تهيئة عملية للرؤية المستقبلية «عمان 2040 »

د. عبدالحميد الموافي –

في الوقت الذي اختار الله سبحانه وتعالى فيه جلالة المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد، ليكون الى جواره بين الصديقين والشهداء، وحسن اولئك رفيقا، فان جلالته ـ طيب الله ثراه ـ أصدر كعادته في الاول من الشهر الجاري المرسوم السلطاني رقم (1/‏ 2020) باصدار الميزانية العامة للدولة، ايذانا بالعمل بها من جانب مختلف مؤسسات الدولة، لتواصل ماكينة العمل والأداء دورانها في كل المجالات من أجل تحقيق حياة افضل للمواطن العماني على امتداد هذه الارض الطيبة، وللتمهيد ايضا لدخول السلطنة الى المرحلة القادمة من التنمية الوطنية في إطار الرؤية المستقبلية (عمان 2040).

ومن المعروف على نطاق واسع ان الميزانية العامة للدولة ليست مجرد ارقام ايرادات ومصروفات بالنسبة للقطاعات المختلفة على الصعيد الوطني، ولكنها تشكل في الواقع خارطة طريق، أو جدول اعمال، أو تصورا محسوبا ومأمولا بالنسبة لأداء وسير مختلف القطاعات، انتاجية وخدمية، خلال مدة عام تمتد من الاول من يناير وحتى الحادي والثلاثين من ديسمبر، وبالنسبة لميزانية عام 2020، فانها تغطي الفترة من اول يناير الجاري حتى نهاية ديسيمبر القادم. وعادة ما ترتكز ارقام الميزانية، ايرادات ومصروفات، على توقعات الاداء للقطاعات المختلفة، في ضوء المعطيات والمؤشرات والاداء الطبيعي لكل قطاع وما يراد تحقيقه، ومدى تأثير العوامل المختلفة، وخاصة اسعار النفط في الاسواق العالمية، والتي تكتسب اهمية خاصة بحكم ان الايرادات النفطية تشكل الجزء الاكبر من الايرادات الحكومية، وفي ظل الطبيعة التنبؤية للميزانية، بحكم انها تغطي الاشهر الممتدة على مدار العام وما قد يحدث فيها، فان كلمة، أو وصف « المفترضة أو المتوقعة » يستخدم عادة، ليظل هناك هامشا للحركة لمواجهة مختلف الظروف والتطورات.
ومع ذلك فان هذا لا يعني ان ارقام الميزانية غير واقعية، أو غير دقيقة، او مقدرة عشوائيا، أو مزاجيا مثلا، فهذا كله غير صحيح وغير موجود، لأن الميزانية تخضع عادة، في مراحل اعدادها ومناقشتها واقرارها، وحتى مرحلة الاصدار بمرسوم سلطاني، تخضع للكثير من المناقشات والتدقيق، سواء في القطاعات والجهات المعنية المختلفة، أو في مجلس الوزراء، أو من جانب مجلس الشورى ومجلس الدولة اللذين يوافقان على مشروع الميزانية المحال من الحكومة، وتكون لكل منهما مرئياته، التي يراعيها مجلس الوزراء عادة، عند اصدار الميزانية وكذلك ضوابط العمل بها في مؤسسات الدولة المختلفة.
ولعل هذا هو ما يجعل الميزانية اقرب الى خطة العمل، أو جدول الانفاق للقطاعات المختلفة، كما سبقت الاشارة، وفي هذا الاطار، فانه من الاهمية بمكان الاشارة باختصار شديد الى عدد من الجوانب، لعل من اهمها ما يلي:
أولا: انه بالرغم من ان السلطنة ومختلف دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بوجه خاص، والدول العربية بوجه عام، سعت وتسعى الى اعطاء دفعة كبيرة للقطاع الخاص ليقوم بدور اكبر في الاستثمار والانتاج والتشغيل في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني، وبرغم التسهيلات العديدة في هذا المجال، بما في ذلك تحديث القوانين ذات العلاقة، الا ان الواقع، حتى الآن على الاقل، يشير الى ان الدولة هى المنفق الاكبر، وأنها هي المشغل الاكبر ايضا، بحكم دورها الاجتماعي والتنموي، سواء في دول الخليج العربية او الدول العربية الاخرى بدرجات متفاوتة، ومعنى ذلك ان القطاع الخاص، وبرغم زيادة مساهمته في الاستثمار والتشغيل، الا انه يظل معتمدا على الدولة، وعلى حجم انفاقها الاستثماري والمتكرر، وكلما كان ذلك كبيرا كلما ابتهج القطاع الخاص، والعكس صحيح، وهي مسألة عملت السلطنة وتعمل بمختلف السبل من أجل الوصول بالقطاع الخاص الى مرحلة الفطام وزيادة اسهامه المأمول في الاقتصاد وفي الاستثمار وتشغيل الباحثين عن عمل وفي الناتج القومي الاجمالي.
ومن المعروف ان المغفور له بإذن الله جلالة السلطان قابوس أصدر عدة مراسيم سلطانية خلال عام 2019 منها المرسوم السلطاني رقم (22/‏ 2019) في 29 فبراير 2019، بانشاء المركز الوطني للتشغيل والذي يتبع مجلس الوزراء ليحل محل الهيئة العامة لسجل القوى العاملة، وليقوم بدور مركزي وتخطيطي في مجال التعامل مع مسألة الباحثين عن عمل وبمزيد من الفاعلية والقدرة على تحديد ابعاد المسألة بكل جوانبها بشكل علمي، وليكون نقلة نوعية في هذا المجال والاستفادة من دروس الفترة الماضية. وقد بدأ المركز الوطني للتشغيل عمله الفعلى مع بداية هذا العام، ومن المأمول ان يحقق خطوات ايجابية وملموسة خلال الفترة القادمة. من جانب آخر صدر المرسوم رقم ( 50/‏2019) باصدار قانون استثمار رأس المال الأجنبي في الاول من يوليو الماضي، والذي منح مزيدا من التسهيلات للاستثمار الاجنبي وسيتم العمل بالقانون اعتبارا من منتصف الشهر الجاري، اي بعد ستة اشهر من تاريخ نشره. ومن أجل اعطاء مزيد من الحيوية والتشجيع للقطاع الخاص وزيادة مشاركته في قطاعات حيوية، تم اصدار قانون التخصيص بموجب المرسوم السلطاني رقم (51/‏ 2019) وكذلك المرسوم السلطاني رقم (52/‏ 2019 ) باصدار قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص والمرسوم السلطاني رقم (53/‏ 2019) باصدار قانون الافلاس وانشاء «الهيئة العامة للتخصيص والشراكة »، وذلك بموجب المرسوم السلطاني رقم ( 54/‏ 2019) وهذه المراسيم المشار اليها والصادرة ايضا في الاول من يوليو الماضي، تشكل في الواقع ركيزة اساسية لتعزيز تنافسية الاقتصاد العماني والتمهيد ايضا للرؤية المستقبلية «عمان 2040» التي سيتم البدء في تنفيذها مع بداية العام القادم 2021. ومن هنا فان تفعيل تلك القوانين وتهيئة الاقتصاد العماني للدخول الى المرحلة القادمة هو امر يعتمد في جانب منه على الميزانية العامة للدولة وما تضمنته من مخصصات لمختلف القطاعات.
ثانيا: انه بالرغم من الضغوط التي ترتبت على الانخفاض الحاد في اسعار النفط في الاسواق العالمية منذ منتصف عام 2014 وتذبذبه منذ منتصف عام 2018، الا ان الاجراءات التي اتخذتها الحكومة، سواء على صعيد ترشيد الانفاق من ناحية، وتعزيز اجراءات وخطوات التنويع الاقتصادي، وخاصة في اطار البرنامج الوطني للتنويع الاقتصادى ( تنفيذ ) قد خففت ولو نسبيا من الاثر السلبي لانخفاض اسعار النفط، وفي هذا الاطار فان حجم الانفاق في ميزانية عام 2018 كان 12.5 مليار ريال عماني، في حين بلغ حجم الانفاق في ميزانية هذا العام 2020 نحو 13 مليارا ومائتي مليون ريال عماني، وهذا الحجم من الانفاق يزيد بنحو 2%عن حجم الانفاق في ميزانية العام الماضي. ومع الوضع في الاعتبار الزيادة الطبيعية في الانفاق المتكرر، من اجور ومعاشات وغيرها، فان من الأهمية بمكان الاشارة الى انه تم التأكيد في الميزانية الحالية على الحفاظ على مخصصات التعليم والصحة والضمان الاجتماعي وعدم تخفيضها، بل زيادتها لاستيعاب النمو الطبيعي لتلك الخدمات بفعل الزيادة السكانية. ويعني ذلك ببساطة ان الحرص الذي توليه الحكومة، وبتوجيهات من المغفور له السلطان قابوس بعدم المساس بمخصصات التعليم والصحة والضمان الاجتماعي تحت أية ظروف، هو امر متواصل، وهو اسهام حقيقي في الحفاظ على مستوى الخدمات التي توفرها الحكومة والعمل على تطويرها وتحديثها بقدر الامكان لصالح المواطن العماني وفي مختلف ولايات السلطنة، للحفاظ على مستوى المعيشة للمواطن العماني والعمل على تحسينها كلما كان ذلك ممكنا وفي اطار الامكانات المتاحة. اما حجم الايرادات في ميزانية هذا العام فانه يصل الى نحو عشرة مليارات وسبعمائة مليون ريال عماني وذلك على اساس احتساب سعر برميل النفط عند 58 دولارا، ومن المأمول ان يتحسن سعر النفط في الاسواق العالمية، بفعل تخفيضات انتاج النفط من جانب منظمة اوبك والدول المتعاونة معها من غير اعضائها ومنهم السلطنة من ناحية، وبفعل التحسن المتوقع في حركة الاقتصاد والتجارة العالمية هذا العام من ناحية ثانية، ثالثا: انه في الوقت الذي بدأت فيه السلطنة بالفعل اتخاذ عدة اجراءات من اجل تنويع مصادر الدخل والحد من الاعتماد على العائدات النفطية، وذلك بزيادة اسهام القطاعات غير النفطية وزيادة القيمة المضافة لتلك القطاعات، فان اهمية ميزانية هذا العام، وهي السنة الاخيرة في الخطة الخمسية التاسعة ( 2016 -2020 ) انها تتواكب مع هدف اعطاء اولوية للنهوض بخمسة قطاعات هي قطاعات الصناعات التحويلية، والنقل والخدمات اللوجستية، والسياحة، والثروة السمكية، والتعدين، ومن ثم فان اولوية تلك القطاعات في الانفاق العام في اطار الميزانية، ووفق الضوابط المحددة التي تحكم الاداء المالي للدولة، انما يصب في الحقيقة في اتمام استراتيجية الرؤية المستقبلية « عمان 2020 » واستكمال المشروعات الجاري العمل بها، أو بعضها وفق الجداول الزمنية لها، للتمهيد للدخول بقوة الى المرحلة القادمة التي تحدد أفاقها الرؤية المستقبلية «عمان 2040 » بكل الآمال المتوقعة لها، وهي آمال مبنية على اسس وركائز عملية محددة، سواء تلك التي تم انجازها خلال الاعوام الخمسة والعشرين الماضية، أو التي حددتها الرؤية المستقبلية « عمان 2040» التي يجري الاعداد لها منذ اكثر من عامين.
ومما له اهمية ودلالة عميقة ان جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – قد أشار، في كلمته التي وجهها الى الشعب العماني بعد توليه منصبه يوم السبت 11 يناير الجاري، الى اهمية وضرورة بذل المزيد من الجهد والتعاون بين ابناء الوطن لمواصلة السير على النهج الذي رسمه المغفور له السلطان قابوس – طيب الله ثراه – وكان جلالة السلطان هيثم بن طارق رئيس اللجنة الرئيسية للرؤية المستقبلية «عمان 2040 » قد رعى في 27 يناير 2019 اعمال المؤتمر الوطني للرؤية المستقبلية «عمان 2040» وذلك بمشاركة واسعة النطاق من جانب مختلف شرائح المجتمع وخاصة فئة الشباب، وقد اشار جلالته في افتتاح اعمال المؤتمر قبل نحو عام الى أن «ملامح الرؤية الاولية التي يطرحها المؤتمر هى رؤيتكم ونتاج تطلعاتكم الجادة واننا نطمح وبمشاركتكم جميعا الى تحقيق فهم اعمق لتكامل الادوار بين مختلف مكونات المجتمع العماني من حكومة وقطاع خاص ومجتمع مدني وافراد ومواطنين ومقيمين» والمؤكد ان هذا الادراك يفتح المجال امام مزيد من التفاعل والاسهام في صياغة ركائز الرؤية المستقبلية «عمان 2040»، وهو حق وواجب ايضا على الشباب القيام به، خاصة وان هذه الرؤية تفتح المجال امام هذا الجيل والاجيال القادمة للتفاعل مع التطور العلمي والتكنولوجي المتسارع في العالم من حولنا، ولذا فانه ليس مصادفة ابدا ان تتمثل اهداف الرؤية المستقبلية عمان 2040 في التعليم والبحث العلمي، وتمكين القدرات الوطنية، وتحقيق رفاه مستدام عماده الرعاية الصحية الرائدة، وادارة اقتصادية تدعم التنوع الاقتصادي، وتطور بيئة سوق العمل والتشغيل وتتيح للقطاع الخاص اخذ زمام المبادرة لقيادة اقتصاد وطني تنافسي مندمج مع الاقتصاد العالمي والمحافظة على استدامة البيئة، وبينما تشكل ميزانية هذا العام حلقة وصل بين خطة التنمية التاسعة (2016 /‏2020) وخطة التنمية الخمسية العاشرة (2021 /‏2025 ) وبين الرؤيتين المستقبليتين «عمان 2020» و«عمان 2040» بكل ما يعنيه ذلك من استمرارية وتواصل في جهود التنمية والعمل على انجاز مزيد من المشروعات، فان الاقتصاد العماني ينطلق بقوة وارادة وتكامل اكبر واوسع بين مختلف القطاعات للسير نحو تحقيق اهداف التنمية المستدامة في مختلف القطاعات وتحقيق حياة افضل للمواطن العماني كشريك في صنع التنمية والاستفادة بثمارها ايضا.