الوقت.. بين الانتفاع والضياع

أوقاتنا بين حسن وسوء إدارتها –

زهرة سليمان أوشن –
«الاستعانة بالله والعزم على صناعة تغير إيجابي في حياتنا والتبرؤ من العجز والكسل والتسويف مع التوكل على الله والبدء الفوري في الإنجاز ولنترك كلمة سأعمل عندما أجد الوقت المناسب بل ابدأ وسيتحقق الوقت المناسب.. من أهم المعالجات التي تعين على استثمار الأوقات، والحقيقة أننا مسؤولون عن أوقاتنا وأننا نستطيع أن نديرها بإتقان أو نسيء إدارتها والقرار بأيدينا».

الوقت أثمن ما يملك وربما أرخص ما يفرط فيه، يتسرب بسرعة يمضي بعجلة في نسق محدد لا يتجاوزه إكرامًا لأحد.
الوقت هو الوعاء المحدد لنا للحياة في هذه الأرض، وهو وعاء وزعه الله بعدل وحكمة على عباده وما ظلمه فيه – حاشاه – بل أنفسهم يظلمون. ومن خلال هذا الوعاء تمر الفرص وتأتي الغنائم ولكن هناك من يستثمرها طاعة وبناء، عطاء وإحسانا، نجاحا وارتقاء.
وهناك من يزهد فيها ويعرض عنها حتى تذهب هباءً منثورًا وتتلاشى لحظاتها الثمينة فتضيع الأيام وتتعاقب السنون وصاحبنا في لهو وعبث، وغي وسهو حتى تتخطفه المنون وتطوي صفحته فلا يجد في صحيفته عملا ينفعه ولا فعلا يثقل موازينه، وعندها سيقول رب ارجعون ولكن هيهات. قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)، والوقت يا أحباب أمره عظيم، فأعمارنا ما هي إلا هذه الساعات والثواني التي نغفل عنها وفيها ولا نقيم لها وزنا، وصدق أحمد شوقي حين قال:
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوانٍ
ولأهمية الوقت وعظيم منزلته أقسم الله في كتابه بالعديد من الأزمان فقد أقسم بالعصر وبالضحى وبالليل والنهار وأقسم أيضا في عديد الآيات القرآنية بالشمس والقمر وتحدث عن حركتهما الفلكية التي تصنع تعاقب الفصول وتوالي السنون. وفي ذلك عبر لا تخفى على ذوي البصائر، لعل أهمها الإشارة إلى عظمة خلق الله تعالى والدعوة للتأمل في الكون، وفيها أيضا تذكير بأهمية الزمن والحث على المحافظة على الأوقات.
والدعوة إلى الحرص على الوقت تبدو جلية في العديد من الآيات القرآنية منها قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا)، وقال تعالى: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ)، والحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو الأسوة والقدوة وسيرته نموذج يقتدى به في حسن إدارة الوقت، يحثنا في عديد من الأحاديث على الانتباه للوقت وعدم التفريط فيه، يقول صلى الله عليه وسلم مذكرا بنعمة الوقت، وخطورة الفراغ: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ)، ويأمرنا باغتنام الأوقات والفرص التي تأتي في حياتنا، فيقول لنا بأبي هو وأمي: (اغتنم خمسا قبل خمس، حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك)، ويذكرنا بأن هناك حسابًا على أعمارنا التي ما هي إلا الأوقات التي أنعم الله بها علينا فيقول -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه).
وصدق الشاعر حين قال:
الوقت أغلى من الياقوت والذهب
ونحن نخسره في اللهو واللعب
وسوف نسأل عنه عند خالقنا
يوم الحساب بذاك الموقف النشب
نلهو ونلعب والأيام مدبرة
تجري سراعا تجد السير في الهرب

وحول الوقت يجب أن نذكر بعض الأمور…
إن الوقت محدود فأعمارنا معدودة وأنفاسنا محسوبة، وإن أحدا مهما أوتي من قوة لا يستطيع أن يسترجع ثانية ذهبت والوقت يسير في نسق واحد متساوٍ على كل البشر في الكرة الأرضية فالسنة أيام معدودة وللأيام ساعات محددة ولكل ساعة ستون دقيقية ولكل دقيقية ستون ثانية.
والقرار يبقى للإنسان إن شاء استفاد من تلك الساعات وهاتيك الأيام وإن شاء فرط فيها وهو في النهاية سيحاسب على ما أعطاه الله من وقت وما مد له من عمر.
يقول الفقيه يحيى بن هبيرة:
والوقت أنفس ما عنيت بحفظه
وأراه أسهل ما عليك يضيع
ولعلي أذكر أهم الأسباب التي تؤدي لإضاعة الأوقات: عدم استشعار قيمة وجودنا في الحياة والفهم العميق لمعنى العبودية لله واستخلافنا في الأرض. وقلة محاسبة النفس واستحضار لحظة الموت وما بعده من سؤال عن الأوقات. والركون إلى الدعة والكسل والمماطلة في الإنجاز مما يؤدي إلى تراكم الأعمال على الإنسان ومن ثم يستشعر الإنسان ثقلها ويدخل في دوائر الإهمال وعدم المبالاة، ولذا يدعو المسلم كل يوم ربه مستعيذا به من العجز والكسل حتى لا يقع في هذا الداء اللعين الذي يفضي إلى هدر الأوقات وتعطيل الأعمال. وصدق الإمام الرازي حين قال:
إذا كان يؤذيك حر المصيف
ويبس الخريف وبرد الشتا
ويلهيك حسن زمان الربيع
فأخذك للعلم متى هو ذا؟
وأيضا عدم استشعار قيمة الوقت وأهمية المحافظة عليه وعدم تقدير الأزمان ذات الأثر الأعظم في استثمارها مثل أوقات الشباب والصحة، والخلل في تقدير الأحوال فنحن نتعرض لتقلبات في الحياة والفراغ قد ينقلب إلى شغل والفرص قد تتسرب ونحن لا ننتبه لها لأننا لم نحسن التعامل معها.
وكذلك قلة التخطيط وتنظيم الواجبات وترتيب الأولويات في الحياة يؤدي إلى العشوائية في إدارة الوقت ومن تم يحدث الخلل في المحافظة عليه واستثماره. وأيضًا: التسويف وما أكثر من يسوّف ولا تسمع منه إلا سوف أعمل وسوف أقوم بهذا الأمر ويستمر في تأجيله وتسويفه حتى تنقضي الساعات والأيام وتضيع الفرص والأعوام، وقد صدق أحد العلماء عندما حذر تلاميذه قائلا: حذرتكم سوف فإنها جندي من جنود إبليس.
وأيضًا طول الأمل، فعندما يستسلم الإنسان للأماني الخادعة، ويمد خيط أمل الوهم، وكأنه سيخلد في الأرض، ويغفل عن لحظة الموت، ولا يحسب حسابًا للنهاية يظل يتكاسل ويماطل، ويسوّف دون عمل أو حرص على وقته.
كما أن كثرة الورود إلى مجالس اللهو والعبث واللغو ومصاحبة المضيعين للأوقات يجعل الإنسان يجاريهم ويسير سيرتهم ويستنزف جهده ووقته فيما لا يعود عليه بخير في الدنيا والآخرة، ولهذا ذكر الله من صفات المؤمنين المفلحين أنهم بعيدون عن مجالس اللغو وهدر الأوقات، قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)، كما أن الاستخدام السيئ لوسائل التواصل الاجتماعي والجلوس المطوّل أمام شاشات التلفاز يؤدي إلى هدر ساعات كثيرة وثمينة على حساب واجبات وأشغال مهمة في حياة الإنسان.
ولعلي بعد أن ذكرت أهم مضيعات الوقت ولأنه بضدها تتميز الأشياء كما يقال، سأحاول أن أذكر بعض المعالجات التي تعين على استثمار الأوقات.
أولها: الاستعانة بالله والعزم على صناعة تغير إيجابي في حياتنا والتبرؤ من العجز والكسل والتسويف مع التوكل على الله والبدء الفوري في الإنجاز ولنترك كلمة سأعمل عندما أجد الوقت المناسب بل ابدأ وسيتحقق الوقت المناسب، ولنتذكر قول رسول الله لنا: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز). وثانيًا: تذكر الموت والحساب يجعل الإنسان يسارع في الخيرات ولا يضيع الأوقات، ثالثا: ضبط الأوقات والمواعيد على الصلاة وترتيب أعمالنا على مواعيدها يجعلنا نلتزم بإنجازها في وقتها وييسر لنا تنظيم أوقاتنا. رابعا: التحرك وفقا لخطة مدروسة محددة المعالم وأجندة واضحة لها مواعيد ابتداء وانتهاء مع الحرص على ترتيب الأولويات يجعل المرء يستفيد من وقاته.
خامسا: صحبة المنظمين وأصحاب العلم والعمل والعطاء ومشاركتهم في أعمالهم الخيرية والتطوعية يفسح للإنسان فرصة عظيمة لاستثمار الأوقات والاقتداء بأهل الفلاح. سادسا: قراءة قصص الناجحين والتعرف على طرق استثمارهم للوقت والاقتداء بهم. سابعا: الدخول في التنافس التطوعي والخيري أو الانضمام إلى برامج تدريبية ودورات علمية لرفع الكفاءة يجعل الإنسان يستفيد من وقته ويتعلم مهارات في إدارة الوقت تعينه على الاستفادة منه.
ثامنا: التنظيم، ترتيب الأولويات، التفويض، العمل المشترك، توزيع المهام كلها أمور تعين على الاستفادة من الأوقات، وتاسعا: وفي الإسلام عندنا مفهوم البركة، حيث إن هناك أزمنة يضاعف الله فيها الحسنات، فعلى المسلم أن يحرص على اغتنام هذه الأوقات المباركة التي تتضاعف فيها الأجور مثل شهر رمضان. وعاشرا: الحرص الدائم على الوقت واعتباره نعمة تستحق الشكر، فبإمكان الإنسان أن يشغل وقته بالذكر أو بالاستماع لما هو مفيد وهو في سيره إلى عمله في زحمة الطريق وبإمكانه أن يخصص ساعات للعمل والتدريب في الأسبوع وسيجد أنه أنجز وتعلم وارتقى، وبمقدوره أن يخصص ساعة يوميا ليتعلم القرآن في حلقة للتحفيظ أو يتعلم عبر النت دروسا لتحسين أدائه في لغة أو تخصص مفيد.
والحقيقة أننا مسؤولون عن أوقاتنا وأننا نستطيع أن نديرها بإتقان أو نسيئ إدارتها والقرار بأيدينا.

 

لحظاته تتسرب من غير رجعة –

د. صالح بن سعيد الحوسني –
«من خصائص الوقت سرعة انقضائه وتصرم أيامه ولياليه من غير توقف أو انتظار، فحركة الكون مستمرة يطوي مرورها الشهور والأعوام حتى تتضاءل تلك العقود الكثيرة التي قضاها الإنسان في عمره الطويل وكأنها لحظات، فالوقت لا ينتظر خاملًا أو متقاعسًا لا يبصر قيمة عمره أو يدرك حقيقة لحظاته التي تتسرب من غير رجعة، ولا يمكن استدراك فائته فكل لحظة أو ساعة أو يوم يمر هو نقص من العمر لا يمكن أن يعود بحال من الأحوال»

خلق الله الإنسان على ظهر هذه الحياة ليقوم بالمهام التي كُلف إياها ومنحه من الوسائل والقدرات والمواهب ما يمكنه من تحقيق تلك الأعمال التي خلق من أجلها، ومن أهم ما يستعين به الإنسان في مسيرته هذه نعمة الوقت، الذي هو وعاء لكل عمل صالح نافع يعمله الإنسان، وبقدر استغلاله وحرصه على وقته كانت منزلته العظيمة في الدنيا ومن الفائزين السعداء في الآخرة، وإن أهمل الانتفاع بوقته وأضاعه في الأمور التافهة كانت خسارته كبيرة وحسرته دائمة، فالوقت هو الحياة، ومن أضاع وقته فقد خسر حياته وأضاعها.
ونجد الاهتمام بالغًا كبيرًا بالوقت كما في الآيات القرآنية التي تعظّم شأن الوقت وتضعه في أول سلم الضروريات التي لا تفريط فيها ولا تهاون، ومن ذلك ما ذكره تعالى من حركة هذا الكون الذي يطوي الأعمار بسرعة متلاحقة لا تتوقف كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا)، فالليل يتبعه النهار ويخلفه ويلاحقه بسرعة دائبة لا تتوقف؛ حتى يتدارك الإنسان تقصيره في أحدهما ليعوضه في الآخر، خاصة أن أجل الإنسان محصور بعدد معين من تلك الليالي والأيام، ونجد ما يدلنا صراحة على أهمية الوقت ودوره في الحياة من حصول القسم بأجزاء من الوقت في القرآن الكريم كالفجر والضحى والعصر والليل، وهو يدل بوضوح على أن هذه الأجزاء المتعاقبة من الوقت لها دلالتها ومكانتها العظيمة فهي تشكل مكونات الليل والنهار فلا يكاد تنقضي مرحلة منها إلى غيرها إلا بتوجه نافع للانتفاع بالوقت واستغلاله حسبما يتمكن الإنسان.
ونجد في هدي النبي الخاتم صلوات الله وسلامه عليه تأكيدا على أهمية الوقت ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه»، فنرى من حديث النبي الكريم هذا سؤالا عن عمر الإنسان عامة وعن شبابه خاصة لأن فترة الشباب هي الفترة التي يصل إليها الإنسان إلى أوج قوته، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ»، بل إننا نجد أن شعائر الإسلام المختلفة توجه الأنفس الراقية إلى الاهتمام بقيمة الوقت والاعتبار بحركة الكون من نحو الصلوات الخمس التي تضبط حياة المسلم من وقت استيقاظه إلى وقت نومه وفي نهاية الأسبوع تأتي صلاة الجمعة لتذكر الإنسان بمرور أسبوع من عمره، وفي كل عام يأتي رمضان ليكون فرصة لتجديد التوبة ومراجعة النفس، وهكذا في جميع المناسبات الإسلامية المختلفة.
ومن خصائص الوقت سرعة انقضائه وتصرم أيامه ولياليه من غير توقف أو انتظار كما قال تعالى: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون)، فحركة الكون مستمرة يطوي مرورها الشهور والأعوام حتى تتضاءل تلك العقود الكثيرة التي قضاها الإنسان في عمره الطويل وكأنها لحظات كما قال تعالى: (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها)، فالوقت لا ينتظر خاملًا أو متقاعسًا لا يبصر قيمة عمره أو يدرك حقيقة لحظاته التي تتسرب من غير رجعة.
والوقت أيضا لا يمكن استدراك فائته فكل لحظة أو ساعة أو يوم يمر هو نقص من العمر لا يمكن أن يعود بحال من الأحوال؛ وما أجمل ما قاله الحسن البصري في بيان ذلك بكلمات أقرب إلى منطق الأنبياء حين قال: ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن ادم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة، فما يكاد الإنسان يشب ويترعرع حتى يصل إلى سن الشيخوخة والهرم ولا يمكن بحال من الأحوال أن يستعيد ما فات من العمر كما قال المتنبي: وما ماضي الشباب بمسترد ولا يوم يمر بمستعاد، والوقت كذلك لا يمكن أن يخزن أو يدخر للحاجة فهو ثروة مؤقتة إما أن تصرف في معالي الأمور فيكون نتاجها خيرًا وإحسانًا وفضلًا وإما أن يكون الأمر بخلاف ذلك فتضيع وتتبخر من غير رجعة بل بمزيد من الحسرات والندم إن لم يتدارك نفسه بالمراجعة والمحاسبة والتوبة.
وإن كان الوقت بهذه الأهمية العظيمة كان واجبًا على الإنسان أن يسعى فيه إلى الخيرات والصالحات وهذا يستلزم منه حرصا ومحافظة لوقته تعود عليه بالخير والمنفعة في الدنيا والآخرة؛ وذلك بتنظيمه وتوزيعه على ما يحتاج إليه من أعمال مختلفة وذلك وفق الآتي:
– تقديم ما حقه التقديم كالضروريات والتي لها وقت محدد تفوت بتركه وأما ما عداها من الأمور الضرورية ولكنها موسعة الوقت فيمكن أن يؤجلها قليلا ريثما يفرغ من الضروري المستعجل، وأما الأمور الأخرى والتي لا تفيد ولا تنفع فإن الاشتغال بها ضرب من إهدار الوقت وضياعه.
– الحرص على إكمال الأعمال وإيفائها حقها من العمل المطلوب فليس من الحكمة أن يبدأ الإنسان في عمل ضروري يحتاج إليه وبعد فترة وجيزة يتركه إلى غيره من غير إكمال واستيفاء، فبهذا تتراكم الأعمال ويحتاج الرجوع إليها مرة أخرى مزيدًا من الجهد والوقت.
– الحرص على برنامج مكتوب يحصر الإنسان فيه أعماله بصورة موجزة سريعة تخبره بما يستلزم فعله في صباحه ومسائه مع تقدير الوقت المناسب لكل عمل وجعل الأعمال متناسقة بحيث تجمع الأشغال المتشابهة لتكون في نطاق واحد، مع الحرص على أن يكون البرنامج مرنًا يمكن فيه الحذف والإضافة فيه حسبما يقتضيه الواقع.
– ينبغي أن يكون في حساب الوقت لدى المسلم وقتًا كافيًا للتطوير والقراءة والدراسة والأعمال التي تقربه إلى الله تعالى مع عدم إغفال الاستجمام المعتدل خوفا من السآمة والملل والنفور.
– الانتباه لمضيعات الأوقات والحذر من لصوص الوقت الذين لا يكتفون بإهدار أعمالهم فقط حتى يتسلطوا على أوقات الآخرين بشتى الأساليب والحيل، وليكن الإنسان حازما في ذلك غير متهاون وأن يكون تعامله مع هذا الصنف من الناس من منطلق قوله تعالى: (ارجعوا هو أزكى لكم)، فلا يكون وقته مطية لكل عابث بل يعرف للحال مقاله وجوابه، كما يذكر عن بعض الصالحين أن رجلا قال له: أريدك في شغيل، فقال له: اطلب لها رجيلا .
– استغلال أوقات الانتظار في أعمال صالحة نافعة؛ فكثيرا ما يستدعي واقع الحال الانتظار عند مراجعة طبيب أو الدخول على مسئول أو فترات الازدحام المروري ونحوها.. وعليه فإنه من المناسب أن تصرف تلك الأوقات في النافع المفيد كالقراءة أو الاطلاع أو التسبيح أو التحميد ففي ذلك خير كثير.
– الحذر من وسائل التواصل الحديثة التي سحرت الناس وجعلت أعينهم مسمرة حول شاشتها ووسائل تواصلها المختلفة فما يكاد الإنسان يفتح عينيه إلا على وميضها متنقلا من صفحة لأخرى تمضي عندها الدقائق بل الساعات الكثيرة من دون كبير فائدة، وهنا فلا بد من الحزم والاعتدال في التعامل مع هذه الوسائل بتجنب إهدار الوقت معها وإن أمكن الاستغناء عن أكثرها فذلك هو عين العقل وسبيل الحكمة والخير.
– التفاؤل وتراقب الخير هو شعار المسلم فلأن كانت الفترات الماضية من العمر قد ذهبت وتصرمت من غير كبير أثر أو مزيد انتفاع فالقادم أفضل بعون الله مع الاستعانة بالصبر والصلاة والدعاء لله تعالى أن يهب الواحد منا القوة والحزم والمبادرة الجادة في الانتفاع بالنافع المفيد من عمره المتبقي.
– الحذر من التسويف وتأجيل الأعمال بل لا بد من أن يكون لكل يوم عمله ووقته المنضبط لأن التسويف له آفات منها أن الإنسان لا يضمن أن يمتد به العمر ليعوض ما فاته من وقت، ولو افترضنا أن الله أمد له في عمره فإنه لا يأمن الطوارئ والمنغصات المختلفة، ويضاف لذلك أن لكل يوم عمله ولكل وقت واجباته المختلفة فمن صعُب عليه عمل يوم واحد فكيف بمن يجتمع عليه عمل يومين أو أكثر، والنفس قد تستمرئ وتستسيغ إهدار الوقت وضياعه فيكون تلك سجية وعادة فيها يصعب عليه التخلص منها.. ولذا فإن من مقاومة هذه الآفة معرفة أن العمل مهمة الإنسان في الحياة فلا مجال للكسل أو التسويف.
– الاعتبار بحركة الزمن ومرور الأيام فقد نبهنا المولى سبحانه وتعالى إلى ذلك حين قال: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب…)، فعلى الإنسان أن يعتبر بما وقع للسابقين من أحوال ومواقف تستلزم من العاقل أن يأخذ عبرة وعظة وفائدة وأن ينأى بنفسه عن الغفلة التي حذر الله منها حين قال: (.. ولا تكن من الغافلين).
وبهذه الوسائل وغيرها يستطيع الإنسان أن يصرف جُل وقته في طاعة الله وما يقربه إليه من عمل صالح نافع فيه العبادة الصالحة ورقي النفس ومنفعة الناس ليكون من الفائزين في الدنيا والآخرة.