قراءة في ما وراء المشهد العماني

د. مجدي العفيفي –

(1)
من حقنا القومي.. أن نفرح بكل تجربة عربية تضيف وتضفي. ومن حقنا العربي.. أن نفرح ونعتز، في زمن عز فيه الاعتزاز، وصار الاهتزاز الحضاري عنوانا كبيرا في جريدة وجودنا، ومقالا مطولا في صحيفة تواجدنا، وكفانا التوهان في عصر الاستعارة. ومن حقنا الإنساني.. أن نفرح بصوت الذات، وأن نطرح سوط جلد هذه الذات، وأن نفسح الطريق لكل من يحلق بالرؤية، ويحدق بالرؤيا بين المعنى والمبنى، ويحقق بين الماضي والآنـي والآتـي.

(2)
وهاتيكم النقلة النوعية – في سياق الرؤية العمانية – التي تشهدها مسقط في اللحظة الراهنة ، تستدعي الوقوف على جوهرها، والتحديق في ثناياها: (وداع سلطان واستقبال سلطان) فهي فاصلة زمنية تجمع ثنائية غير مسبوقة في الفضاء السياسي العماني: فارقة في حيوتها ودقتها ومستمرة في دلالتها وطاقتها، بين عهدين غير منفصلين بل يتسلسل الثاني المحمل بالطموحات والتطلعات من الأول المكتنز بالمنجزات والتجارب، في عملية احتواء سياسي ومجتمعي داخليا وخارجيا، إذ إن ثمة ثلاثة أمور تمثل مهادا فكريا للأرضية المعرفية التي تمتد عليها دوائر التكوين العام وتشكل في الوقت ذاته امتدادا مركزيا ضمن مجموعة الثوابت العمانية مهما كانت المتغيرات التي لابد من تحسبها:
الأمر الأول: أن منظومة عمان المعاصرة تتشابك خيوطها – زمنيا – إلى درجة يكاد يصعب، بل يستحيل الفصل بينها، فالفصل – إن حدث – يخل بالتوازن، لأن الزمن وإن كان مسارا تشتد الحركة عليه أو تهدأ، يتسارع إيقاعه أو يبطىء، بيْد أنه تيار متصل متدفق، وهو غير قابل بالطبيعة لأن ينقطع.
الأمر الثاني: أن خطوط المنظومة تتداخل، ولابد أن تتداخل، ذلك أن اللحظة التاريخية المؤثرة في حياة الأمم، محال أن تتفجر من فراغ، بل لا بد لها من مخاض فكري يسبقها بإرهاصاته.
الأمر الثالث: أن حلقات المنظومة تتواصل باستمرار، وإن تباعدت أحيانا، فذلك ينسجم مع معني أن الفواصل الرئيسية في الزمن هي مناسبات تستحق الحفاوة والاحتفال، وأنها أيضا مفعمة بالدلالات الرمزية.

(3)
تأسيسا على ذلك.. فقد وضع الخطاب العماني الذي أسس مفرداته وشكل مكوناته جلالة السلطان الراحل قابوس بن سعيد الأطر الثابتة للصورة، وترك حرية الحركة للمتغيرات داخل هذه الأطر العامة، وبالتالي تتناسق مقولة «أن التنمية لاتقبل أن تنهض مجزأة» مع شواهد الواقع ومشاهده، وتصورات الفكر وتصديقات الواقع الذي ينبع منه ذلك الفكر، ومطابقة التصورات للتصديقات واحدة من البينات الدالة على حيوية وتعادلية الفكر الذي يحكم هذه المنظومة آنيا وآتيا.
إن في الخطاب العماني بكليته وحدة متناسجة ومتجانسة، وحدة وجود، ووحدة فكر، وثمة قوة خفية تربط كل وحداته، وثمة تشابه خفى يلعب دورا مركزيا فى بنية كل مرحلة، بل إن فى كل خطاب صدى لخطاب آخر، حيث تتمازح الحركة بين المادي والإنساني، والفردي والكلي، والأحادي والجمعي، فى عملية ربط دقيق بين الكون الكبير الذي يمثله العالم، والكون الصغير الذي يجسده الإنسان.

(4)
ولأن المقدمات السليمة تؤدي إلى نتائج سليمة، بلغة المنطق، فإن البداية التي كانت متجهة إلى العمق، قدمت عمان في صيغتها الجديدة إلى العالم، فتقدمت في صورة جديدة وجريئة، فلا هي بالتقليدية، ولاهي بالتي تخطف الأبصار فجأة ثم تنطفئ، فاستقبل العالم صورة هذا الإنسان كما ينبغي أن يكون الاستقبال لشخصية تستند إلى جدار حضاري لاينقض، ولا ينبغي له، إذ يمتلك القدرة على مواكبة العصر الذي أقبل عليه بكل عذوبته وعذاباته، وتقدم الانسان العماني إلى العالم، وعلى صدره شارة كتبت بأبجدية ابن حضارة تمتد جذورها في أرضية التاريخ مسافات ومساحات، مؤصلا وجوده الجديد، ومواصلا تواجده في ساحة العمل الدولية، متوخيا أثناء مسيرته، أن تكون برامج أعماله نابعة من صميم واقعه، ومنفتحة على حضارة هذا العالم الذي هو جزء منه لا يتجزأ.

(5)
ها هي هذه المقدمات الجديدة الآن وفي مخاض اللحظة الراهنة تقدم المشهد العماني في صيغة تتداخل فيها العناصر الخلاقة وتتفاعل فيها المكونات الدالة، وضياء البعد الحضاري والتنويري الذي لم يجعل عمان تحبس ذاتها في غرفة القديم، وفي نفس الوقت، لا تتأرجح في شارع العصر الحديث، إنما تقيم التوازنات في ممارساتها، وتلتزم التوازيات في مساراتها، وشهد العالم لسلطنة عمان بأنها عضو فعال في الأسرة الدولية، على مختلف الأصعدة، تأخذ وتعطي، وتتبادل الحوار المتحضر، تتحرك وتحرك، وتمارس دورها التاريخي في منطقة جغرافية ذات طبيعة خاصة، مقدر عليها الحركة الدائبة، ومطلوب منها اليقظة التي لاتعترف بالغفلة.
وإذا كانت موضوعية الخطاب العماني هي آية واقعيته، من حيث مقدرته على رسم الخطوط العريضة لسياسة البلاد الداخلية والخارجية الجديدة، واغتنائه بالتماسك الداخلي للشعب والدولة والوطن وما يحيط بكافة هذه العناصر من ظروف ومتغيرات ومتطلبات خارجية وداخلية، فإنه لم يكن من قبيل المصادفة أن يؤكد جلالة السلطان هيثم بن طارق في خطاب التنصيب على عدة أمور تشكل في مجملها رسالة إلى العالم ذات مداد مطمئن: عمانيا وخليجيا وعربيا وإقليميا وعالميا، وقد استقبلها العالم أحسن استقبال، لاسيما أنها تجلت في توقيت خارجي مشحون بالتوترات الإقليمية ومسكون بالمستفزات الدولية.
وقد تحقق التوازن بين جناحي الخطاب الأول لجلالة السلطان هيثم بن طارق، إذ تحسس على الصعيد الداخلي عظم وحجم وثقل الأمانة الملقاة على عاتقه ووصفها بأنها «عظيمة والمسؤوليات جسيمة فينبغي لنا جميعًا أن نعمل من أجل رفعة هذا البلد وإعلاء شأنه وأن نسير قدما نحو الارتقاء به إلى حياة أفضل ولن يتأتى ذلك إلا بمساندتكم وتعاونكم وتضافر كافة الجهود للوصول إلى هذه الغاية الوطنية العظمى وأن تقدموا كل ما يُسهم في إثراء جهود التطور والتقدم والنماء».

(6)
إن الخطاب العماني ليحرص على أن يعطي المجتمع العماني، المفاتيح التي ينطلق بها إلى فتح آفاق جديدة، ليحرك قدراته، ويفك مغاليق الأمور سعيا إلى مشاركة يتحمل الجميع فيها المسؤولية، فلكل فرد دور، ولكل مؤسسة هدف، والدولة دولة مؤسسات، كمحور من المحاور الأربعة التي تشكل أهداف النهضة منذ اليوم الأول لانبثاق فجرها تلك الانبثاقة التي أجملتها في: تطوير الموارد البشرية، وتطوير الموارد الطبيعية، وإنشاء البنية التحتية، وإقامة دولة المؤسسات.
ومن ثم يعتبر الخطاب في كليته – عبر نصف قرن من الزمن الحي والحيوي – أحد أهم المرجعيات العرفية والمعرفية والجمالية والأخلاقية للمجتمع، حيث يمثل أرقى أشكال التعبير عن الرؤية العمانية، وأرفع مستويات التصوير للخطاب العماني، بل هو المعادل الموضوعي للمشهد العماني في كليته وعموميته، بتراتبية طبقاته، وتعددية مستوياته، وكثافة سعته، وطاقة مضامينه التي يجاوز تأثيرها حاضري الزمان والمكان، نظرا لما يحمله من خاصية امتداد التأثير، إذ يعتبر هذا الخطاب «ديوان عمان الحديثة» في أبعاده النوعية المتباينة، سواء أكان سياسيا أم اجتماعيا أم ثقافيا أم إعلاميا أم دينيا، وفي تشكيلاته الكيفية وهو في كل ذلك إنما يمثل أهمية بالغة في توجيه المعنى السياسي العماني، بثوابته ومتغيراته، بوظائفه وطرائقه، بتاريخيته وتقاطعاته، ببلاغته السياسية وسعة مداه، باستراتيجيته الاقناعية والتأثيرية، وبوحدته الفكرية ونزعته الموضوعية.

(7)
من خلال القراءة الكاشفة للمشهد العماني الراهن أقول وأنا مطمئن، وشهودي هي الثلاثون عاما المتواصلة التي عشتها في رحاب هذه الأرض الطيبة التي لا تقبل أن تنبت إلا طيبا – ولا أزال – وان تباعدت الجغرافيا المكانية بحكم التحولات، أقول وأنا على عمان من الشاهدين: أن الخطاب العماني سيظل متوهجا بثوابته ومتغيراته، بشخصيته واستراتيجيته، بزمانه وتاريخيته، بمكانه وأرضيته، بأحداثه وحوادثه، بإنسانه وإنسانيته، كمرايا متجاورة تعكس قصة مجتمع تستحق أن تروى وأن تسرد، عنوانها الإرادة الإنسانية والإدارة السياسية، وسبيلها الفكر القائم على الواقع لا الفكر المبني على فكر، أداتها لغة الأعماق البعيدة، وسلوكها مطابقة التصديقات للتصورات، وهذا سر من أسرار نجاح الدولة والمجتمع في سلطنة عمان.

(8)

وأشهد بعد ما أصغيت الى أول كلمات جلالة السلطان هيثم بن طارق، أن الخطاب العماني سيبقى ذاتا تمتلئ بذوات الآخرين، فلا تظهر العظمة بالقول فقط بل في ترجمة الأقوال إلى أفعال، ومدى مطابقة العالم الذهني للواقع الموضوعي، أو بعبارة أخرى التزامن بين القول والفعل الذي ينتج التبادل الدلالي، فصاحب القول هو صاحب الفعل، وليس ثمة مغايرة، ولذلك تنتفي ازدواجية الخطاب بين المعلن والخفي بل إن ظاهرة انفصام القول السياسي عن الحال الاجتماعي تختفي، فالحدث الخطابي حدث اجتماعي وتـفاعلي تحدده المواضعات، والخطاب رسالة من ذات إلى أخرى تنقل «حقيقة» يطلب من الذات المتلقية، ليس فقط أن تسلم بها، بل أيضا أن تعمل بها.

(9)

سلام على عمان.. بما فيها ومن فيها.
وسلام قولا من رب رحيم.