السلطان قابوس بن سعيد.. يد بيضاء وقلب حان وخير سابق

ببناء الجوامع محليا ودوليا ومؤازرة كل محتاج وتشجيع العمل التطوعي –

اعداد: خلود الفزارية –
إذا حاولنا أن نتوقف لدى الأعمال الخيرية التي قام بها جلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- فلا يمكننا أن نجمعها في تقرير أو نذكرها كلها بسبب كثرتها، ولكن حسبنا أن نشير إلى آخر عمل قام به جلالة المغفور له وهو أن أمر بتوزيع المائدة المعدة لاستضافته في بلجيكا -للعلاج الذي عاد منه قبل أن توافيه المنية- لجمعية تعنى بالأطفال الأيتام، وكفى بذلك إشارة على كرم الرجل الذي لمست يده البيضاء مخيمات اللاجئين، وأكثر بقاع العالم فقرا، ودعمه للجمعيات الخيرية الدولية أو إيصالها عبر جمعيات وسيطة للوصول إلى المحتاجين، ناهيك عن التبرعات بالمساجد والمدارس والقاعات الفكرية والدراسية، وحتى الكراسي الجامعية التي حملت بصمة عمانية حانية من توقيع جلالة السلطان قابوس رحمه الله.

الجوامع السلطانية

وقام جلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- بتمويل البناء أو الصيانة لعدد من المساجد في السلطنة وخارجها، لا سيما جامع السلطان قابوس الأكبر، وكذلك الأماكن المقدسة للأديان الأخرى. وفي السلطنة، تعتبر الجوامع السلطانية من أكثر المبادرات الخيرية إشعاعا، حيث شهدت عمارة المساجد طورًا فريدًا في عهد النهضة المباركة التي شيدها جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- وتم تسخير كل الإمكانيات في مختلف ولايات السلطنة، لخدمتها ورعايتها والعناية بها، فغدت تمارس دورها في أبهى صورة، وعلى أكمل وجه، وفي مختلف المجالات الدينية والعملية والفكرية والحضارية والاجتماعية، فضلا عن المرافق التي تحويها كالمكتبات وقاعات المحاضرات ومختبرات الحاسوب ومدارس القرآن الكريم.
وبلغ عدد الجوامع السلطانية المفتتحة للشعائر ستة وثلاثين جامعًا، تتابع كافة شؤونها إدارة المساجد والأوقاف بالمركز بالتنسيق مع المنشآت السلطانية، بالإضافة إلى جامع زنجبار بجمهورية تنزانيا الاتحادية، كما أن هنالك أربعة عشر جامعًا سلطانيا موزعة على مختلف محافظات وولايات السلطنة، وتقام بشكل سنوي عدة أنشطة بتلك الجوامع، من بينها الدورات الصيفية لتعليم القرآن الكريم، وتستهدف هذه الدورات الطلبة والطالبات في الصيف تحديدا، وقد بلغت هذا العام 2019م الدورة الخامسة عشرة، هذا إلى جانب المدارس القرآنية الثابتة الملحقة بكل جامع، والـتي تستقبل الطلبة على مدار العام، كما تقام في الجوامع السلطانية والمساجد التابعة للمركز الـبرامج المسـجدية المختلفة، المتمثلة في المحاضرات والدروس الدورية، وحلقات العمل والتدريب، والـتي بلغ عددها في عام 2018م أكـثر من تسعمائة درس وحلقة ومحاضرة، وإضافة إلى ذلك تقام العديد من فعاليات وبرامج خطة النشاط الثقافي السنوية للمركز في هذه الجوامع، فضلًا عن استغلال قاعات المناسبات الموجودة بها من قبل المجتمع لإقامة المناسبات الاجتماعية المختلفة.

الجمعيات الخيرية

من أبرز المبادرات الخيرية التي أقامها جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- الهيئة العمانية للأعمال الخيرية التي أنشئت بموجب المرسوم السلطاني (6/‏‏96)، الصادر بتاريخ 18 شعبان 1416هـ الموافق 9 يناير 1996م. ونص المرسوم على أنها هيئة أهلية للأعمال الخيرية، وتتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري. والموقع الرئيسي للهيئة في محافظة مسقط، وبالتحديد في منطقة الخــوير (33) بولاية بوشر، بجوار الكلية التقنية العليا، وبالقرب من جامع السلطان سعيد بن تيمور.
وانبثقت الجمعية من حرص جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- على المشاركة المجتمعية، وتشجيعه للعمل المتشارك، وتحقيق مبدأ التكافل والأخوة والترابط في هيكل المجتمع العماني، وربطه مع الشعوب الأخرى، للشعور بمعاناتها والإحساس بها، ولمساعدة المحتاجين في كل مكان.
وتقوم الهيئة العمانية للأعمال الخيرية بجهود كبيرة بخطى ثابتة منذ أن تأسست في عام 1996م؛ وذلك من أجل تحقيق أهدافها النبيلة وغاياتها السامية التي أنشئت من أجلها، والمتمثلة في تلقي وجمع التبرعـات والهبـات وغيرها من الأموال المبذولة تعبدًا أو تطوعًا؛ وذلك من أجل إيصالها إلى مستحقيها، ودعم وتمويل المشروعات التي ترعى الطفولة أو الأيتام أو العجزة، ودعم وتمويل مشروعات وبرامج الرعاية الاجتماعية التي تعود بالنفع على المواطنين، وتقديم المساعدات العاجلة (الإغاثة) للمتضررين داخل السلطنة أو خارجها -سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات- من الكوارث أو الحرائق أو الحوادث، وتقديم المساعدات للمؤسسات الاجتماعية والخيرية والفقراء والمحتاجين داخل السلطنة، وخارجها أحيانًا.

العمل التطوعي

كان السلطان الراحل -طيب الله ثراه- يولي كل الاهتمام للأعمال التطوعية ومساندتها، وكان يشجع على العمل التطوعي بمختلف أشكاله ويحفز عليه، ورفعت وزارة التنمية الاجتماعية مقترحها حول جائزة العمل التطوعي التي حازت على الموافقة السامية لجلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- على المقترح النهائي للجائزة المنقول بخطاب معالي السيد وزير ديوان البلاط السلطاني -آنذاك- رقم 3200/‏‏2010 بتاريخ 9 شوال 1431 هـ الموافق 18 سبتمبر 2010م. وشرعت بعدها في اتخاذ الإجراءات اللازمة للجائزة.
وتحددت رؤية الجائزة في التقدير لكل عمل تطوعي جسد العطاء بأسمى معانيه، والتحفيز لكل جهد مبارك يثري العمل التطوعي ويضمن استمراريته، ولتعزيز وتنشيط دور المؤسسات المجتمعية والأفراد في مجالات العمل التطوعي الشركات والأفراد الداعمين للعمل التطوعي انطلاقا من المسؤولية الاجتماعية، واستكمالا للدور الذي تقوم به الوحدات الحكومية، لتحقيق دور متميز في أنشطة العمل الاجتماعي في مختلف مجالاته وتكريم المشاريع المجيدة للارتقاء بمستويات العمل التطوعي تلبية لاحتياجات المجتمع.
ولترسيخ ونشر ثقافة العمل التطوعي باعتبارها جزءا لا يتجزأ من ثقافة المجتمع العماني المتطور، تنوعت مجالات الجائزة بين المجال الاقتصادي، والبيئي، وتقنية المعلومات، والرياضي، والتراثي، والدفاع المدني، والاجتماعي، والصحي، والمعاقين، والطفولة والشباب، والإعلامي، والثقافة والفنون والآداب، والعمل الخيري، والتعليمي والتربوي، والمرأة، لتحقق أكبر فائدة بالعمل المقدم للمجال الإنساني والاجتماعي والتنموي.
كما كان السلطان قابوس -طيب الله ثراه- داعما لكل محتاج سواء بالتبرعات أو إنشاء المدارس والخدمات، أو توفير فرص الدراسة والعمل ودعم المشاريع الخيرية، وكان من أبرز الأعمال التي قدمها في حياته التبرع لليونسكو في أوائل التسعينات حيث موَّل جائزة السلطان قابوس للحفاظ على البيئة؛ للاعتراف بالمساهمات البارزة في إدارة البيئة أو الحفاظ عليها، حيث تُمنح الجائزة كل سنتين منذ عام 1991.

موقفه من آثار الحروب

جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- ينأى قدر الإمكان عن الخوض في الحروب أو الاقتراب من شرارتها، وكان يبذل كل الجهد من أجل محاولة تفاديها من خلال الحوارات، والتدخل لإحلال السلام، ولكن الرياح لا تجري دائما بما تشتهي السفن، فما كان من المغفور له إلا أن يدعم من يقع تحت وطأة ويلات الحروب من الأهالي الذين لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا يعيشون في مناطق مشتعلة، وكان جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- يأمر بتزويد الأهالي بالمؤن الغذائية بعد أن حلت بهم المجاعات، والعناية الطبية، لما قد تفشى بينهم من أمراض، وهم عزل لا حول لهم ولا قوة، وكان لذلك بالغ الأثر في نفوس هؤلاء، حيث وجدوا الرحمة حين غابت كل وسائل الراحة وحوصروا بالحروب وتوابعها.