نوافذ: الأب آخـر مـن يعـلم

عبـدالله بن سـالم الشـعيلي –
Twitter:@ashouily –

جرس الباب يرن فتهرع للطارق، أمام الباب شخص بسروال وقميص ممسك بإحدى يديه هاتفا محمولا وبالأخرى فنجان قهوة ورقي يخبرك أن طلبك قد وصل وأن الحساب قد دفع. تبقى مشدوهًا لبعض الوقت حتى يأتيك صوت من خلفك يعلمك أنه صاحب الطلب. ابنك المراهق اشتهى فنجان قهوة من محل عالمي لبيع القهوة فطلبه عبر تطبيق هاتفه. يقرع الجرس مرة أخرى لتجد موظفًا آخر يسلمك حقيبة يد طلبتها ابنتك الصغرى من بلد يقع آلاف الكيلومترات عنك فتستغرب ولكن يزول استغرابك بمجرد أن يصبح بيتك مزارًا لموصلي الطلبات اليومية.
مشهد وقوف سيارات طلبات الطعام وغيرها من التوصيلات أمام المنازل بات أمرًا مألوفًا وبعيدًا عن الاستغراب ليس كما كان الحال عليه قبل سنتين أو أقل حيث كان وقوف سيارات غريبة أو دراجات نارية أمام المنازل أمرًا مشبوهًا، ويدعو إلى الاستنفار والاستهجان، لكن باتت كل هذه المشاهد أمرًا مألوفًا، ويتسابق أفراد العائلة على طلب كل ما يريدون من خلال تطبيقات الهاتف المختلفة والمتوزعة على كل أنواع السلع والبضائع حيث أصبح سوق الطلب والتوصيل عبر الإنترنت سوقا رائجا ويحقق أرقاما خيالية في المبيعات لدرجة أن أصحاب الأعمال بدأوا في الاستثمار في مثل هذا النوع من «البزنس» الذي يدر أموالا طائلة مقابل جهد بسيط.
لا توجد أرقام رسمية دقيقة توضح حجم سوق تجارة البيع والتوصيل عبر الإنترنت خصوصا طلبات توصيل الطعام وتشير بعض الإحصاءات إلى أنها تصل في بعض دول الخليج إلى (4.5) مليار ريال سعودي وفقًا لما نشرته إحصاءيه مؤسسة «أوشن إكس» السعودية للاستشارات وهذا الرقم مرشح للارتفاع خصوصًا أن نمو هذا السوق في تزايد مطرد والطلب على الشراء والتوصيل الإلكتروني بات كثيرًا إضافة إلى أن تطبيقات توصيل الطعام والتوصيلات الأخرى باتت تشهد ارتفاعًا في عددها.
هنا في السلطنة لم أعثر على أرقام تشير إلى الأرباح التي تجنيها شركات تقديم الطلبات عبر الإنترنت ولكن ما لاحظته وزاد من استغرابي هو أن هذه التطبيقات أو الشركات إنما هي في معظمها شركات غير عمانية وتوظف قوى عاملة وافدة بالمئات لا يستفيد المواطن ولا الحكومة، كما أعتقد سوى من رسوم رخص تجديد السجلات التجارية، ولكن للإنصاف وجدت أن بعضا من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة دخلت في هذا المجال، حيث تقوم بتقديم خدمات النقل والتوصيل للسلع والخدمات والبعض منها قامت الحكومة ممثلة في الصندوق العماني للتكنولوجيا بالاستثمار فيها وشراء بعض الحصص غير أن هذه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لم تقم بعد بالاستثمار في سوق طلبات الطعام باستثناء تطبيق أنشأته شركة عمانية تعمل في مجال المعلوماتية، ولو عدنا إلى المعلومة السابقة ذاتها عن حجم سوق طلبات الطعام في دول الخليج لوجدناها تشير إلى أن السلطنة تحتل رابعًا بمبلغ يقدر بـ180 مليون دولار أمريكي، الأمر الذي يثير تساؤلا عن إغفال كثير من أصحاب رؤوس الأموال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وحتى الحكومة ذاتها عن تسليط الضوء على هذا القطاع الواعد الذي يصل حجم النمو فيه إلى أكثر من 35 بالمائة كما تشير الإحصائية ذاتها.
كما لهذه التقنية الحديثة وجه إيجابي مشرق يغري بالبيع والشراء والاستثمار وزيادة العوائد المالية للجميع فإن له أوجه أخرى مظلة قاتمة، فلا زال هذا القطاع تتملكه العشوائية وعدم التنظيم وغياب الرقابة على المشتغلين فيه فكما قال لي أحد الأصدقاء بأنه كان يعرف عاملا يعمل في مهنة كذا صار اليوم موظف طلبات يقوم بتوصيل الطعام بسيارته الخاصة من دون الحصول على التصاريح اللازمة من المؤسسات الرسمية لامتهان هذه المهنة، فيمكن ببساطة أن تجد موظف طلبات بتوصيل طعام مساء يكون صباحًا نجارًا أو سباكًا أو بناءً.
وكما تغيب التخصصية في هذا القطاع تغيب الخصوصية والأمان فكثرة عدد المشتغلين في هذا القطاع ومعرفتهم لبعض المعلومات عن مواقع السكن وأرقام التواصل بات أمرا يؤرق كثيرا من الأسر فهذه العاملة غير المتخصصة باتت تمتلك بعض البيانات الشخصية للأسر يمكن أن تستخدم في يوم من الأيام كوسائل غير محمودة العواقب، ويمكن إلى كثير من عدم الاستقرار.
لن يختفي هذا النوع من التجارة بل سيكبر كما كبرت أمثاله من الأعمال التي تقوم على التوصيل للأفراد أو البضائع وغيرها من الأعمال المرتبطة بالتقنية الحديثة، لكن ما يمكن لفت النظر إليه هو محاولة النظر إلى هذا العالم بمنظور آخر وتنظيمه وترتيبه ورقابته والاستثمار فيه وأن يكون الأب على اطلاع دائم بما يحصل في بيته لا أن يكون آخر من يعلم.