نسج العلاقات الدولية بمعان غير تقليدية

شكلت مشاهد عديدة من العلاقات بين السلطنة وعدد من دول العالم لحظات مضيئة تسترجع التاريخ البعيد أو القريب في الزمن المعاصر بما يعزز الإخاء الإنساني، ويؤكد أن الجذور العميقة دائما ما تضع ثمارها في أعلى الشجرة ولو بعد حين من ذلك، ويتجلى ذلك المشهد في السفينة صحار الشاهدة على العلاقات بين السلطنة والصين، التي كانت قد وصلت إلى ميناء جوانجو الصينية في الحادي عشر من يوليو 1981، لتؤكد على تاريخ متجذر من التواصل بين شعبي البلدين، أما الحكاية الثانية فتجسدها السفينة جوهرة مسقط التي أبحرت من السلطنة تحديدا من مسقط إلى سنغافورة في السادس عشر من فبراير 2010م، وهي تحمل ذات الخصائص لسفينة منذ قرون خلت بذات المواصفات الشراعية.
في رسالة التعزية والمواساة التي تلقاها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه- من فخامة الرئيسة حليمة يعقوب رئيسة جمهوريـة سنغافورة في وفاة المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيب الله ثراه – يأتي ذكر تلك السفينة «جوهرة مسقط» حيث تشير رئيسة سنغافورة مستذكرة ذلك الحدث وهدية السلطان الراحل إلى جمهورية سنغافورة، وهي إشارة إلى علاقات مميزة بين البلدين كما أنها «تجسد عمق العلاقات التاريخية بين البلدين الصديقين وتحظى بتقدير عال من القيادة والحكومة والشعب السنغافوري الصديق» كما ورد في نص برقية التعزية.
هذه الإشارات والمشاهد تصور لنا جانبا من الفكر السامي للسلطان قابوس رحمه الله الذي حرص على ربط التاريخ بالإطار المعاصر ضمن سياق معرفي وثقافي وإنساني، بعيدا عن الأشكال التقليدية في التعبير، فمثل هذه السفن كانت تحمل رسائل بليغة تؤكد منها خلالها العديد من المعاني المشرقة في فن التواصل والتعايش بين الشعوب، وهي في ذات الوقت تشير إلى أن الماضي والمستقبل هما وجهان لعملة واحدة مع اختلاف المقدار، وأن الأمم العريقة تأخذ من تاريخها لتبني حاضرها ومستقبلها، وهو ما كان السلطان الراحل – طيب الله ثراه – حريصا على تأكيده بالمعاني الواقعية والعملية على أرض الواقع.
إن السياسة وإدارة العلاقات بين الشعوب والأمم والدول فن يتطلب مهارات متعددة ولابد في البدء من استيعاب البنى القديمة والتاريخية للانطلاق نحو الجديد أو الحديث، فدون تأسيس هذا الإطار لا يمكن للشعوب أن تفهم بعضها البعض، وكلما تأكدت العلاقات من خلال ما هو متجذر باتت أكثر ديمومة وقدرة على الاستمرارية باتجاه المستقبل بكل ثقة وثبات في ظل النوايا الطيبة بين الأطراف والعمل المشترك لأجل كل ما هو أفضل بما يخدم مصلحة الجميع.
بهذا يمكن القول بأن بناء الدول عمل كلي وشامل يقوم على أبعاد متشابكة ومعقدة منها ما يتصل بالتاريخ ومنها ما يرتبط بالمعطيات الحاضرة أو الآنية، غير أن المعنى الأوضح في تجسير العلاقات بين الأمم يظل في الضابط الإنساني الذي هو جوهر أي نماء مستدام وعلاقة متزنة مع الآخر.