جلسة تأبين تاريخية بالأمم المتحدة في نيويورك لفقيد عمان والعالم

كلمات مؤثرة تذكر بالسلطان الراحل «باني النهضة» و«صانع السلام» –
سيرته تروي سيرة وطن في رجل وليس مجرد حاكم عابر للتاريخ –
التمنيات لجلالة السلطان هيثم بالتوفيق والتأكيد على أن عمان مستمرة في دورها العالمي –

متابعة : عماد البليك –
أقامت الأمم المتحدة في مقرها بنيويورك أمس جلسة تأبينية للمغفور له بإذن الله جلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – وذلك اعترافا بدوره الكبير في بناء بلده ودوره على المستوى الدولي كصانع سلام كما وصفه عدد من المتحدثين في الجلسة.
وقد شهدت الجلسة في البدء وقوف الجميع دقيقة صمت وحداد على السلطان الراحل رحمه الله.
وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة معالي أنطونيو جوتيريش في كلمته التي ابتدرت الكلمات التأبينية، عن خالص تعازيه ومواساته لحكومة وشعب السلطنة في وفاة السلطان قابوس، وقال إن جلالة القائد الراحل قاد سلطنة عمان زهاء نصف قرن وحولها لبلد متميز وسط محيط محتدم بالصراعات، ليضعها في مصاف متقدم بين دول وشعوب العالم.
وأكد جوتيريش إن السلطان قابوس قاد عمان للانضمام للمنظمات الإقليمية والدولية بفضل قيادته الحكيمة وأن التزامه بهذا الدور جعل عمان عضوا مسؤولا في المنظمة الدولية بما جعله رسول سلام حصن عمان من التوترات في المنطقة.

دور محوري

وأشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى أنه بفضل السلطان قابوس رحمه الله، أدت عمان دورا محوريا لضمان خط الاتصال بين الأطراف المتناحرة، كما نوه بدوره الكبير على المستوى الداخلي في البناء والتنمية وأنه سمح بارتقاء النساء، وطور التعليم والمستشفيات والطرق وغيرها من الخدمات.
وختم جوتيريش كلمته بالإشارة إلى دور السلطان قابوس في الحوار الدولي وصناعة السلام وتمنى لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – بالتوفيق مؤكدا أن عمان سوف تستمر في مساهمتها بالسلام والدبلوماسية العالمية.

أثر عالمي

وفي كلمة تقديمية عامة للأمم المتحدة حول هذه المناسبة الخاصة، فقد تم التأكيد على دور السلطان قابوس في صناعة السلام والتزامه بقيم المنظمة الدولية، وأن الأمم المتحدة وهي تقيم هذه الجلسة التأبينية تقدم التعازي لجلالة السلطان هيثم بن طارق والشعب والحكومة العمانية في وفاة السلطان الراحل، كما تمت الإشارة إلى أثره الكبير ليس على الشعب العماني فحسب بل كل العالم، حيث نشر داخليا التعليم ونقل المجتمع إلى التقدم وأوجد التنمية المجتمعية والمستدامة، كما كانت له إسهامات جلية في الشأن الدولي من خلال مساهمات مثل جائزة السلطان قابوس لصون البيئة التي بدأت عام 1991 وتؤكد على التزامه بقضايا المناخ وحماية الكوكب والبيئة والطبيعة، كذلك دوره في السلام.

التناغم العماني

وأكدت الأمم المتحدة على ما وصفته بـ «التناغم العماني» في التعايش السلمي والحريات داخل المجتمع وأن كل ذلك تحقق بفضل سياسة السلطان الراحل.
من ثم تم تقديم كلمات بدأت بممثل الدول الأفريقية من دولة توغو الذي تحدث باسم المجموعة الأفريقية وقال بإنهم يشاطرون السلطنة الأسى على رحيل الفقيد، الذي كان من الشخصيات البارزة على الصعيد الدولي، وكان قائدا مستنيرا وله رؤية بعيدة وكان مهتما بوضع بلده في مرتبة متقدمة في سبيل التنمية والتقدم.
وأشار الممثل الأفريقي إلى أن السلطنة كانت من الدول المتقدمة في التنمية البشرية وأبلغ دليل على ذلك تقرير العام 2019 للأمم المتحدة الذي يوضح ذلك، وكيف أن عمان باتت من الدول المتطورة في النماء والازدهار.
كما أشار إلى الانفتاح الذي حققه السلطان قابوس لعمان على العالم أجمع من خلال التعاون الدولي والصداقة التي مثلت أفضل سبيل للازدهار، وأنه جعل بلده جسرا بين دول العالم لاسيما بين أفريقيا وآسيا وبقية البلدان ما مد أواصر الصداقة بين الشعوب والدول.

تحديات وتقدم

من ثم كانت كلمة ممثل بروناي دار السلام عن مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وحيث أكدت الكلمة على أن السلطان قابوس كان الحاكم العربي الذي خدم شعبه في أطول فترة حقق من خلالها نقلة كبيرة لعمان وسط تحديات صعبة واستطاع أن يضع حجر الزاوية في تطوير الدولة والمؤسسات، وفي عهده شهدت السلطنة تقدما اقتصاديا وفي كافة النواحي، بحيث أصبحت من أكثر بلدان الشرق الأوسط ازدهارا كما لعبت دورا في الساحة الدولية، وكان جلالة السلطان الراحل محترما بشكل كبير وقد وجه عمان لسياسة عدم الانحياز والحياد ورسخ هذه السياسة.
وقالت ممثلة بروناي دار السلام إن رحيل جلالة السلطان قابوس فقد ليس لعمان وحدها بل لكل المنطقة.

رجل النزاهة والوسطية

وفي كلمة دول آسيا الوسطى وأوروبا الشرقية التي ألقاها ممثل أذربيجان، فقد أكد على أن السلطان قابوس كان رجل النزاهة والرؤية والوسطية والحكمة، وخدم بلده وشعبه وحيث ساهمت قيادته في الرخاء والسلام في عمان.
وأشارت الكلمة إلى أن السلطان قابوس من كبار دعاة العلم والحداثة والتعليم وأنه دعم الحوار في المنطقة ورعاه بنفسه، ووصفت سياسته بأنها اتسمت بوضوح الرؤية، حيث كانت يده بالداخل وهي ممدودة للخارج في الوقت نفسه، وأننا سنتذكره كقائد عظيم ورجل حكمة.
وفي كلمة دول أمريكا اللاتينية ودول الكاريبي التي ألقتها ممثلة جامايكا، فقد أكدت على أن السلطان قابوس رسم سياسة التعايش مع كل الأمم وخلف إرثا في ذلك بكل المنطقة، وليس في عمان فقط.
وأشارت إلى أن عمان التي كانت معزولة وبسيطة في الحياة تطورت بشكل كبير في عهده وارتفع متوسط العمر للفرد من 50 إلى 77 سنة كما انخفضت الأمية وشملت القراءة أكثر من 96 بالمائة، ونوهت بسياسة المساواة بين الجنسين، وتوفير فرص العمل للجميع، وأن إرث السلطان قابوس في السياسة الخارجية كان واضحا في اعتماده على سياسة الحوار في العلاقات والشؤون الدولية.

الرفاه والحداثة

وفي كلمة الدنمارك بالنيابة عن دول أوروبا الغربية والدول الأوروبية الأخرى، فقد أكدت على أنه على مدى خمسين عاما فقد أسس السلطان قابوس أمة تقوم على الرفاه والحداثة، بما حقق أفضل المعدلات في هذا الإطار، واشارت الكلمة إلى أن جلالته – طيب الله ثراه – مد جسور الشراكة مع الشعوب في السياسة الخارجية وأن وفاته خسارة للمنطقة كلها، كما تمنت لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم التوفيق في المضي على ذات الإرث.
وفي كلمة الولايات المتحدة الأمريكية فقد أكدت أن العالم كله سوف يفتقد السلطان قابوس الذي كانت بلده مختلفة في الماضي عما هي عليه اليوم، وأنه عاصر تسعة من الرؤساء الأمريكيين ونسج صداقة طيبة بين البلدين.
واشارت ممثلة الولايات المتحدة إلى أن السلطان قابوس كانت له حكمة ورؤية بعيدة وقاد عمان بهذه الحكمة، وقد أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى أنه كان صديقا للجميع وكان محبا لبلده، وأننا مدينون له بالشكر على الصداقة والتعاون ودوره في السلم والوساطات.

أحب بلده وشعبه

وأكدت في ختام الكلمة على أن السلطان قابوس كان قائدا عمانيا متميزا أحب بلده وشعبه وعندما تولى مقاليد الحكم استطاع أن يوجد نهضة في عمان وحملة إنمائية تعتبر الأكبر في العالم المعاصر، واستطاع أن ينفذ تصوره للمستقبل بكل نجاح في هذا البلد الذي سجل أعلى معدلات التحسن والنماء خلال أربعين سنة كما ورد في تقارير الأمم المتحدة الإنمائية عام 2010 حيث وصفت عمان بأنها الأسرع تطورا في أربعة عقود بين دول العالم، وهذا ليس ممكنا لولا ريادة وحكمة جلالته – رحمه الله- حيث سيبقى ذلك كله تخليدا لإرثه وسنظل ملتزمين بالصداقة مع عمان.

رمز الحكمة والمحبة

من ثم كانت كلمة الدول العربية التي قدمها ممثل السودان، حيث أشار إلى العالم والسلطنة فقدا رمز الحكمة والمحبة، الذي عزز الهوية الوطنية في بلده وسعى إلى فتح النوافذ للعالم الخارجي، وفي عصره هبت رياح الحداثة والانفتاح في عمان.
ووصفت الكلمة العربية السلطان قابوس بأنه قائد بفقده فقدت السلطنة رجل سلام وحكمة، وأن سيرته تروي سيرة وطن في رجل، وليس مجرد حاكم عابر للتاريخ، وأنه بنى الإنسان وجعل بلده منارة للتقدم والازدهار.
وأشار ممثل السودان إلى أن السلطان قابوس نجح في صنع الاستقرار السياسي والانتعاش الاقتصادي الكبير الذي انعكس على الجميع، ووفر التعليم والخدمات والتدريب لجميع الرجال والنساء، كما خصص يوما للمرأة في 17 أكتوبر.
وأشارت الكلمة إلى دور السلطان الراحل في الوساطات والسياسة الوسطية وبناء دعائم النهضة بشكل عام وأن السلطان قابوس – طيب الله ثراه – من القادة الذين لن ينتهي أثره بمجرد رحيلهم، وستبقى إنجازاته ومجمل نهجه السياسي خالدا، كما أكدت الكلمة على أن نهجه سوف يستمر مع جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، بما يحقق مزيدا من الرخاء والازدهار للشعب العماني.

50 عاما من العمل الدؤوب

وقد ختمت الكلمات بممثل السلطنة، سعادة الدكتور محمد بن عوض الحسان، المندوب الدائم للسلطنة لدى هيئة الأمم المتحدة في نيويورك، الذي عبر نيابة عن حكومة السلطنة عن عميق الشكر والامتنان للأمم المتحدة لإقامة هذه الجلسة التأبينية، للمغفور له بإذن الله جلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه-.
وأكد الحسان بأننا نقف اليوم في المنظمة لتأبين قائد عمان وباني نهضتها الحديثة الذي أفنى 50 عاما من العمل الدؤوب في بناء بلده عمان ومد الجسور مع سائر الشعوب.
وأشارت الكلمة إلى أن القائد الراحل كان قد جاب ربوع عمان في جولات سنوية التقى خلالها بأبناء شعبه واسمتع لهم وعمل على نقل مطالبهم إلى أرض الواقع، وقد أحب شعبه فأحبه، وتوحدوا حوله صفا واحدا لا شقاق ولا فتن.
وأكد الحسان بأن السلطان قابوس ترك أثرا خالدا لأبناء وطنه بما حققه من تنمية مستدامة محورها الإنسان العماني.
وأشار إلى الخطاب السامي لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم الذي أكد فيه على أن المغفور له السلطان قابوس بنى دولة عصرية شهد لها الجميع وشيد نهضة راسخة.
كما نوهت الكلمة بالدور التاريخي للسلطان الراحل في القيادة وما تركه من إنجازات سوف يخلدها التاريخ.
وقال الحسان في الكلمة بأنه إذا كان 23 يوليو 1970 فاتحة عهد جديد فإن السلطنة سوف تواصل مسيرة نهضتها بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – وأنها مستمرة في ذات النهج ودورها في الأمم المتحدة وستظل بلادنا قلعة التاريخ على ذات نهجها القويم وسياستها الخارجية القائمة على حسن الجوار والإخاء بين الشعوب.
وفي النهاية أكد مندوب السلطنة شكره للأمم المتحدة على إقامة هذه الجلسة التأبينية وشكر الأمين العام للأمم المتحدة مع تجديد الثقة له في رسم تطلعات المنظمة الدولية.