عقدة الحداثة والتحديث!

محمد جميل أحمد –

الوعي العنيف للسياق الاستعماري المادي الذي صاحب بدايات أشكال الحداثة في المنطقة العربية منذ حملة نابليون إلى مصر في العام 1798م، عكس فيما بعد مع تجربة العنف الاستعماري الذي عم البلدان العربية، صوراً انطباعية للعلاقة مع الحداثة والتحديث في الوعي الخام لحيوات الناس في المجتمعات العربية لاسيما خلال القرن العشرين؛ وهي صور عبرت فيها الرموز خلاصة دلالية مكثفة لمعنى الانكسار والهزيمة بينهم.
ومنذ أن لمس المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي إحدى الآلات التي جلبها الفرنسيون معهم إلى مصر فأصابته بصعقة خفيفة، قال على إثرها ساحباً يده: (هذه علوم لا قبل لنا بها)؛ منذ ذلك الحين نشأت إشكالية في التعامل مع نظم إدراك وعي الحياة الحديثة في كل بلد عربي على حدة. وعي قد لا يكون مدركاً في عقليات البسطاء بحسب طبيعة وردود فعله، لكنه يعبر بتلك الطريقة في إطار يوحي دائماً بأن كل ما هو من الغرب حديث ومعاصر لاسيما في المنتجات الباهرة للأجهزة والتقنيات الحديثة.
لقد تشكلت العقدة، ولاسيما في الوعي العام منذ بدايات القرن العشرين، على شكل ثنائيات؛ عالم قديم علينا أن نستشعر الحرج من كل ما يتصل به، وعالم حديث علينا أن نتأثر به ونحتفي به دائماً.
ولما كان الطابع الحسي هو الأكثر رسوخاً في الأذهان، فإن طريقة معينة في الأكل بالشوكة والسكين مثلاً، قد تكون لها رمزية عالية في ذهنية القروي أو البدوي حين يرى رجل المدينة يستخدمها في الأكل مثلاً. لكن ما هو أهم في هذا الصدد أن تلك الشكلانية التي يراها البدوي أو القروي ستظل في وجدانه الأول مثالاً للاقتران الشرطي الذي يمثل له طبيعة التحضر والتحديث.
ورغم أن ملاحظة كهذه تبدو اليوم عادية وعابرة، إلا أنها بالأمس القريب كان تعكس رمزية عالية في دلالاتها.
إن عقدة التحديث والحداثة تنسج في لا وعينا تعبيرات كثيرة، تجسيداً لمقولة ابن خلدون الشهيرة التي يقول فيها (المغلوب مولع بتقليد الغالب) ولكن ما يبدو غائراً في تعبيرات المجتمعات العربية ولاسيما في الطبقات المتعلمة، يتجاوز بكثير حدود مقولة ابن خلدون. ولعل من الغرائب التي قد تعبر عنها طبقات النخبة الغارقة في التقليد تلك المحاكات التي نجدها عند بعض المذيعات في نطق المصطلحات أو الأسماء الانجليزية أو الفرنسية بطريقة لا تبرر ذلك التماهي فحسب، بل تعبر عنه بشكل هستيري أحياناً!
«المرض بالغرب»، كما كتب ذات مرة جورج طرابيشي له طبقات كثيرة، لكن قد لا يدرك البعض أنه حتى بعض البسطاء قد تشكل تلك العقدة/‏ المرض بالنسبة لهم ما يوهم أو يخيل إليهم أن ثمة قطيعة مكتملة بين الماضي والحاضر أو بين المدينة والبادية.
لقد بدت تلك العقدة في مجتمعات متخلفة كثيرة بمثابة مؤثر كبير ومدعاة لقطيعة متوهمة بين أشياء ليس بالضرورة أن تحدث فيها قطيعة، لكن الاستيهام الذي تعكسه طبيعة الصدمة الأولى للحداثة قد يجد أصداءه في مفردات لا متناهية لردود فعل كثيرين دون أن يدركوا ذلك حتى!
من وحي تجربة مجتمعية شخصية على سبيل المثال كان جيل الأجداد يحفظ خزيناً كبيراً من الأشعار والوقائع لحياة البادية وهي حوداث وبطولات وقعت في زمن قديم، ولكن لأن ذلك الجيل ذاته (جيل الأجداد) كانت قد شهد التبدلات الكثيرة التي أحدثها الاستعمار سواء لجهة تنظيم المدن وتخطيطها أو البنى المدنية، أو الحياة الحضرية السهلة إلى جانب تعليم الأبناء في المدارس الحديثة؛ وقر في وعيهم ضرورة التخلص من كل قديم، وهكذا لم يكن بعض أولئك الأجداد يذكرون و ينشدون الأشعار لأبنائهم وأحفادهم احساساً منهم بلا جدواها في هذا العالم المختلف تماماً عن عالمهم القديم المتداعي!
ومع مرور الأيام، رحلت برحيل ذلك الجيل، مرة وإلى الأبد، نصوص كثيرة وعظيمة من الأشعار ولاسيما تلك الأشعار التي باللغات المحلية الراطنة؛ مصداقاً لمقولة الأديب والمفكر المالي (أمادو همباطي با) حين قال: «في إفريقيا عندما يرحل رجلٌ مُسن، فإنَّ ذلك يكون بمنزلة احتراقِ مكتبةٍ كاملة »
إن ذلك الاحساس الذي انتاب الأجداد بأن عالمهم القديم لا يستحق حتى أن يكون مجرد حكايات في مقابل العالم الحديث، هو انعكاس لوحشة العالم الذي يفقد فيه الانسان القدرة على أن يكون هو ذاته.
هكذا ستبدو لنا عقدة التحديث بوصفها اختباراً قاسياً لسطوة الاستعمار انها، فيما وراء التقليد، ليست فقط ما يمكن أن يحسبه الأغرار المقلدون تماهياً مع الغرب، بل هو في الحقيقة استلاباً مانعاً من قيمة وهوية الأنا التي لا يمكن أن تتحرر من أوهامها إلا حين تحدق ملياً في ذاتها.
وحين لا يعرف المقلد أنه يقلد فيما يفيد خبرةً أو تعلماً، وإنما يتوهم حالة تقمص كاذبة فإنه يغدو كمن يحاول أن يسبق ظله باستمرار دون جدوى.