استفاقة الدبلوماسية.. هل هى دائمة أم مؤقتة؟!

د. عبد العاطي محمد –

أما وأن الدبلوماسية في المشهد العربي قد استفاقت من نومها العميق، فإن السؤال المشروع في هذه الحالة هو: هل هي استفاقة مؤقتة أم دائمة؟
والتساؤل بهذا الطرح يحمل قدرا من الشك، بالنظر إلى خبرة الماضي القريب، حيث كثيرا ما عرف المشهد هذه الاستفاقة، وكثيرا أيضا ما تم إجهاضها والعودة إلى المربع الأول. وإن كان من دروس مستفادة لتنزيلها على ما يجرى من انتفاضة لاستعادة دور الدبلوماسية في حل عديد الملفات العربية المتأزمة، فإن المطلوب هو أن تتحقق حلول دبلوماسية دائمة، لا أن تتكرر صور الحلول المؤقتة التي اتضح جليا عدم جدواها.
ما يؤشر على أن هناك استفاقة هو تلك التحركات الدولية التي تسعى إلى وقف التصعيد ومنع كافة السبل التي تدفع بالأطراف المباشرة إلى اللجوء إلى القوة أو الحلول العسكرية، وبمعنى أوسع عدم اللجوء إلى الحرب، يقابل ذلك قدر من الاستجابة من هذه الأطراف. والدليل أن هناك تخفيضا للتوتر على أكثر من صعيد، سواء في الملف الإيراني الأمريكي أو السوري أو العراقي أو الليبي، عنوانه القبول بوقف إطلاق النار والحفاظ عليه حتى لو شهد خرقا هنا أو هناك، وكذلك السعي لمنح الفرصة للحوار والعمل الدبلوماسي بدلا من لغة التراشق بالتهديدات وخلق المخاطر بين الأطراف، معززا بتحركات دولية تقودها الدول الكبرى سواء من جانب الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا أو روسيا ومن دول إقليمية معنية بأزمات المنطقة بداية من إيران إلى تركيا مرورا بعديد الأطراف العربية ذات الصلة.
لم تشأ إيران أن تصب المزيد من الزيت على نار المواجهة القائمة بينها وبين الولايات المتحدة والتي تصاعدت حدتها بعد مقتل سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، فطوت هذه الصفحة برد فعل رأت أنه المناسب. ومن ناحية أخرى لم تشأ أن تغلق الباب في وجه الدول الأوروبية المعنية بالاتفاق النووي بينها وبين واشنطن، هذا برغم التقارب الذي حدث في موقف هذه الدول مع الموقف الأمريكي. وعلى الضفة القريبة لم يسع العراق إلى تصعيد موقفه من مطلب خروج القوات الأمريكية من أراضيه وحافظ على شعرة معاوية مع الولايات المتحدة.
وفي المشهد السوري واصلت موسكو وأنقرة جهودهما لإقامة منطقة آمنة في إدلب برغم كل المواجهات المسلحة الجارية هناك بين القوات السورية وقوات المعارضة المسلحة، وتزامن هذا وذاك مع تحول مفاجئ في الساحة الليبية في اتجاه وقف العمليات العسكرية والانخراط في محاولة دبلوماسية جديدة تتصدر المشهد فيها ألمانيا ومؤيدة في ذلك من روسيا والولايات المتحدة والأطراف العربية ذات الصلة بالإضافة إلى تركيا التي دخلت طرفا صريحا في الأزمة الليبية.
لو نظرنا إلى تجارب الماضي لاستشراف مستقبل الاستفاقة الدبلوماسية الجديدة أو لطرح السيناريوهات الأقرب إلى التحقق، فإننا سنجد أنفسنا أمام سلسلة من التجارب الفاشلة للأسف، حيث تمت محاولات عديدة في كل الملفات الساخنة على مدى السنوات العشر الأخيرة، طرحت حلولا دبلوماسية استبشر بها الجميع وراح الكل خارجيا وفي المنطقة وعلى الأصعدة الوطنية يعمل على أن تؤدي فعلا إلى نهاية سعيدة للأزمات القائمة، واستغرقت هذه المحاولات وقتا ليس بالقصير، ولكن في الطريق تتعثر المحاولة تلو الأخرى في كل ملف، بل حدث ما هو أسوأ من التعثر، وذلك عندما تحول الفشل إلى وقود جديد للعمل العسكري.
وهكذا فإن النتيجة التي يقدمها لنا الماضي هي أن الاستفاقة الدبلوماسية كانت مؤقتة لا دائمة، بمعنى أنها كانت تسير إلى بداية الطرق أو منتصفه وتتوقف معتبرة أن ما حققته إنجازا لا يمكن التقليل منه، وهو ما يخالف الحقيقة، بدليل استمرار الأوضاع المتأزمة على حالها.
إذا كان هذا هو الحال وفقا لتجارب الماضي، فما الجديد هذه المرة أو هل نحن أمام دبلوماسية دائمة لا تتوقف عند مشكلة هنا أو هناك وتستطيع بالتالي أن تحقق إنجازا يغلق الملفات الساخنة؟
للإجابة على هذا السؤال، تتعين الإشارة مبدئيا إلى أن نجاح أية عملية سياسية أو دبلوماسية يتوقف على عدة عناصر يجب توافرها معا، هى رغبة الأطراف (أو الطرفين المتنازعين) في التوصل إلى حل بغير لغة السلاح، والإرادة (أو القدرة) عند هذه الأطراف لتفعيل الحل على أرض الواقع وعلى نحو مضمون، وصيغة الحل أو التسوية السياسية (مضمون الاتفاق)، وأخيرا، وهذا لا يقل أهمية، قدرة الوسيط (أو الضامن) على رعاية التفاوض وتوصيله إلى بر الأمان ومتابعة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وتتضمن القدرة هنا اقتناع الأطراف المتنازعة بدور هذا الوسيط وحزمه في مسار التفاوض.
التجارب السابقة لم تتوافر فيها كل هذه العناصر مجتمعة، وغالبا ما توافر فيها عنصر أو أكثر، وإلا ما كانت قد جرت أصلا، فلا يكفي أن تكون هناك رغبة لاستشعار الأطراف بأنها غير قادرة على الحسم العسكري أو أنها تتكبد خسائر كبيرة، فالأرجح هنا أنها تريد التقاط أنفاسها لتواصل فيما بعد طريقها المسلح!
ولا يكفي أن يستشعر العالم الخارجي أو الأطراف الدولية المعنية الخطر لاستمرار حالة الحرب أيا تكن حساباتها للموقف، لأنها لن تتوصل لأكثر من تهدئة للوضع لا إلى حل دائم أو حتى مؤقت، طالما العناصر الأخرى غير متوفرة. ومن الصعوبة بمكان الثقة في أي حل إذا لم يأتي عادلا أو مرضيا لكل الأطراف. لابد من تنازلات متبادلة ومكاسب متبادلة أيضا وباقتناع من الأطراف. غير ذلك يفتح دائما بابا للخلافات ومن ثم العودة مجددا إلى الصراع واللجوء إلى القوة، وأما قدرات الوسيط فإنها تلعب دورا محوريا في الحل لأنها توفر عامل الثقة عند كل طرف في فائدة ما يتم التوصل إليه، فضلا عما توفره من ضمانات تمنع عدم العودة إلى لغة السلاح.
في المستجدات هناك ما يؤشر إلى وجود متغيرات تسمح بحدوث حرية حركة أوسع للعمل الدبلوماسي أفضل مما كان عليه الحال في تجارب الماضي، ومن ذلك أن الضائقة الاقتصادية عند كل الأطراف في مختلف الملفات وصلت إلى حد يصعب تحمله، وأهمية ذلك أن الإمكانيات الاقتصادية تلعب دورا مهما في الاستمرار في الصراع من عدمه (أو التراجع)، فطالما توافرت أصبح بالإمكان الاستمرار والمراهنة على كسب الجولة في نهاية المطاف، بينما إذا ضعفت، قلت القدرة أو الإرادة على الاستمرار، عامل التكلفة مؤثر للغاية.
في السابق ما كان للأطراف المتنازعة أن تواصل المواجهات لولا اقتناعها بتوافر الإمكانيات الاقتصادية التي تساعدها على فرض رؤيتها للحل. اليوم تغير الوضع إلى حد كبير. ومن ذلك أيضا أن المخاطر الأمنية عند الأطراف المتنازعة قد زادت وتنوعت سبلها حيث لم يعد بمقدورها الاستمرار طويلا في طريق العمل العسكري، في السابق كانت حدة المخاطر وتكلفة مواجهتها أقل من الوقت الراهن.
وأخيرا يأتي عامل ثالث لا يقل أهمية هو وجود دور دولي أكثر حماسة من السابق مهتم بالتوصل إلى حلول سياسية لأزمات المنطقة. لقد تأخر هذا الدور كثيرا، ولكنه الآن قادم بشكل يبعث على التأثير كوسيط مقنع وقادر على توفير الضمانات. والطرف الجديد هو دول أوروبا الغربية الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وليس التركيز فقط على الطرفين الروسي والأمريكي، مع التأكيد على أن هذين الطرفين يدعمان القيادة الأوروبية للتحركات الدولية الجديدة، بما يعني توفير ضمانة مبدئية في مجلس الأمن لأي اتفاقات يمكن التوصل إليها. وفي الحسابات الأوروبية الكثير منها القلق من الهجرة والتداعيات الأمنية عليها (عمليات تنظيم «داعش» من الخلايا النائمة )، والدوافع الاقتصادية من حيث الاستثمارات والطاقة.
بغير عامل الوساطة الدولية القوية والمنجزة، يصعب التأكيد على أن شيئا قد تغير في العناصر الحاكمة للانتقال من الدبلوماسية المؤقتة إلى الدائمة، فليس هناك ما يؤشر على أن عناصر مثل الرغبة والإرادة وصيغة التسوية قد أصبحت إيجابية وتساعد على حل الملفات القائمة، ولكن إذا أخذنا في الاعتبار تأثير المتغيرات السالف الإشارة إليها أي الضائقة الاقتصادية وحدة المخاطر الأمنية يمكن القول أن الفرص متاحة بشكل أفضل من السابق للوساطة الدولية وما توفره من ضمانات. باختصار ما يجري الابتعاد عدة خطوات من الدبلوماسية المؤقتة والاقتراب بضع خطوات إلى الدبلوماسية الدائمة. ولعل ما يجري يكون اختبارا جديدا وربما أخيرا للتعاون الجاد من جانب القوى الكبرى للعمل على إبعاد شبح الحروب عن المنطقة ووضعها على طريق استعادة السلام الذي طال انتظاره.