موازنة 2020 وآفاق الاقتصاد العماني

إميل أمين –

تأتي الموازنة المالية للعام المالي الجديد 2020 مواكبة للخطة الخمسية التاسعة للاقتصاد العماني تلك التي تركز جهودها على رفع مساهمة القطاعين التجاري والصناعي في الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة، ودعم جهود التنمية الاقتصادية المستدامة، وزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر.

يلفت الانتباه بداية أن الخطوط العريضة للموازنة فيها الكثير من الذكاء لا سيما أنها قدرت سعر برميل النفط بحدود الـ 58 دولارا، الأمر الذي يعني أن هناك فائضا آتيا ولا ريب لمداخيل موازنة العام الحالي انطلاقا من الزيادة التي طرأت بالفعل على أسعار النفط من جهة، والتوقعات بزيادتها من جهة أخرى خلال هذا العام لأسباب مختلفة سواء ما هو متعلق منها بحالة الطقس والبرد القارس الذي يعاني منه العالم، أو من جراء التوترات السياسية شرق أوسطيا وفي منطقة الخليج، وفي كل الأحوال فإن ارتفاع أسعار النفط سوف تصب في صالح الموازنة المالية الحالية، والتي يمكن للمرء أن يرصد زيادة في الإنفاق فيها بما يعادل 2%.
يتساءل المراقب للوضع المالي والاقتصادي العماني بشكل عام: كيف قدر للسلطنة أن تعبر الأزمات المالية التي تعرضت لها دول المنطقة من جراء التغير الحاد في أسعار النفط بنوع خاص؟
أمران لا شك فيهما ينبغي أن نشير إليهما في هذه السطور، السياسة والاقتصاد، سيما أنهما عنصران متشابكان ومتقاطعان ولا ينفصلان أبدا فالسياسة تمهد الطريق للاقتصاد، والاقتصاد يقدم للسياسة الأدوات اللازمة لتنفيذ أجندتها في الحال والاستقبال.
يمكن القطع ومن دون أدنى شك أن نجاحات الاقتصاد العماني ليست وليدة اليوم، ولا الأمس وإنما هي نتاج خمسة عقود من عمر النهضة المباركة، خمسة عقود قادت فيها حكمة جلالة السلطان قابوس- طيب الله ثراه- البلاد إلى حالة من الاستقرار السياسي، عبر تهيئة أجواء السلام الداخلي بين العمانيين وبعضهم البعض، وهذا أمر لو يعرف المراقبون عظيم الأثر، فالنسيج الاجتماعي للعمانيين أضحى وسوف يبقى الميراث الحقيقي للعمانيين عبر الأجيال.
أما السلام الخارجي فتمثل في إنهاء كافة الملفات الحدودية بين السلطنة وجيرانها، الأمر الذي انعكس ولا شك في جعل السلطنة واحة من واحات السلم والأمن الكبيرين في المنطقة، ومن هنا كانت رؤوس الأموال والاستثمارات تتدفق إلى السلطنة، التي طالما باتت عنوانا للاستقرار السياسي والإنساني، والمعروف أن رأس المال كما يقال «جبان»، وبالقدر نفسه يمكن أن يكون شجاعا حال وجد الأجواء التي تدفعه إلى الأمام، وهو ما وجده قولا وفعلا في أرض السلطنة طوال العقود الماضية.
ماذا عن الجانب الاقتصادي؟
عبر سنوات طوال مضت رؤية السلطنة الاقتصادية في طريق تعظيم الرؤى الشاملة للاقتصاد الكلي وسبقت في هذا الطرح الكثير من الدول الغربية المغرقة في الرأسمالية..
ماذا نعني بالاقتصاد الشامل؟
ليلاحظ القارئ أننا نتحدث عن الاقتصاد الشامل وليس الشمولي، لا سيما أن الأخير أكثر ما يكون ارتباطا بالأنظمة التوتاليتارية والسلطنة عنوانها الشورى التي تزدهر يوما تلو الآخر.
يعني الاقتصاد الشامل عدم الاعتماد على مصدر واحد من مصادر الدخل، وكي لا تضحى السلطنة مرتهنة لتغيرات أسعار أو تعديلات أوضاع اقتصادية، ومن هنا كان النظر إلى العوائد النفطية أوسع من مجرد اعتبار الأمر تحقيق لاقتصاد ريعي يأتي مرة وينفق مرة وما من مردود على البشر والحجر من ورائه.
هنا يمكن الإشارة إلى أن السلطنة بلورت طروحات وشروحات وبرامج فاعلة للتنويع الاقتصادي ولاستغلال العائد النفطي أفضل استغلال من خلال فتح آفاق الاستثمار واستغلال الثروات الطبيعية للبلاد، لا سيما السياحية والمائية وهي ثروات متجددة ونابضة بالحياة في الحال والاستقبال.
ما الذي يميز موازنة عمان لعام 2020؟
الشاهد أنها ركزت على تقليل العجز المالي، وتخفيض الإنفاق حتى يمكن المحافظة على مستوى مناسب من الدين العام كنسبة مئوية من الناتج المحلي كما تهدف على المدى الطويل إلى السعي لتحقيق التوازن المالي في المدى الزمني المتوسط من خلال الحفاظ على الضبط المالي ومستويات العجز تحت السيطرة، وتعزيز مساهمة الإيرادات غير الهيدروكربونية في إجمالي الإيرادات الحكومية بطريقة تؤدي إلى تقلل الاعتماد على قطاع النفط.
تهدف موازنة عمان 2020 إلى مواصلة ترشيد الإنفاق العام مع تعزيز كفاءته، علاوة على ذلك تم تحديد سقف الإنفاق للجهات الحكومية على المدى المتوسط، وتحديد وسائل تمويل مبتكرة لبعض المشروعات والخدمات الحكومية.
يستلفت الانتباه في موازنة العام الجاري أنها تراعي الأبعاد الاجتماعية للمواطنين، ومن هنا ورغم العجز الطفيف الذي ستقومه ولا شك ارتفاعات أسعار النفط تزيد من الإنفاق كي يبقى مستوى ومعدل الأمان الاجتماعي لكافة العمانيين عند الحدود الآمنة والتي تحافظ أبدا ودوما على حالة السلام الاجتماعي الأمر الذي يعزز كل يوم وعام بعد عام من إمكانيات السلطنة الاقتصادية خاصة في ظل ما تملكه من إمكانات واعدة.
يلاحظ المرء أن الموازنة لا تنغلق على القطاع العام وحسب، بل إنها تفتح الأبواب واسعة أمام القطاع الخاص وقد كان هذا ديدن سياسة الدولة منذ وقت مبكر جدا. إن الاقتصاد المحلي العماني يمكن أن يشارك فيه القطاع الخاص مشاركة إيجابية ومبدعة تستنهض كافة قوى العمانيين وتوفر المزيد من فرص العمل، ولهذا فإن موازنة العام الجاري تهدف ضمن أهدافها العديدة إلى توسيع مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ وإدارة بعض المشاريع والمرافق، وتقديم الخدمات، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة عن طريق تخصيص بعض المشاريع الحكومية لهذه الشركات بالإضافة إلى الاستمرار في تقديم القروض للشركات الصغيرة والمتوسطة من خلال صندوق الرفد وبنك التنمية العماني.
والثابت انه لا يمكن أبدا بحال من الأحوال أن نخرج الحديث عن الموازنة العمانية 2020 عن إطار الاقتصاد العماني الكلي دفعة واحدة… فماذا عن آفاق هذا الاقتصاد في العام الجديد وفي الأعوام التالية لا سيما أن السلطنة كما أنها تتعامل برؤية الاقتصاد الشامل، فإنها كذلك تضع خطوطها وتنسج خيوطها إلى أكثر من عقدين قادمين وعبر ما يعرف بالرؤية المستقبلية 2040؟
المؤكد وكما أشرنا سلفا أن الاستقرار السياسي العماني قد دفع السلطنة لأن تضحى أرضا خصبة للاستثمارات العالمية القائمة منها والقادمة، وباتت تلك الاستثمارات تلعب دورا كبيرا في تعزيز الاقتصاد المحلي في ظل الاتجاه نحو التنويع الاقتصادي.
في هذا السياق يمكن للمراقب للأوضاع الاقتصادية العمانية أن يلاحظ الاهتمام العالمي من قبل الشركات الدولية الكبرى الساعية للتنقيب عن النفط والغاز في منطقة الخليج العربي ومن حول سواحل السلطنة ومياهها الإقليمية الغنية بهذين العنصرين المؤثرين في مسار ومسيرة الطاقة العالمية.
لعل المطلعين على التقارير الخاصة بالطاقة في منطقة الخليج العربي يراقبون التقديرات التي حفلت بها حول الاتفاق الأخير الذي وقعته وزارة النفط والغاز العمانية للتنقيب عن الغاز مع شركة ايني الإيطالية وبيبي عمان لمربع 77، الذي يشكل أحد الاستثمارات في حقل النفط والغاز، الذي لا يزال يلعب دوره إلى الآن في اقتصاد السلطنة وفي الأسواق العالمية للطاقة.
لا تتوقف الآمال والآفاق الاقتصادية العمانية الواعدة فيما يخص الغاز والنفط عند المربع 77 فمستقبل الاستثمارات تجاههما تظل رحبة ومبشرة، وأن هناك إقبالا عالميا على السوق العمانية لما لها من إيجابيات، حيث يخدم كل ذلك في نهاية المطاف الإطار الكلي لدفع الاقتصاد العماني في برامج التنويع والرؤى المستقبلية، فالاستثمار في النفط والغاز يأتي بموارد مالية سوف تسهم في القطاعات الأخرى بمجالات التنمية المتعددة.
أحد أهم الآفاق التي تميز الاقتصاد العماني ومنذ بدايات النهضة أفق العنصر البشري، فقد ظل الإنسان هو القضية والحل، ومن هنا وجهت كافة جهود الدولة في سياق التعليم والتطوير والتنمية الفكرية الإنسانية المستدامة، تلك التي كفلت لعمان والعمانيين نهضة حقيقية وترق واضح في مدارات الحضارة التي تخدم البشر من خلال الحفر والنقش على الحجر.
مرة أخرى توضح المؤشرات الاقتصادية العمانية الواردة في القراءات الدولية أن السلطنة قد نجحت في تنفيذ مشروعات التنمية البشرية المستدامة، ما يمكن الاستدلال عليه من نمو البيئة العلمية التطبيقية، وكذلك من عدالة الاهتمام بتقليص الفجوات المعرفية والخدمية بين البيئتين الريفية والمدن بضواحيها. ولعل التغطية الاستثمارية الناجحة لشبكة الطرق الرابطة بينهما ما يؤكد ذلك، والعمل على إحداث تغيير اجتماعي واقتصادي من خلال تشييد القرى العصرية.
في الموازنة الحالية للعام الجديد انعكاس كذلك للنهضة الصناعية التي تعيشها السلطنة في العقود الخمسة الأخيرة، فقد أولت الدولة القطاع الصناعي اهتماما كبيرا منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي، من أجل تطوير الصناعة، والعمل على نقلها إلى آفاق جديدة تواكب المراحل التي تمر بها مسيرة التحديث والنهضة في السلطنة، وأن ظلت منظومة القطاع الصناعي تعمل مع القطاعات الأخرى في المسار الكلي للاقتصاد الوطني.
ماذا عن المستقبل الصناعي في السلطنة؟
نلاحظ أن السلطنة من أكثر الدول إيمانا واعتقادا بفكرة اقتصاد الابتكار، هذا الطرح الجديد الذي يقود إلى دائرة مغايرة من دوائر النجاحات الاقتصادية حول العالم وعليه فالرهان الدائم في السلطنة حول الفكر الصناعي يشاغب ويشاغل الأفكار الجديدة ويخرج من القوالب النمطية، الأمر الذي يجعل مساراته ومساقاته تتلاقى بكل تأكيد وتحديد مع الأجواء الاقتصادية العالمية وما يفتح آفاق واسعة أمام الأجيال الجديدة القادمة ولا شك.
يذهب المحلل المالي «رامونج فينكاتيش» إلى أن السلطنة تمضي بخطى ثابتة في طريق الازدهار وأنها استفادت من وضعها المطمئن في موقع جغرافي واستراتيجي مهم، والذي جذب المستثمرين الأجانب، ويضيف: «أضحت السلطنة لاعبا إقليميا، فسياسة البلد السلمية ومواقفها المعتدلة تعني أنها قادرة على جذب العديد من المستثمرين ويعني موقع السلطنة الجغرافي المهم أن العديد من المستثمرين سيأتون إلى هنا في المستقبل، لأنه من عمان يمكنك شحن البضائع إلى العديد من المناطق في المنطقة»، كما أن الناتج المحلي الإجمالي الأقوى يبشر بالخير بالنسبة للناس لأن المزيد من الناتج المحلي الإجمالي يعني أن هناك المزيد من الأموال للاستثمار في برامج التنمية.