فتاوى لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة   

الحيـوانات تسبّـح بحمـد الله وتنـزعـج مـن مظاهـر الشـرك بالله –

انزعج الهدهد من عبادة الشــمس عند بعض الأقوام الذين نَزَل عندهم، فهل الطيور تعلم عبادتنا ويزعجها ما عليه البشر من انحراف؟
نحن علينا أن نعتقد ظاهر ما دل عليه القــرآن، ولا نتجاوز هذا الظاهر إلى ما وراءه، فالله تعالى أخبر عن كل شيء أنه يسبح بحمده يقول سبحانه: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)، ويقول جل شأنه: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، ويقول تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، ويقول عز وجل: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، ويقول سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ)، فهذه كلها تسبِّح بحمد الله وتسجد له، ولكن ما هو هذا التسبيح؟ وما هو هذا السجود؟ ذلك غيب لا يمكن أن نكيّفه لأنه لم يأتنا دليل يدل عليه.
أما ما قاله بعض المفسرين من أن المراد بذلك دلالة هذه الكائنات على وجود الله -سبحانه- وعلى قدسيته ونزاهته عن كل النقائص التي يتصف بها مخلوقاته فهو غير مسلَّم لأن هذا معروف لكل أحد والله تعالى يقول: (لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، فهذا التسبيح غير مفقوه عندنا، وإذا كانت هذه الحيوانات تسبح بحمد الله تعالى فلا ريب أنها تنزعج من كل مظاهر الشرك بالله؛ لأن ذلك مما يتنافى مع ما فطرت عليه من تسبيح الله وحمده، وفي بعض المناطق يوجد طائر يسمونه المصلي لأنه في أوقات الصلوات الخمس يأخذ يغرد، وفي تغريده هذا ينحني كانحناء الساجد، وحدّثني أحد من الناس بأنه رأى هذا الطائر في النوم يفعل ذلك ويقول: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، فهذا مما يدل على أن هذه الكائنات تجري وفق الفطرة التي فطرها الله تعالى عليها، وهي الصلة به عز وجل ولو كانت هذه الكائنات جمادات، فإن علينا أن نوقن بأنها تسبح بحمد الله، وأنها تسجد لجلاله وفق الكيفية التي أرادها الله تعالى ولو كنا لا نعلم تلك الكيفية، والله أعلم.

يقول السائل: قال االله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَان)، هل هذا التحدي يكون يوم القيامة حيث لا مجال للناس للفرار أم مقصود به فتح المجال للمسلمين إلى عالم الفضاء؟

معنى الآية الكريمة أنه لا قــدرة للإنس والجن على أن ينفذوا من أقطار الســماوات والأرض، وهذا الذي يذهــب إلى الفضاء لا يخــرج من أقطار الســماوات وإذا كانت المجرات البعيدة عن الأرض تقاس بملايين الســنين الضوئية فكيف يمكنهم الخروج من حدود الســماوات المحيطة بها، فالآية إنما هي تحد للإنــس والجن بأنهم لا يمكنهــم أن يخرجوا من ملكوت االله ويدل على ذلك قوله: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَان)، والله أعلم.

كيف نربي أولادنا على حب االله ورسوله؟
تربيــة الأولاد علــى حــب االله -تعالى- من حيــث تذكيرهــم بنعمه، وتذكيرهم بجلاله، فإن الإنســان يعظّم غيره ويحبه ويقدره لأحد أمرين، إما لكونه متفوقا عليه، وإما لأنه أسبغ عليه يدًا بيضاء. وعلى كلا الاعتبارين فإن الله تعالى يجب أن تفوق محبته محبة كل شيء، فهو تعالى يتجلى جلاله في كل ذرة من ذرات هذه الكون، وهذا مما ينبغي أن يُعرَّف الأطفال إياه، فكل ذرة من ذرات هذه الكون يتجلى فيها جلال الله، فالشمس تطلع وتغرب وما هي في طلوعها وغروبها إلا مسخّرة بأمر الله عز وجل من أجل ما فيه مصلحة العباد ومن أجل إذكاء الحياة في هذه الكون الذي تشرق عليه، وكذلــك نزول الأمطار ونبــات النباتات وخروج الثمار على اختلافها وما هيأه الله ســبحانه من أســباب الرزق، وتسخير هذا الكون بأسره كل من ذلك يتجلى فيه جلال الله.
وكل من ذلك -أيضا- نعمة من الله تعالى أنعمها على هذا الإنسان، فما أحراه أن يكون عبدًا محبًا الله تعالى، ومعنى حبه إياه أن يفنى هواه في طاعة االله، بحيث يؤثِر طاعة االله على هوى نفسه، ويقدم أمر االله تعالى على أمر كل من عداه. وكذلك حب الرسول -صلى الله عليه وسلم- يرجع إلى ذينك السببين نفسيهما، فمن حيث تفوقه -صلى الله عليه وسلم- هو أعظم البشر، كيف وقد أثنى عليه في كتابه بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين)، وهي شهادة الخلاّق العليم بأنه -صلى الله عليه وسلم- أعظم من كل مخلوق، وكيف وهو عليه الصلاة والسلام رحمة أهداها الله تعالى للعالمين، والعالَمون جمع «عالَم»، والعالَم كل ما كان علامة ودليلا على وجود الخالق سبحانه، فيشمل ذلك جميع أجزاء الكون، ومعنى ذلك أن كل ذرة من ذرات الكون مشمولة بهذه الرحمة ومغمورة بهذه النعمة، وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا القَدَر فإنه أولى أن تكون محبته تفوق محبة الناس أجمعين، ثم من ناحية أخرى هو الذي اهتدت على يديه الجماهير، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- حريصًا على هداية الناس أجمعين، كما وصفه الله تعالى، عندما قال: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم) فهو حريص على هدايتنا وحريص على إنقاذنا من الضلالة وعلى أن يأخذ بحجزنا عن النار –والعياذ بالله- كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، فمع هذا كله لا ينبغي أن يكون أحد من خلق الله أعظم محبة في نفس أي أحد من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبهذا تنغرس محبة الله ومحبة رسوله -صلى الله عليه وسلم- في نفوس الأطفال، والله أعلم.