منتصف ليل الصواريخ

عادل محمود –

في تلك الليلة، وأنا أتفرج على فيلم، صدح في ليل دمشق أول رشقة صواريخ. وقفنا أمام النافذة، أنا ومستشاري لشؤون الصواريخ «سيمبا»، وهو كلب يكره كل أنواع المفرقعات، من ألعاب العيد إلى أنياب الحرب.
قلت له: يا سيمبا. هذه صواريخ من أين؟
فأجاب «عو عو»… ففهمت.
بقينا نتفرج على خطوط الموت في سماء دمشق، تتقاطع وتتلاشى مع اهتزازات في بلّور نوافذنا وقلوبنا، حتى همدت وعمم صمت المدن اليتيمة، بعد القصف.
طبعا.. ليس ضروريا التمادي في وصف حالتنا، فالحقيقة أننا خلال تسع سنوات حرب، تعوّد الخوف، الذي فينا، على ترشيق وتخفيف نفسه، تلقائياً. فالنجاة ، أولاً وأخيراً، هي أشبه بتوزيع الأكفان في المقابر: خذ كفناً وامضِ في سبيلك فلسوف يلزم، ليس للجسد الفاني، وإنما سوف يلزم، كما في الخمسينات، لصناعة كلاسين للفقراء. وتكون على قفا الكلسون كتابة بالعربي تحت العلم الأمريكي: «هدية من الشعب الأمريكي» والمقصود، طبعاً، أكياس الطحين.
التفت سيمبا إليّ كأنه يستأذن بالانصراف، بعد أن انتهت الجولة الأولى من القصف. فقلت له: اذهب، وحضّر لي دراسة مختصرة حول موضوع يشغلني، هذه الأيام، والمقصود بالأيام.. «أيام الصفقات» وليس أيام المفاوضات أو التفاهمات أو أي كلمة تنتهي بتاء مبسوطة من فرط سرورها بمفرداتها ذات الحشد الدلالي في كل التعابير.
هذا الموضوع الذي يشغلني هو: «موت الجغرافيا». وأبسط مثال عليه اليوم هو إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بالجولان السوري المحتل، كجغرافيا كانت مهمة جداً للدفاع والهجوم في تلك الأيام 1967. جغرافيا الأرض بين هضاب ومرتفعات ووديان صخور وبساتين… و 70 كلم حدود مع سوريا. كان المدى المجدي لسلاح تلك الأيام 30 كم. وأصبح اليوم 300 كلم.
وهكذا تنطلق الصواريخ في عماء الليل من فوق فلسطين دون الحاجة إلى الاقتراب التكتيكي من الحدود مع دمشق.
موت الجغرافيا هذا، يا سيمبا، يعني أن تطور الأسلحة هو المقاول الأول، المفاوض الأول. ولكن الذين لا ينتبهون، بسبب غرور القوة، يظنون أن الآخرين ليس لديهم هذا السلاح ذي ال 300 كم من جغرافيا ماتت نهائيا.
هز سيمبا ذيله، وهززت رأسي.
ومضينا إلى النوم ، مطمئنين إلى هدوء السماء ، بعد منتصف ليلة الصواريخ !