نوافذ :النخبوية .. تذكرة عبور

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تتصادم الحقيقة مع ذاتها عند الحديث عن التأثيرات الجانبية التي تفرضها الـ «نخبوية» على من حولها خاصة عندما يتبناها الصغار، والفئات الشاذة والمتسلقة، والأسئلة المطروحة هنا أكثر؛ هل ما يثار عن الـ «نخبوية» هي صورة نمطية متكررة، أم أنها حالة خاضعة للظرف الذي تعيشه في كل فترة زمنية؟ وهل هي حالة مطلقة أم أنها؛ كحال غيرها؛ مسألة نسبية تخضع لعوامل عديدة؟ وهل يمكن أن تلحق بجغرافية محددة – شمالا؛ جنوبا – كما هو الفهم السائد، أو إلى وجاهات اجتماعية بعينها؟ وما مدى تأثير مساحة الوعي المقتطعة من وعي المجتمع لإرباك الساكن منها في ظل متغيرات اجتماعية كثيرة؟ وكيف يمكن الخروج من مأزق السائد، والمعاش، والملاحظ؟
تلحق بالحالة الـ «نخبوية» الكثير من الإشكالات، وخاصة في جانبها الاجتماعي، فكل ما يراد له التميز، يشار إليه من خلالها، وكل ما ما يراد له التحرر من مجموعة استحكامات اجتماعية بحتة؛ أيضا؛ يلحق بـ «النخبوية» فإذا حققت مستوى وظيفيا عاليا، فأنت «نخبويا» في الحال، وإذا هطلت عليك غيوث المال ما بين عشية وضحاها، فأنت من الـ «نخبوية» وإذا قدر لك أن تكتب سطرين وأشير إليك على أنك كاتب، أو قاص، أو باحث، فأنت تلقائيا من الـ «نخبوية» وإذا انتسبت، أو انتسب إليك من هم وفق هذا التصنيف، فأنت أيضا؛ وبلا تردد؛ أصبحت نخبويا، ويا ليت المسألة تتوقف عند هذا الحد، فالمسألة مرشحة للتطور أكثر وأكثر، فعليك أن تتوافق مع هذه الصورة الاحتفالية الـ «نخبوية» حيث يستلزم الأمر أن يكون لك بيت ضخم، وسيارة فارهة، وأصدقاء مختلفون، وفي المجالس العامة عليك أن تتحدث بلغة المال والأرباح، وأن تستخدم الغالي من العطور، والمميز من الملابس، وأن تتصنع في الحديث، وانتقاء الكلمات، فالمهم أن تعكس للآخرين من حولك أنك فرد «نخبوي» ومؤخرا ألحقت حتى بعض المواهب بالـ «نخبوية».
المشكلة الأكبر الآن أن المتأخرين ؛ الذين يلتحقون بالـ «نخبوية» يغالون كثيرا في توظيف صور الـ «نخبوية» وهذه المغالاة أصبحت تشوه حقيقة النخبة، وتلبسها أثوابا ممقوتة، وممارسات مرفوضة، لأن مجموعات التقليعات التي ألبست الـ «نخبوية» شوهتها وغربتها عن واقعها تحت دعوى التأثير والتأثر، حيث تم استجلاب قصص من مجتمعات بعيدة سلوكا ومسلكا، ولذلك فعند تطبيقها في المجتمعات الصغيرة غير المعقدة اجتماعيا، حدثت تشويهات في بنى هذه المجتمعات، ولم تعد تتحملها بصلفها المقيت، وبأثرها المزعج، لأنها حلت هكذا فجأة من غير مقدمات، فلم تستوعبها الذاكرة الجمعية لتتعامل معها كحقيقة، وحتى تأخذ مكانها، وتحقق استحقاقاتها تحتاج إلى زمن لاستيعابها.
توضع الـ «نخبوية» اليوم، أمام عربة الحصان، إن حلت مكان العربة الحقيقية، ومعنى ذلك ستمثل تموضعا غير يسير، تؤثر بصورة أو بأخرى على القيم الضابطة لحركة المجتمع، وهذه مسألة ليست يسيرة، خاصة في المجتمعات؛ التي لا تزال ترتهن على تقليديتها؛ صحيح أن التقليدية تعتبر عنق زجاجة لحقيقة حركة المجتمع ومجموع سلوكياته، إلا أنها في مواطن كثيرة تبقى مهمة، ويعاد إليها ضبط حركة المجتمع، وعدم انجراره السريع نحو التطبيع مع كل ما هو وارد من كل حدب وصوب.
و الـ «نخبوية» عندما تأخذ مكانها وفق السياقات المعتادة في أي مجتمع، فإنها تظل مقبولة ومتعايش معها إلى حد بعيد، ولكن عندما تبهرج أكثر من اللازم فإنها- بقدر ما هي تفقد قيمتها الحقيقية- تصبح تذكرة عبور لكل ما هو شاذ، وخارج عن الوعي الكامل لحركة المجتمع، وسياقاتها المختلفة، وفي كل ذلك هو خروج عن النص – كما يقال.