رسائل قابوسية تخترق الزمان والمكان

د. مجدي العفيفي –

( قدمت عمان دعما غير محدود لجميع قضايا الأمة العربية فيما يتعلق بالتحديات والقضايا المصيرية التي تواجهها، وأكسب ذلك السلطنة ثقة القادة والشعوب مما مكنها من الإسهام بفاعلية في التوصل إلى حلول للكثير من الأزمات، تلك المبادئ والأسس تمثل خارطة طريق دبلوماسية متكاملة للسياسة الخارجية للسلطنة في إطار رؤية استراتيجية واضحة المعالم ).

(١)

يعد خطاب السلطان قابوس – على مدار الخمسين عاما الماضية – في خاصيته وخصوصيته، المعادل الموضوعي للخطاب العماني في كليته وعموميته، بتراتبية طبقاته، وتعددية مستوياته، وكثافة سَعته، وطاقة مضامينه التي يجاوز تأثيرها حدود الزمان والمكان، نظرًا لما يحمله من خاصية امتداد التأثير فهو يشكل منظومة من المتواليات، كل متوالية تحمل رسالة تسير في اتجاه متعين، وصولا إلى تحقق الأهداف المنشودة، ويمثل كل خطاب نسقًا من شبكة المفاهيم المترابطة التي يعتمد عليها في إيصال رسالته، تأسيسًا على  أن مهمة أي خطاب تكمن في قدرته على الإخبار والإقناع والتأثير.
ومن ثم يعتبر الخطاب السلطاني – في منظور كاتب هذه السطور – «ديوان عمان الحديثة» في أبعاده النوعية المتباينة، سواء أكان سياسيًا أم اجتماعيًا أم ثقافيًا أم إعلاميًا أم دينيًا، وفي تشكيلاته الكيفية سواء أكان خطابًا وطنيًا، أم حديثًا لوسائل الإعلام العربية والأجنبية، أم حوارًا في جولة من الجولات السنوية، أم كلمة في مناسبة إقليمية أو دولية، وهو في كل ذلك إنما يمثل أهمية بالغة في توجيه المعنى السياسي العماني، بثوابته ومتغيراته، بوظائفه وطرائقه، بتاريخيته وتقاطعاته، ببلاغته السياسية وسعة مداه، باستراتيجيته الإقناعية والتأثيرية، وبوحدته الفكرية ونزعته الموضوعية.

(٢)

هناك 30 خطبة للسلطان قابوس تتوج احتفالية السلطنة بعيدها الوطني في نوفمبر من كل عام.. و68 حديثًا صحفيًا أدلى بها لوسائل الإعلام المحلية والإقليمية والعالمية.. و46 خطابًا في مناسبات شتى، داخلية وخارجية.. و 40 جولة سنوية داخل عمان تحدث فيها حديثًا مباشرة إلى المواطنين.. وهذه الوحدات من الخطاب تحمل رؤية السلطان قابوس الكلية للمجتمع والإنسان والعالم، بما ترتكز عليه من ثوابت، وبما تتحسبه من متغيرات،إذ يشف الخطاب السلطاني عن الرؤية والرؤيا التي ترى الصورة الأعم، خلف الحقائق الفردية المنفصلة للحياة، وترصد بالمنظور الأكثر شمولية حركة الواقع وجدلياته، وتسبر كنه تعدديته وثنائياته، وبالتإلى تبتعد المثالية عن شفافية الرؤية، وتنتفي عنها الخيالية ، فلا هي ضرب من ضروب التخيل، ولا هي نوع من أنواع الغيب، لكنها رؤية تحدق في ما وراء الأشياء، وتستعين مع حقائق المعلومات باستقراء الحدس واستشفاف العلاقات الخفية، لتقنين حركة مجتمع  كل شيء فيه يخضع للسببية.
(٣)
في هذه الأجواء.. هناك رسائل عديدة ثاوية في الأعماق البعيدة لمنظومة السلطان قابوس ، رحمه الله، بكل تجلياتها وأبعادها وتداعياتها، وتنويعاتها… ولقد توقفت أمام بعض هذه الرسائل التي يمكن استقطارها في هذه المساحة وتكثيفها هذه المرة في مرآة سياسية تعكس منظوره السياسي الى قضايا لا تزال ناشبة أظافرها في المشهد العربي الراهن.. وتشي أيضا بأن هذا الرجل الذي أعاد عمان الى قلب العصر ( ورب همة أيقظت أمة) كان يحدق فيما وراء الأشياء والحوادث والأحداث، إذ إنه لم يكـون لنفسه تصورًا فكريًا مجردًا مسبقًا عن العالم، ومن ثم فإن الذات تلتحم بالمجتمع في سعيه الدائم نحو الأفضل؛ لأنها رؤية صادرة عن تأمل الواقع الحي المعاش، متمثلة إياه تمثلا كافيًا، وليست ملثّمة بحلول جاهزة لمشاكل واقع آخر، كان فكره فكرا على واقع وليس فكرا على فكر، ومن هذه الرسائل ، مجموعة من الرؤى والآراء لا تزال حية، ترسل إشعاعها لعل أحدا من صناع القرار، لاسيما الجدد في المنطقة يستضيء بها بشكل أو بآخر.. على النحو الذي يراه.

(٤)
الوضوح .. الصراحة.. الصدق .. ثلاثية سياسية ينضوي تحتها المسار الخارجي في التعامل العماني مع العالم، منذ بداية التحرك الدبلوماسي بعد سنوات التأسيس ، ففي حديث للسلطان قابوس بتاريخ  ١/‏ ١٢ /‏ ١٩٨٥ :(سياستنا الخارجية واضحة وضوح الشمس، فنحن نريد ان نصادق كل شعوب العالم ويكون لنا علاقات معها، اريد ان انظر الى خارطة العالم ولا أجد بلدا لا تربطه صداقة بعمان.) و(ان طريقتنا طريقة الصراحة، ونحن هنا في جميع معاملاتنا نتوخي الا نلف وندور وان نكون صريحين ، ولو ان هذه الصراحة أحيانا تجلب لنا المتاعب). وموضوعية الخطاب السلطاني هي آية واقعيته، من حيث مقدرته على رسم الخطوط العريضة لسياسة البلاد الداخلية والخارجية الجديدة، واغتناؤه بالتماسك الداخلي للشعب والدولة والوطن وما يحيط بجميع هذه العناصر من ظروف ومتغيرات ومتطلبات خارجية وداخلية، عبر مجموعة من الصيغ المتمثلة في تناول قضايا ومشاكل المجتمع ومحاولة حلها، ولو بالتدرج والمرحلية، وإقرار مبدأ المشاركة الفاعلة والحقيقية في تقرير المصير، والتأكيد على النوع لا الكم، وتغليب الصراحة والوضوح والمصداقية، والاستناد إلى الحجج والبراهين والأدلة والإقناع، والسعى إلى الإصلاح الكامل والشامل في مختلف المجالات، والانفتاح على الآخر والحوار معه وقبوله، على أنه من المهم الإشارة الاستباقية إلى أن المحرك الرئيسي والمحدد الأساسي للسياسة الخارجية يتجلى في المصلحة الوطنية العمانية  فأنَّى كانت هذه المصلحة كان الموقف، ويدرك الخطاب أنه من السهل الحديث عن الأهداف السياسة على الصعيدين الإقليمي والخارجي، فهي واضحة، لكن الأصعب هو ترجمتها على أرض الواقع، وتحققها يستوجب أكثر من حسن النية، ويستوجب القيام بجهود مكثفة ومخلصة؛ لتحقيق نوعية أفضل من الحياة في العالم بنكران الذات من أجل تسوية الخلافات. تلك هي المساهمة التي أعتقد أنه يجب أن نقوم بها جميعًا حتى نستحق تحمل مسؤولياتنا.

(٥)
مطابقة التصورات للتصديقات واحدة من القيم التأسيسية والأساسية في منظومة القيم التي تنتظم الرؤية السياسية للخطاب العماني، لا توجد هوة شاسعة بين التنظيرات والتطبيقات، فالذي يفكر ويخطط هو ذاته الذي ينفذ ويطبق، وانظر الى سياسة عمان الخارجية  التي تطورت منذ العام 1970 وصولا إلى يوبيلها الذهبي الان من خلال أربع مراحل مهمة: مرحلة التوحيد، مرحلة التحول، مرحلة النضج، مرحلة التقدم. شأنها شأن مثيلاتها من دول العالم، ستجد أن هذه السياسة الخارجية المتطورة كانت تحددها التفاعلات بين العوامل الداخلية والخارجية، ويستحيل على أي دولة ان تتقدم خارجيا ما لم تكن مستقرة داخليا، ثم تقرأ أطروحة واقعية مسكونة بالصراحة والمكاشفة: (أقول بصراحة اكثر إن المشكلة ليست في القادة أو كبار المسؤولين في الدول العربية، ولكنها تكمن في الحقيقة في الحالمين والمنتظرين والعقائديين الذين يرفعون تقاريرهم وتوصياتهم الى الملوك والرؤساء وكبار المسؤولين، انهم هم المشكلة الحقيقية وهم الذين يقفون وراء تفاقم الخلافات، كما ان بعضهم يضع الشكوك في افكار رؤسائهم حيث هم الذين يرفعون التقارير ويصنعون الخلفيات التي تمثل احيانا اراءهم وعقائدهم الشخصية) ٢ /‏٤ /‏ ١٩٨٨ وكم من الأزمات في المنطقة العربية الآن مصدرها هذا المرض السياسي المزمن والذي لابد أن يختفي، وما لم يحدث ذلك سنظل في دائرة محكمة من التشنجات في اتخاذ القرارات خاصة المصيرية وفي علاقة دول المنطقة بالعالم الخارجي. هنا تجد تشخيصا كاشفا قدمه السلطان قابوس (هناك تناقضات في العالم العربي ككل، تناقضات سياسية ودستورية واقتصادية واجتماعية، وهناك صعوبة في توفيق هذه التناقضات، وهذه التناقضات يمكن التغلب عليها اذا صدق العرب مع انفسهم، واذا تركوا كل النظريات السياسية جانبا ونظروا نظرة واقعية لأمورهم ونبذوا الخلافات العقائدية التي تفرق صفوفهم وبحثوا عن نقاط الالتقاء التي تجمع بينهم). بل إنه رحمه الله كان يكشف الكثير من المسكوت عنه في المشهد السياسي العربي، ويدعو الى التفكير في اللامفكر فيه في عقد الثمانينات تحديدا والذي لا يزال يلقي بظلاله:(بإمكانك ان ترى الاتجاهات السياسية في العالم العربي وان ترصد تطوراتها على أساس اما انها مخلفات من الماضي، او انها انما ضد سياسة جديدة قد تكون لسبب ما، وأكثر الأسباب هذه هي لدوافع محلية او اقتصادية او عسكرية).

(٦)
من الرسائل الجوهرية ذات المدى البعيد في ما تحمله من تحذير وتنبيه وتبشير في آن واحد، تلك الرسالة التي تدور حول القوى الخارجية  التي تسول لها نفسها بالتدخل في شؤون الدول بصورة أو بأخرى، لاسيما ما يسمى وهما بدول العالم الثالث، إذ اعتبر السلطان قابوس (ان الشيء الوحيد المجدي والكافي لعدم تدخل القوى الأجنبية هو عدم اعطائهم الأعذار، بمعنى لا تخلق مشكلة أو تخلق حاجة أو حادثا من الأحداث التي تعطيهم العذر للتدخل) ١ /‏ ١١ /‏ ١٩٨٦ لقد ضغط بذلك على العصب الموجوع باستمرار، وهو يطرح هذه الرؤىة انطلاقا من منظوره إلى أن (سلطنة عمان تعرف بأنها خط الدفاع الأول للمنطقة، باعتبار موقعها الاستراتيجي، وانها المنفذ الرئيسي لها، فإذا سقطت فان باقي المنطقة ذات الثروات الهائلة تصبح مهددة بالغزو الأجنبي الهدام أو سيطرته وكلاهما ضرر بالغ لابد من منع حدوثه) ٨ /‏ ١١/‏ ١٩٧٦ ومن يشهد للسلطان قابوس انه كان أكثر الزعماء الخليجيين خاصة والعرب عمومًا، حرصًا على أمن منطقة الخليج، إذ كان يؤكد دائمًا أن (أمن الخليج مسؤولية الجميع، مع تحمل كل دولة لمسؤوليتها وأنه في عصر الصواريخ والتكنولوجيا الحديثة لم يعد يوجد في الواقع ما يسمى مناطق أمنية) ومن ثم فقد استبعد قيام مناطق أمنية في الخليج .

(٧)
هذه السمات التي نستخلصها من الرسائل ذات الديمومة القابوسية تعد ترجمة عملية للمقولة الشهيرة في علم السياسة أن نجاح السياسات الداخلية يمهد للنجاح في الخارج ومعرفة معالم ترتيب البيت من الداخل تحدد معالم السياسة الخارجية. وعلى ضوء مواقف عديدة فإن من الأهداف الاستراتيجية للسياسة الخارجية العمانية عدم الانضمام إلى أي محور أو تكتل، مع تعزيز التعاون بين جميع شعوب الكرة الأرضية وجميع الدول، ومن هذه المنطلقات فإنها تدعو دائمًا إلى تبني سياسات تقوم على المصداقية والصراحة والعقلانية والمنطقية وإحلال السلام وتفعيل سياسات حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. لذلك تمكنت من القيام بأدوار بالغة الأهمية.

(٨)
رحم الله السلطان قابوس.. وأكرمه من فيض عطائه..
وسلام على عمان.. بما فيها.. ومن فيها..
وسلام قولا من رب رحيم.