بعض الشيء، ولكن الهدنة هشة، وهو ما يؤدي إلى اشتباكات صغيرة من وقت لآخر. بل إن جوتيريش يقول إن الهدنة «انتهكت بشكل مأساوي».
حظر الأسلحة: لم تكن الهدنة هي الهدف الحقيقي من وراء قمة برلين بشأن ليبيا، بل كان الهدف إنهاء التدخل الخارجي، وذلك لأن الصراع تحول منذ زمن طويل إلى حرب بالوكالة، حيث تدعم تركيا وقطر حكومة السراج، في حين تقف روسيا والإمارات ومصر إلى جانب حفتر.
انتهاك الحظر

ورغم أن هناك حظرا أمميا على وصول الأسلحة إلى ليبيا منذ بداية الصراع في عام 2011 بالفعل، إلا أن دولا كثيرة تنتهك هذا الحظر منذ ذلك الحين أيضا. وقد اتفق المشاركون في مؤتمر ليبيا على إنهاء هذه الحالة.
ويعتبر عدم تحقيق نجاح في هذا الجانب أكبر مثبط للأمل في تحقيق السلام، ذلك الأمل الذي تمخضت عنه قمة برلين، حيث لا تزال صور الأقمار الصناعية تظهر وصول طائرات تحمل معدات عسكرية ومقاتلين إلى الجانبين المتصارعين في ليبيا المنقسم.
ويمر طريق تحقيق حظر الأسلحة عبر مجلس الأمن الدولي في نيويورك، الذي يستطيع، على سبيل المثال، إصدار قرار بفرض عقوبات ضد الأطراف التي تنتهك الحظر. ولكن المباحثات في هذا الشأن لم تؤد إلى نتيجة حتى الآن، وذلك رغم أن الدول الخمس صاحبة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن كانت ممثلة في مؤتمر برلين.
كما شاركت هذه الدول، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، في صياغة البيان الختامي للمؤتمر.
لذلك فإن ماس كان يأمل في أن يكون التوصل لاتفاق داخل مجلس الأمن المنقسم، أبسط مما كان عليه الحال بشأن صراعات أخرى، «وهو ما كان من شأنه أن يمثل إشارة جيدة أيضا من مجلس الأمن، بأنه من الممكن التوصل إلى موقف مشترك بشأن صراع كبير». ولكن الأمل في ذلك تبدد أيضا.
على أية حال، يبقى مما تحقق من خلال مؤتمر برلين نجاح المؤتمر في أن يجمع الدول المشاركة في الصراع للتحاور فيما بينها.
أما تعثر تطبيق مخرجات المؤتمر، فلن يحبط المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، أو وزير خارجيتها، هايكو ماس، بهذه السرعة، حيث إن ميركل كانت احتاطت بالفعل، خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب قمة برلين، لأي انتكاسات، وقالت: «لا تساورني أوهام بشأن حقيقة أن هناك مسافة صعبة تفصلنا عن تحقيق أهدافه».