غموض.. وخسائر تحتم التعاون الجماعي لوقفها !!

د. عبدالحميد الموافي –

برغم كل الانتقادات التي تتعرض لها المنظمة الدولية الأم، أي الأمم المتحدة، وما يصبه البعض عليها من لعنات أحيانا، سواء نتيجة لعدم المعرفة بحقائق عملها، أو بحدود قدراتها، أو لعدم الإيمان بفكرة التعاون الدولي، أو نتيجة الخذلان الذي تعرضت له مشكلة مهمة لهؤلاء، أو تتعرض له لأسباب مختلفة في أروقة الهيئات التابعة للمنظمة الدولية الأم أو بعضها، إلا أن أوقات الأزمات التي تتعرض لها مجموعة من دول العالم وشعوبه، وخاصة تلك الأزمات والمشكلات الجماعية، من قبيل التصحر وحرائق الغابات ومشكلات البيئة والأمراض والأوبئة التي تتجاوز الحدود، سرعان ما تضع الأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة التابعة لها موضع الاهتمام، ولا نقول إعادة الاعتبار لها، لأن ذلك يدركه الجميع ويشعر به عمليا، بغض النظر عن الاعتراف به من عدمه.

وفي هذا المجال هناك العديد من الأمثلة، وفي مختلف المجالات، التي انتبه العالم إلى أهمية وضرورة الدور الذي تقوم به المنظمات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة لمواجهة مشكلة جماعية تؤثر وتؤرق عددا متزايدا من الدول والشعوب، ولم تكد مشكلة التغير المناخي وحرائق الغابات في الامازون وروسيا واستراليا تخف حدتها، حتى فرض فيروس كورونا المتحور نفسه ليس فقط على الصين، التي انطلق منها، ولكن على العالم أجمع بعد أن زاد عدد الدول المتأثرة به عن ثلاثين دولة في العالم، وبعد أن استمر وازداد اتساع المناطق التي يضربها بشكل متواصل في الايام الأخيرة، وهو ما جعل الأنظار تتجه الى منظمة الصحة العالمية، وما تنصح به، وما تتخذه من إجراءات للحد من انتشار الفيروس وزيادة الإجراءات الوقائية ضده، سواء في الصين أو على امتداد العالم.
وفي هذا المجال وما صاحب انتشار فيروس كورونا المتحور من مشكلات وخسائر، فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
أولا: إنه بدون أية مبالغة أو تضخيم، سواء في مجال الصحة ومكافحة الأمراض والأوبئة، أو في مجالات التعاون الدولي الأخرى العديدة زراعيا وماليا وتجاريا وثقافيا، أو في مجالات المناخ والاتصالات والمياه ومكافحة التسلح وغيرها من المجالات العديدة الأخرى، أثبتت التجارب والمشكلات التي واجهت منطقة أو مجموعة دول أو عدد كبير من دول العالم، على امتداد السنوات والعقود الماضية أن التعاون الدولي على المستوى الجماعي، أو شبه الجماعي، هو الطريق الصحيح والفعال لمواجهة المشكلات التي تتعرض لها شعوب العالم أو بعضها بغض النظر عما اذا كانت تلك المشكلات نتجت عن أسباب طبيعية أو بيئية، أو بسبب تدخل انساني ما أدى إلى حدوثها أو ساعد على انتشارها.
وبرغم إدراك الجميع لهذه الحقيقة التي تتكرر مع حدوث أية مشكلة أو أوبئة، إلا أن المشكلة تتمثل في أن الجميع سرعان ما ينسى أو يتناسى ما قامت به المنظمات الدولية في مواجهة المشكلة، حيث تعود الدول إلى حوصلاتها بعد انتهاء الخطر، برغم أن المفروض أن تعمل بشكل اكبر لدعم التعاون وتحقيق مزيد من التنسيق فيما بينها لدعم جهود المنظمات المتخصصة لتحقيق مصالحها الفردية والجماعية أيضا. ولكن العزاء في هذا المجال يتمثل في أن الوعى الجماعي الدولي بضرورة التعاون بين الدول بشكل أكثر اتساعا وعمقا يزداد في الواقع وان كان بخطى بطيئة، ولذا فإن الموقف الآن أفضل مما كان عليه الوضع قبل عشرين أو ثلاثين عاما.
ومن هذه النقطة فإن ما صدر من بيانات من جانب منظمة الصحة العالمية والاجتماع الطارئ الذي عقده المكتب التنفيذي للمنظمة في جنيف الاسبوع الماضي والتقييم الذي توصل اليه بالنسبة لطبيعة انتشار فيروس كورونا المتحور كان مهما بالنسبة لكل الدول، ليس فقط في التأكيد على ان الأمر لم يصل بعد إلى حد الوباء، ولكن أيضا في عدم التشجيع على وقف التنقل بين الصين والدول الأخرى.
ومع أن منظمة الصحة العالمية حذرت في الأيام الأخيرة من خطر حدوث نقص في وسائل الوقاية من الفيروس على مستوى العالم، إذا استمر انتشار الفيروس بالشكل الحالي، إلا أن الوضع من وجهة نظر منظمة الصحة العالمية لم يصل إلى حد الهلع، أو حدوث أوبئة في الصين أو على مستوى العالم، وهو ما يقلل في الواقع، أو ينبغي أن يقلل من الشعور بالهلع، مع اتخاذ كل الإجراءات الضرورية التي تنصح بها منظمة الصحة العالمية، سواء للوقاية أو لعزل وعلاج الحالات المصابة التي يتم اكتشافها في الدول المختلفة والالتزام بالشفافية في الإعلان عن حالات الإصابة والوفاة التي تحدث بسبب المرض في أية دولة على امتداد العالم، لأهمية ذلك في متابعة المرض وتقييم مدى انتشاره من جانب منظمة الصحة العالمية التي تتابع الموقف على مستوى العالم بشكل دائم ومتواصل وإصدار ما تراه ضروريا في هذا المجال، وهو ما تستحق عليه المساندة والدعم والتقدير من جانب كل دول وشعوب العالم.
ثانيا: انه مع إدراك أن المعلومات الخاصة بانتشار أحد الأمراض، أو الفيروسات القاتلة، مثل سارس وإيبولا وفيروس كورونا المتحور وغيرها، تظل معلومات على صلة باعتبارات الأمن القومي، خاصة بالنسبة لدولة ضخمة مثل الصين، التي تشكل بسكانها نحو خمس – 20% – سكان العالم، خاصة في ظل التنافس والتنازع المتزايد بين الصين والولايات المتحدة، في السنوات الإخيرة، الا أنه من المهم والضروري أن تكون هناك أكبر درجة ممكنة من الشفافية في التعامل والإعلان عن الوفيات وأعداد الإصابة ومدى اتساع انتشار المرض في البر الصيني، لسبب بسيط وهو أن ذلك يفيد الصين ذاتها ويفيد العالم من حولها من خلال تحديد خارطة واضحة المعالم لمدى انتشار الفيروس، ومن ثم اتخاذ الإجراءات الضرورية للتعامل معه داخل الصين وخارجها أيضا.
ومع الوضع في الاعتبار إن بكين تجنبت – على الأرجح – إثارة حالة من الخوف أو الهلع في العالم عبر الإعلان عن أرقام أخذت تتزايد يوما بعد يوم، حتى تجاوزت الثمانمائة حالة وفاة داخل الصين، وحتى تتيح لنفسها الفرصة لتطويق انتشار الفيروس، خاصة في البداية، إلا انه من الواضح أن سرعة انتشار المرض كانت أسرع وأوسع مما يمكن احتواءه بسهولة، صحيح ان بؤرة المرض هي مدينة ووهان، وصحيح ايضا انه ما من صيني غادرها في الأيام الأولى إلى أي مكان داخل الصين أو خارجها إلا كان حاملا للمرض، الذي تستغرق حضانته – المدة بين الإصابة وبين ظهور أعراض المرض – خمسة عشر يوما، إلا أن درجة غير قليلة من الغموض قد أحاطت بظروف انتشار المرض والأسباب التي أدت اليه، وعلاقة ذلك بمأكولات بحرية معينة في ووهان، ومن ثم تعددت التكهنات حول أسباب المرض، وتراوحت بين أكل نوع معين من الخفافيش وبين حدوث مشكلة في أحد مصانع الكيماويات في مدينة ووهان، واذا كانت الأبحاث العلمية برأت الخفافيش من نقل الفيروس، كما تم اكتشاف الفيروس في أحد الجزر الصغيرة التابعة لهاواي الأمريكية في المحيط الهادئ، فإن الغموض المفهوم والمتعمد أيضا فتح المجال لكثير من الشائعات والتكهنات، والأكثر من ذلك أن الولايات المتحدة عمدت إلى التوظيف السياسي لانتشار الفيروس في نزاعها مع الصين، تجاريا واستراتيجيا، الى حد اتهام بكين لواشنطن بتعمد خلق حالة من الهلع والتضخيم بشأن فيروس كورونا، وبشكل لا ضرورة له، واستشهدت في ذلك بتقييم منظمة الصحة العالمية. والمؤكد أن درجة عالية من الشفافية كانت ستقطع الطريق أمام الولايات المتحدة وأية أطراف أخرى تحاول التوظيف السياسي لانتشار المرض ضد الصين.
من جانب آخر فان الغموض حول انتشار المرض وأسبابه لا يفيد جهود البحث عن أدوية لعلاج المرض ولوسائل الوقاية الفعالة ضده، سواء في الصين او خارجها. واذا افترضنا أن الارتفاع في عدد حالات الوفاة، ربما يعود الى انتهاء فترة حضانة المرض لمصابين أصيبوا به في البداية، ومن ثم ارتفع منحنى الوفيات في الإيام الماضية، فان أعداد الوفيات في هذه الفترة، وبعد انقضاء أكثر من أسبوعين على الكشف عن الفيروس سوف توضح وتشير إلى ما اذا كان منحنى الوفيات والإصابة انكسر وغير اتجاهه ليسير في اتجاه متناقص، أم انه يواصل ارتفاعه، وسوف يؤدي ذلك حتما إلى إعادة تقييم حالة انتشار المرض من جانب منظمة الصحة العالمية، وتصنيفه على انه أوبئة عالمية، بكل ما يترتب على ذلك من نتائج، وستكون زيارة وفد منظمة الصحة العالمية للصين لجمع معلومات حول المرض وانتشاره حاسمة في هذا المجال.
وعلى أية حال فان انتشار فيروس كورونا المتحور، والذي ينتشر بين البشر، قد كشف بوضوح عن خطر تطور وتحور فيروسات معينة لتصبح أكثر خطرا، سواء بمقاومتها للمضادات الحيوية المستخدمة في علاجها، أو بانتشارها بوسائل أسهل بين البشر، وهو ما يتطلب ضرورة تعزيز وسائل البحث العلمي لإنتاج أمصال واقية وأدوية فعالة للعلاج بأسرع وقت ممكن حماية لحياة البشر، وهو ما بدأ العمل فيه بالفعل بالنسبة لفيروسات عدة ومنها كورونا المتحورة في الأيام الأخيرة. من جانب آخر فان الانتشار السريع لفيروس كورونا كشف بوضوح عن أن دولة بمفردها حتى لو كانت الصين، لا تستطيع مواجهة مثل هذه الحالة، ولم يكن مصادفة أن تستنجد الصين بالعالم لاستيراد الكمامات الواقية ووسائل الوقاية من أي مكان في العالم وان تعتبر عدم التعاون معها موقفا غير ودي. ومن شأن ذلك أن يؤكد مرة أخرى أهمية وضرورة التعاون الجماعي بين الدول وبشكل جاد لصالح الجميع والبشرية ككل.
ثالثا: انه في الوقت الذي لا يزال الغموض يلف جوانب كثيرة متصلة بفيروس كورونا المتحور، وما اذا كان هذا الفيروس من الفيروسات المخلقة وذات الصلة بفيروسات الحرب الكيماوية المحرمة دوليا بالطبع، فانه من المؤكد أن الخسائر المترتبة عليه، وهى خسائر متزايدة وتطال دولا أكثر يوما بعد يوم، حتى وأن كانت تلك الدول لم تكتشف اصابات بالفيروس، هي خسائر من الصعب حتى الآن حسابها على نحو دقيق.
واذا كان من الممكن القول بأن الخسائر تطال جميع الدول، بشكل مباشر أو غير مباشر، فإن الصين هي في الواقع أكثر الاطراف تضررا، ليس فقط لأن الفيروس انطلق منها، وأنها اضطرت الى فرض حالة الحجر الصحي على ووهان ومدن صينية أخرى، فضلا عن تضرر حالة السفر والسياحة بين الصين ودول العالم الأخرى، إلى جانب الهبوط الحاد في البورصة الصينية، حيث كان تدخل البنك المركزي الصيني هو الذي منع انهيارها، بعد انهيار الأسعار وموجة البيع الهائلة للأسهم من جانب كثير من المستثمرين، فضلا عن وقف الآلاف من المصانع والمتاجر والمؤسسات ووسائل النقل، وإلغاء الكثير من المعارض والفعاليات الاقتصادية ذات الأهمية التجارية والاستثمارية للصين حتى أواخر مارس وأوائل أبريل القادمين، وكذلك فرض البقاء في المنازل على أعداد متزايدة من السكان في المدن المصابة، ومنع الانتقال خوفا من انتشار العدوى، ولكن ايضا لأنه تم تخفيض التصنيف الإئتماني للصين من جانب وكالة ستاندرد اند بورز، وتخفيض توقعات النمو الاقتصادي للصين هذا العام 2020.
وبالنظر لأن الصين عملاق اقتصادي، فان الاضطراب الذي سببه فيروس كورونا أدى إلى انخفاض الطلب الصيني على النفط، وهو ما ترتب عليه الانخفاض الحادث في أسعار النفط العالمية في الأيام الأخيرة، فضلا عن تضرر اقتصادات عدد غير قليل من الدول بسبب انخفاض الواردات الصينية من الخارج، بما في ذلك تضرر الولايات المتحدة، اذ انه لن يتم تطبيق الاتفاق التجاري الذي تمت المرحلة الأولى منه مع الولايات المتحدة مؤخرا، والذي كان يقضي بزيادة الواردات الصينية من السلع الزراعية الأمريكية.
جدير بالذكر أن انتشار فيروس كورونا المتحور قد أصاب الصين بصدمة اقتصادية وتجارية ستحتاج إلى وقت غير قليل للتعافي منها، غير أن هذه الصدمة أوضحت بجلاء الأهمية الاقتصادية والتجارية للصين في الاقتصاد العالمي، وهو أمر ظهر بوضوح أكثر من أي وقت مضى، ومع الحاجة الى تبديد الغموض حول ظهور وانتشار فيروس كورونا المتحور، وهو ما تملكه الصين وربما الولايات المتحدة التي قد تكون الطرف المستفيد على الأجل القصير من هذه الوعكة الصينية، إلا انه من غير الممكن الذهاب بالخيال إلى أن الصين كانت وراء ما حدث بشكل متعمد، وانها مارست خداعا استراتيجيا.
كما قال البعض، من أجل أن تتخلص من المستثمرين الأمريكيين والغربيين الذين سارعوا إلى بيع أسهمهم في المشروعات الصينية وخاصة المشروعات التقنية بأسعار رخيصة وهو ما قامت الحكومة الصينية بشرائها، فالصين لا تريد الانغلاق مرة أخري، وتشجع الاستثمارات الغربية والأمريكية، وتسعى إلى التفاعل التقني مع العالم والاستفادة منه، والمؤكد أن الصورة ستتضح أكثر اذا تم تبديد الغموض الذي ستتكاثر فيه الشائعات والتصورات غير الصحيحة.