خطبة الجمعة: «اليقين والتفكر» في مظاهر قدرة الله وعلمه المكين صيانة للإيمان

يضفي على المرء رسوخا ويمنحه مزيد معرفة بالله –

عرض: سيف بن سالم الفضيلي –
تؤكد خطبة الجمعة التي تعدها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية أن مما يميز الدين الخاتم أن جعله الله تعالى دين فكر وتفكر، ودعا فيه سبحانه عباده بالسير في الأرض والنظر.
موضحة أن التفكر في ملكوت الله يضفي على المرء رسوخًا ويقينًا، ويمنحه مزيد معرفة بالله تعالى وثباتًا.
ودعت الخطبة إلى أن يصون المسلمون إيمانهم باليقين والتفكر في مظاهر قدرة الله وعلمه المكين وأن يتمسكوا بحبله القوي المتين.
وأشارت إلى انه من أعظم صور الفطرة في نفس الإنسان، تعلقه بالدين والتدين، ألست ترى أن الأمم والشعوب إذا أتيـتها قد تجد أن شعبًا يملك شيـئًا لا يملكه الآخرون، لكنك تراهم جميعًا يتخذون أماكن للعبادة، فالعالم بأسره يرتبط بعبادة، وإن كانت عبادة أكثرهم ليست صحيحةً، فالتعلق بالعبادة فطرة، والله تعالى لم يهمل الناس فيها، بل أرسل رسله تترى، وأنزل كتبه لتُتلى، كل ذلك من أجل أن يبقى الناس على ارتباط دائم بالله ودينه العدل، وهذا التوجيه الرباني الكريم، والتبصرة الإلهية بالدين العدل، من رحمة الله تعالى بعباده.. وإلى نص الخطبة.

الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان وجعل له عينين، ولسانًا وشفتين، وهداه من فضله النجدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أكرم عباده بالفطرة السوية، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أفضل الخلق والبرية، وأحسن السالكين إلى الله من البشرية، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه أهـل الصفات النقية، وعلى من سار على نهجه و استن بسنته إلى الدار الأخروية.
أما بعد – فيا عباد الله -، اتقوا الله الخالق العظيم، وأطيعوا ربكم الصانع الكريم، (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين)، واعلموا وفقنا الله وإياكم للإيمان، ونورنا بنور معرفته وتوحيده على مر الدهور والأزمان، أنه تعالى لما خلق الكون الفسيح وأبدعه، أعلى مقام الإنسان فيه ورفعه، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا)، ومن أعظم التفضيل والتكريم أن ركب فيه العقل القادر على التفكير، وميزه بالفطرة السوية الدافعة إلى معرفة الله القدير، وهما أمـران يدفعان المرء إلى كمال إنسانيته، ويوجهانه إلى تمام عبوديته، (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون).

أيها المؤمنون:

يبين النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يولد والفطرة السوية مركبة فيه، وجزء لا يتجزأ من أصل خلقته، إلا أن المجتمع المحيط، والبيئة التي يعيش فيها يؤثران فيه سلبًا أو إيجابًا، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه))، وقد يقف بعض المشككين في الفطرة السوية، فيقول أحدهم: فإذا كانت هذه الفطرة موجودةً، فلماذا لم تعلم صاحبها الدين الصدق؟ ولماذا لم توصله إلى معرفة الله الحق؟ والحق أن هؤلاء يخلطون بين العلم الكسبي والفطرة التي ركبها الله تعالى في الإنسان، فهو لم يولد عالمًا عارفًا، بل ولد على صفحة بيضاء نقية، قال الله جل وعلا : (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون)، ومهما ملأ هذا الإنسان صفحته من علم بعيدًا عن الله جل جلاله، بقيت الفطرة تقذف في قلبه بين حين وآخر أسئلةً محيرةً، ليستدرك نفسه، وتفتح له آفاقًا لمعرفة ربه، فمن أدرك نفسه إلى الله نجا، ومن أهملها سادرًا في غيه خيب الرجا.

أيها المسلمون:

يقول الله جل جلاله: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)، وإن مما يميز هذا الدين الخاتم، أن جعله الله تعالى دين فكر وتفكر، ودعا فيه سبحانه عباده بالسير في الأرض والنظر، (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)، ولا ريب أن التفكر في ملكوت الله يضفي على المرء رسوخًا ويقينًا، ويمنحه مزيد معرفة بالله تعالى وثباتًا، فها هو إبراهيم -عليه السلام-، لما طلب من الله تعالى أن يريه كيف يحيي الموتى، يؤكد رغبته في اطمئنان قلبه، (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي).
فاتقوا الله -عباد الله-، صونوا إيمانكم باليقين، وتفكروا في مظاهر قدرة الله وعلمه المكين، وتمسكوا بحبله القوي المتين، تسلموا من العذاب المهين يوم الدين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.


الحمد لله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحـبه ومن والاه.

أما بعد، فيا عباد الله:

إن من أعظم صور الفطرة في نفس الإنسان، تعلقه بالدين والتدين، ألست ترى أن الأمم والشعوب إذا أتيـتها قد تجد أن شعبًا يملك شيـئًا لا يملكه الآخرون، لكنك تراهم جميعًا يتخذون أماكن للعبادة، فالعالم بأسره يرتبط بعبادة، وإن كانت عبادة أكثرهم ليست صحيحةً، فالتعلق بالعبادة فطرة، والله تعالى لم يهمل الناس فيها، بل أرسل رسله تترى، وأنزل كتبه لتتلى، قال الله جل وعلا: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)، كل ذلك من أجل أن يبقى الناس على ارتباط دائم بالله ودينه العدل، قال الله ذو الجلال 🙁 لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، وهذا التوجيه الرباني الكريم، والتبصرة الإلهية بالدين العدل، من رحمة الله تعالى بعباده، (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى).
فاتقوا الله -عباد الله-، وتذكروا قول الله تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون) .
هذا وصلوا وسلموا على رسول الله الأمين، فقد أمركم ربكم بذلك حين قال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات، وعن جمعنا هذا برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا، واجعل تفرقنا من بعده تفرقًا معصومًا، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محرومًا.
اللهم أعز الإسلام واهد المسلمين إلى الحق، وأجمع كلمتهم على الخير، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين.
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين.
اللهم ربنا احفظ أوطاننا وأعز سلطاننا وأيده بالحق وأيد به الحق يا رب العالمين، اللهم أسبغ عليه نعمتك، وأيده بنور حكمتك، وسدده بتوفيقك، واحفظه بعين رعايتك.
اللهم أنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من خيرات الأرض، وبارك لنا في ثمارنا وزروعنا وكل أرزاقنا يا ذا الجلال والإكرام.
ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.
اللهم اغفر لكل من آمن بك، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.