بعد نصف قرن.. السلطنة الدولة النموذج

عوض بن سعيد باقوير  – صحفي ومحلل سياسي –

نصف قرن من قيام النهضة الحديثة في بلادنا التي قادها باقتدار السلطان قابوس بن سعيد -رحمه الله-، تكفي لإعطاء تقييم حول الأداء السياسي الخارجي وهندسة الدولة العصرية أيضا، التي أصبحت حقيقة ماثلة للعيان وفي خضم الأحداث العربية يمكن القول إن السلطنة -وفق التحليل الموضوعي وبعيدا عن العاطفة الوطنية- تمثل نموذجا مستقرا داخليا ونموذجا متفردا في سياستها الخارجية التي تعد السياسة الأكثر هدوءا ولكنها الأكثر فعالية على صعيد المسرح الإقليمي والدولي.

وبنظرة فاحصة على المشهد السياسي العربي نجد هناك الصراعات والحروب الأهلية والتدخلات الخارجية كما هو الحال في ليبيا واليمن وسوريا والصومال وهناك التوترات السياسية والشعبية كما هو الحال في لبنان والعراق وحتى السودان مؤخرا وهناك دول لم تستقر على حكومات أو لم تستقر على تشكيل حكومات أو على الأقل هناك خلافات حول أسماء المرشحين، كما أن المنطقة العربية تشهد خلافات حادة كما هو الحال بين بعض دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
هناك مشكلات الحدود المزمنة بين عدد من الدول العربية تعود إلى عشرات السنين بعضها بفعل السلوك الاستعماري وبعضها تعود إلى حروب أو تدخلات عسكرية وهناك أمثلة عديدة في هذا الإطار، فمشكلة الحدود بين مصر والسودان حول مثلث حلايب وشلاتين وقضية الصحراء المغربية بين المغرب والبوليساريو وهناك الحدود بين الصومال وإثيوبيا وهناك قضايا حدودية بين عدد من دول المغرب العربي.

نموذج يحتذى

وفي ظل ذلك المشهد فإن السلطنة تخلصت من كل ذلك الإرث السياسي الذي نراه في بعض البلدان الأمر الذي تطرقنا إلى بعض ملامحه والوطن لا يزال حزينا على فقد القائد الملهم قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – حيث إنه بعد نصف قرن أصبحت السلطنة تتمتع بعلاقات جيدة مع كل الدول العربية ومع كل الدول الإسلامية ودول عدم الانحياز، واخيرا دول العالم قاطبة كما تطلع يوما السلطان قابوس -رحمه الله- وهو ينظر إلى خريطة العالم.
ومن هنا فإن هذا التميز في مجال العلاقات الخارجية لم يأت مصادفة بل جاء وفق منهج سياسي مرسوم ووفق ثوابت تم تبنيها منذ فجر النهضة المباركة يوم 23 يوليو من عام 1970 وعلى ضوء ذلك يخلو المشهد العماني من أي خصومات مع أي دولة في العالم بل أن ذلك انعكس على الأداء الشعبي للأفراد من خلال المثل الأخلاقية والسلوك الحسن الذي ميز الشعب العماني في علاقته مع الآخرين.
وفيما يخص موضوع الحدود استطاعت القيادة العمانية أن تتحرك وبشكل مبكر لإنهاء هذا الإشكال من خلال ترسيم الحدود مع دول الجوار وهي اليمن والسعودية والإمارات والحدود البحرية مع إيران وباكستان منهية تلك المشكلات الحدودية التي يمكن تشبيهها بالقنابل الموقوتة ويمكن أن تتسبب في حروب مدمرة كالتي حدثت بين العراق وإيران حول شط العرب واستمرت ثمانية أعوام ولا تزال دون حل.
النموذج العماني كدولة يأتي من خلال المبادرات السياسية المتواصلة لإطفاء الحرائق في المنطقة منذ مبادرة مسقط عام 1976 من خلال اجتماع وزراء دول الخليج وهي دول المجلس الست الحالية ووزيرا الخارجية العراقي والإيراني وتواصلت الجهود الدبلوماسية العمانية لإصلاح ذات البين بين الأشقاء والأصدقاء على حد سواء
و أصبحت السلطنة بعد نصف قرن هي البوابة المفضلة التي يلجأ لها الآخرون من الشرق والغرب لإيجاد الحلول والمساعدة على تحقيقها وهذا لا يعود لأسباب عاطفية فالسياسة والمصالح لا تعترف بهذا المفهوم ولكن ذلك يعود إلى مصداقية المبادئ الراسخة التي أصبحت مثلا حقيقية صادقة وأمينة مع الآخرين.
إن مشروع النفط مقابل الغذاء في الحالة العراقية هي إحدى المبادرات العمانية لإنقاذ الشعب العراقي من الحصار الجائر الذي فرضته الولايات المتحدة والدول الغربية ونزع فتيل الحرب من خلال الدور الريادي للسلطنة لجمع الخصوم على طاولة الحوار في مسقط لعدة سنوات بعيدا عن صخب الإعلام حتى التوصل إلى الاتفاق النووي التاريخي عام 2015 هو أحد الإنجازات الدبلوماسية الهامة في تاريخ السلطنة الحديث.

القائد الملهم
ومع دخول الحداد الرسمي على فقيد الوطن الكبير السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله الأسبوع الأخير، نعطي بعض هذه الملامح لنموذج صنعه بفكره المستنير طوال نصف قرن ليعطي العالم هذا النموذج لدولة السلام، ومن هنا كانت تلك الكلمات المشهودة من خلال جلسة التأبين في الجمعية العامة للأمم المتحدة من قيادات دول العالم وممثليها، حيث إن المجتمع الدولي فقد رائد السلام والمبادرات الملهمة لتحقيق الأمن والاستقرار لشعوب المنطقة والعالم ولا شك أن العالم ومع تزايد التوتر والحروب سوف يتوقف كثيرا عند سيرة هذا السلطان الحكيم الذي عمل بكل فكره ووقته وعمره على أن يجنب وطنه وشعبه المشكلات والصراعات في ظل موقع السلطنة الحساس المطل على مضيق هرمز الاستراتيجي الذي يعد شريان العالم في مجال الملاحة ونقل الطاقة عبره كما أن هذا الشريان والمحافظة على استقراره يحتاج تلك الحكمة من قائد خسرته الإنسانية.
عند تقييم مسيرة الزعماء في العالم في العصر الحديث فإن نموذج سلطنة عمان الدولة والشعب يعد من النماذج التي ينبغي التوقف عندها ودراسة سلوك قيادتها على مدى نصف قرن وهي فترة زمنية كافية لإعطاء التقييم المنصف من خلال أحداث كبرى مرت بها المنطقة، وفي تقديري فإن الإشارة المبكرة جاءت من الداخل في بداية النهضة المباركة عندما خاطب السلطان قابوس رحمه الله الذين رفعوا السلاح في ظفار ضد الدولة بقوله «عفا الله عما سلف» ومن هنا فإن هذه النبرة التصالحية كانت توحي بسلوك سياسي رفيع.
إن تلك الإشارة المبكرة ودعوة الجميع للمشاركة في بناء الوطن بمن فيهم أولئك المسلحين في جبال ظفار أثبتت بأن الفكر العميق والرؤية الثاقبة هي التي توجه الأوطان نحو بوصلة الأمن والاستقرار وإلى ترسيخ الوحدة الوطنية التي تعد من الإنجازات الداخلية الكبرى في عهد السلطان قابوس طيب الله ثراه.

المحافظة على النموذج

عندما يكون لديك نموذج مميز فلا بد من المحافظة عليه وأنا هنا أشير إلى نموذج السياسة الخارجية وهو الأمر الذي أكد عليه جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – في خطابه الأول بعد تسلمه مقاليد الحكم، ومن هنا فان التحركات الأولى لجلالته تؤكد على ذلك من خلال التحرك الإقليمي والدولي والقيادات السياسية التي سوف تأتي إلى السلطنة في المرحلة القادمة في ظل التوتر المتواصل في المنطقة خاصة بين إيران والولايات المتحدة واستمرار الحرب الكارثية في اليمن.
وسوف تواصل السلطنة بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله – ذلك المسار الإيجابي الذي جعل من بلادنا واحدة من الدول النموذجية في مجال السياسة الخارجية حيث لم تدخل حروبا أو صراعات ولم تعتد على أشقاء أو أصدقاء وظلت أيقونة السلام والمحبة وإغاثة الملهوف وتقديم الدعم الإنساني من دون ضجيج إعلامي، وعلى ضوء تلك الإشارات فإننا ومع الحدث الجلل ومع دخول الحداد الرسمي أيامه الأخيرة نستذكر بعض ملامح الدولة العصرية في أحد مجالاتها الراقية وهي السياسة الخارجية التي صنعها السلطان الملهم رحمه الله وجعل من بلادنا الدولة النموذج من دون مبالغة أو تهويل من خلال المشهد السياسي العربي والإقليمي والدولي خلال نصف قرن سقط خلاله ملايين الضحايا من العرب والمسلمين ومن الإنسانية دون أن يكون للسلطنة مشاركة أو دور في نزول قطرة دم لأي إنسان في هذا العالم، ومن هنا تأتي تلك النزعة الإنسانية للسلطان الراحل الذي تمتع بذلك الفكر الراقي والمستنير الذي أوجده حتى بعد رحيله من خلال الانتقال السلس للحكم في السلطنة وهي مسالة تسجل نجاحا كبيرا لدولة راسخة وقيادة حكيمة وشعب عظيم.
حفظ الله بلادنا وقيادتنا.