الفكر السامي للسلطان قابوس أعطى البيئة حقها خلال خمسة عقود من الاهتمام والرعاية

اعتزازا بالأرض الطيبة وحماية لطبيعتها الجميلة من العبث –
البيئة مسؤولية جماعية لا تحدها الحدود السياسية.. وحمايتها واجب وطني –

تقرير: نوال الصمصامية –
حرص جلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – طوال العقود الخمسة الماضية على الحفاظ على البيئة العمانية نظرا لما تتمتع به السلطنة من تضاريس وطبيعة جغرافية متنوعة ومقومات بيئية فريدة حباها الله سبحانه وتعالى، فأبدى جلالته ومنذ بزوغ فجر النهضة العمانية اهتماما كبيرا بالموارد الطبيعية وفي مختلف المجالات المتجددة وغير المتجددة، نالت به البيئة نصيبا وفيرا من الاهتمام والرعاية على مختلف الأصعدة المحلية والعالمية. وقال في خطابه في 18/‏‏11/‏‏1980: «يجب علينا أن نعتز، ونحافظ على هذه الأرض الطيبة من كل من يريد العبث بطبيعتها الجميلة التي وهبها الله لها. إن حماية المصنوع والطبيعة الموهوبة واجب وطني على كل فرد منا تحمل مسؤوليته نحوهما».

وقطعت السلطنة شوطا كبيرا منذ عام 1970 من أجل الاهتمام بالبيئة والقضايا المتعلقة بها، وفي عام 1979 تم إنشاء مجلس حماية البيئة ومكافحة التلوث، وبعد ذلك تم إنشاء وزارة البيئة وذلك في عام 1984، لتعمل على تنفيذ الخطط المرتبطة بالأمور البيئية والتنسيق مع مختلف الجهات الحكومية والمؤسسات للتعاون لما فيه الحفاظ على موارد السلطنة وحماية طبيعتها، كما صدرت العديد من الأنظمة واللوائح التي تكفل الحفاظ على البيئة، وبناء على التوجيهات السامية التي أصدرها جلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه- إلى مجلس الوزراء في أواخر عام 1984م بضرورة إعداد إستراتيجية وطنية لحماية البيئة العمانية، فقد تم حينها تكليف مجلس حماية البيئة ومكافحة التلوث بمهمة إعداد الإستراتيجية بصفته الجهة المختصة بهذا الموضوع.
وفي فبراير عام 1985م أصدر مجلس حماية البيئة ومكافحة التلوث قراراً لأمانته العامة بإعداد مسودة الاستراتيجية ثم انتقلت بعد ذلك مهمة إعداد الإستراتيجية إلى وزارة البيئة التي عقدت في يونيو عام 1986م (ندوة إعداد الاستراتيجية الوطنية لحماية البيئة العمانية) بالاشتراك مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة والاتحاد الدولي لصون الطبيعة حيث تم التوصية بأن تتولى وزارة البيئة آنذاك الإشراف المباشر على إعداد إستراتيجية وطنية شاملة ومتوازنة لحماية البيئة العمانية تشمل الجوانب الأيكولوجية وتقييم الموارد الطبيعية و تحديد العلاقة بين البيئة والتنمية. وبعد دمج وزارة البيئة ومجلس حماية البيئة ومكافحة التلوث مع وزارة البلديات الإقليمية لتصبح وزارة البلديات الإقليمية والبيئة بموجب المرسوم السلطاني رقم (117/‏‏91)، نظمت الوزارة ندوة دولية لمناقشة مرتكزات وأهداف الأستراتيجية حيث تم وضع المرتكزات الأساسية للإستراتيجية وتحديد منهج العمل البيئي الرسمي. وفي عام 1995م تم إجازة الاستراتيجية من قبل مجلس الوزراء واعتماد خطة عملها كإستراتيجية استرشادية للحكومة يتم تقييمها خلال الخطط الخمسية وتكليف وزارة البلديات الإقليمية والبيئة آنذاك ووزارة الاقتصاد الوطني بمتابعة مدى انسجام ما ورد فيها من مشاريع .
كما تم إنشاء العديد من المحميات الطبيعية تتوزع في ربوع السلطنة، ومنها محمية السلاحف ، محمية الجبل الأخضر للمناظر الطبيعية، محمية حديقة السليل الطبيعية، محمية بندر الخيران،محمية جزر الديمانيات، محمية رأس الشجر ومحمية الأراضي الرطبة.
وقد أكد جلالته – طيب الله ثراه- أن الحفاظ على البيئة يعد مسؤولية جماعية لا تحده الحدود السياسية، وقال في خطاب في مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة بالبرازيل في عام 1990م:«إن الحفاظ على البيئة مسؤولية جماعية لا تحدها الحدود السياسية للدول، ثبت ذلك غير مرة. وعليه فإن الإنسان أينما كان أن يساهم في الحفاظ على البيئة وأن يتصالح معها وأن يتعامل معها بعقلانية وأن ينتبه للمسببات الكثيرة للتلوث، سواء طبيعية وبيولوجية، أو صناعية وكيميائية وفيزيائية».

استراتيجية متكاملة

وأعدت السلطنة استراتيجية وطنية متكاملة للتنوع البيئي، وتم التركيز عليها في الخطط التنموية الخمسية والتي بدأت السلطنة في تنفيذها منذ عام 1976، حيث تركز تلك الاستراتيجية على الموارد المتجددة وغير المتجددة، وتؤكد على أهمية التكامل القطاعي والنهج التعاوني الوطني في استخدام وإدارة الموارد بالإضافة إلى رصد إنجازات السلطنة في مجال صون الطبيعة وحماية البيئة مع إبراز المعوقات والسلبيات والتأكيد على دور ومكان الإنسان العماني كوسيلة و هدف للتنمية. إلى جانب وضع بدائل وخيارات للتنمية والعمل البيئي، مع تحديد اقتراحات واقعية تستند عليها تلك المرئيات. اقتراح الأطر السياسية والإدارية والمؤسسية والتشريعية والتنسيقية اللازمة لدعم وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية لحماية البيئة العمانية. وتحديد البعد البيئي الإقليمي والعالمي للاستراتيجية والمعالم الرئيسية والأولويات لبرنامج واقعي لتنفيذها، وتخصيص الأدوار في إطار المسؤولية الوطنية المشتركة.
كما استعرضت الاستراتيجية اتجاهات ووسائل التنمية المخططة في السلطنة وتقدمت بعدة توصيات محددة بهدف تحقيق غاياتها الأساسية وهو ربط التنمية بالبيئة وصون الموارد وإدخال حسابات الموارد والتكلفة البيئية في حسابات الدخل الوطني وفي دراسات جدوى البرامج والمشروعات الإنمائية ، كما رصدت الاستراتيجية الوطنية الموارد الطبيعية المتجددة وغير المتجددة واقترحت سبل تحسين الإدارة وترشيد الاستخدام لضمان عدم التأثير على استمرارية الموارد على المدى البعيد.
وأبرزت الإستراتيجية الرصيد المتنوع من الموارد المتجددة وغير المتجددة التي تتمتع بها السلطنة بالإضافة إلى تكامل هذه الموارد واستخداماتها مما يجعل التنمية المستدامة الملائمة بيئياً ممكنة ومجدية وفق شروط وضوابط محددة لإدارة وترشيد استخدام تلك الموارد وتوفير متطلبات التنسيق القطاعي والتخطيط الإنمائي الذي ينبغي أن يدخل الاعتبارات البيئية وحسابات الموارد الطبيعية في جميع مراحله وخطواته. وتركز الاستراتيجية على أهم السياسات المتعلقة بمجالات تنمية هذه الموارد بصورة مستدامة، وفقا لما أشارت له وزارة البيئة والشؤون المناخية في موقعها الإلكتروني.
وقد نصت المادة (12) من النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني ( 101 /‏‏96) على التزام السلطنة بالمحافظة على البيئة وحمايتها ومنع التلوث، كما تركز الرؤية المستقبلية للسلطنة أيضا على المحاور الأساسية لإدارة الموارد البيئة المتجددة.

مبادرات دولية

وبفضل الرعاية السامية والاهتمام المتواصل للتنمية وقضايا البيئة، تميزت السلطنة بمبادراتها في حماية البيئة على مختلف الأصعدة المحلية والدولية والعالمية. وعلى الصعيد الخارجي، فقد أعلن جلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – أثناء زيارته لمقر اليونسكو في عام 1989م، عن إطلاق «جائزة اليونسكو- السلطان قابوس لحماية البيئة» وجاء في كلمته الخالدة: «تقديرا منا لدور اليونسكو في تكثيف الجهود العلمية وحفزها للمشاركة الفعالة في إسعاد البشرية فإنه يسرنا أن نقدم هدية مالية للمنظمة يخصص ريعها السنوي ليكون جائزة لمن يسهم من العلماء والمعاهد والمؤسسات بجهد بارز للحفاظ على البيئة».
وتهدف الجائزة إلى الاهتمام والتركيز على المساهمات البارزة التي يقدمها الأفراد أو المجموعات أو المنظمات الحكومية وغير الحكومية في إدارة البيئة وحمايتها، بالإضافة إلى التدريب والتعليم البيئي، وفي إنشاء محميات المحيط الحيوي وإدارتها، ومواقع التراث العالمي الطبيعي والحدائق الجيولوجية العالمية. وتم منح الجائزة منذ إطلاقها لمؤسسات بيئية مختلفة وعلماء بيئة متميزين من دول مختلفة؛ حيث منحت الجائزة لأول مرة في عام 1991 «لمعهد علوم البيئة بالمكسيك» الذي حقق إنجازات رائدة في مجالات بحوث العلوم البيئية والتدريب والاستخدام المستدام للموارد الطبيعية، وفي عام2017 م منحت لمجلس الحدائق الوطنية بسنغافورة لجهوده المستمرة في حماية البيئة، وتعزيز حفظ التنوع البيولوجي في المناطق الحضرية والمناطق الطبيعية النادرة وإدماجه في جميع مستويات النظام التعليمي. وفي إطار تنفيذ الاستراتيجية الشاملة الخاصة بجوائز اليونسكو ولجعل جائزة اليونسكو- السلطان قابوس لحماية البيئة من أبرز الجوائز العالمية في مجال البيئة والتنمية المستدامة، فقد قررت السلطنة في الآونة الأخيرة بالتعاون مع اليونسكو بإعادة تسمية الجائزة لتصبح «جائزة اليونسكو- السلطان قابوس لصون البيئة» لتتماشى أهدافها مع سياسات وبرامج اليونسكو المرتبطة بصون البيئة والموارد الطبيعية والتعليم من أجل التنمية المستدامة.
وفي العام الماضي منحت « جائزة اليونسكو – السلطان قابوس لصون البيئة» إلى صندوق أشوكا للأبحاث في مجال الإيكولوجيا والبيئة (ATREE) بجمهورية الهند، ويأتي منح الجائزة لهذه المؤسسة نظيرا لجهودها المتميزة في صون البيئة على المستوى الاجتماعي وتنوع أنشطتها المتعلقة بالتنمية المستدامة وتعزيز سبل العيش المستدامة عبر إنجاز مجموعة واسعة من الأعمال البيئية تشمل النظم الإيكولوجية في جبال الهيمالايا، وغابات غاتس
الغربية المسجلة ضمن محميات المحيط الحيوي ومواقع التراث العالمي لليونسكو، والأراضي العشبية في كوتش والأراضي الرطبة في تاميل نادو وكيرالا، والمناظر الطبيعية الحضرية في ولاية كارناتاكا وتاميل نادو، بالإضافة إلى العديد من أنشطة صندوق أشوكا للأبحاث في مجال الإيكولوجيا والبيئة للتوعية والتدريب في مجال صون البيئة.
وقد سجل حينها صندوق أشوكا للأبحاث شكره للاهتمام البالغ الذي رسخه جلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – للبيئة على المستويات العالمية مؤكدين أن اهتمامات جلالته تعزز دائما بذل المزيد من الجهود للحفاظ على البيئة، وكانت الجائزة حافزا لبذل المزيد من الجهود، وستبقى اهتمامات جلالته للبيئة حاضرة في ُعمان وخارجها.