إرث خالد ونهضة تتجدد

د. سيف بن مبارك بني عرابة –
«من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا»


إن الموت وإن كان حضوره ثقيلا في كل الأحوال، فإنه عندما يخطف الأقارب أعظم، وهو خطب عظيم عندما يخطف الأمهات والأباء، ومصيبة كبرى عندما يحل بالعلماء والعظماء، فكيف إذا غيب الموت حاكم البلاد وقائدها، وباني نهضتها ورائدها، فلا شك أن يكون وقعه أعم وأجلّ، وأثره أبلغ وأثقل، ولقد رزئت بلادنا عمان بخطب جلل، ونازلة عظمى، بوفاة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـــ طيب الله ثراه ـــ، ولئن كان فقد هذا القائد العظيم، والسلطان الكريم يكسر ظهورنا، ويدمي قلوبنا، إلا أن عزاءنا في نهضة حديثة بناها، وأسسٍ للدولة الحديثة أرساها، ونظرة ثاقبة ملهمة، وهمة عالية متقدة، فهو القدوة في القيادة، ونبراس الهدى في الريادة، وحّد البلاد بعد تفرق، ولَمّ شملها بعد تمزق، أرسى دعائم العلم والتعليم فاختفى الجهل والأمية، واتبع رواسخ المناهج فانتهى الارتجال والعشوائية، وأقرّ المؤسسات والقوانين، فانعدمت الفوضى وانتصر للمظلومين.
تولى العرش وعمان مقسمة، داخلا وساحلا، حرب في البلاد جنوبا، وقبائل متفرقة شمالا، وشعب مثخن بجراحات الصراع، وشباب أنهكته البطالة وسيئات الأوضاع، فترك كثير منهم وطنه لكسب المعيشة، فقيّض الله تعالى لهذه البلاد قابوس وهو شاب في مقتبل عمره، تصدى للأمانة وحملها على عاتقه، بهمة عالية كالجبال، وعزم لا يلين ولا يُنال، ووحّد عمان من أقصاها إلى الأقصى، وجمع المذاهب المتخاصمة تحت علم واحد، وأذاب حواجز الفرقة بين القبائل في قالب وطني واحد، فبدأ رحلة البناء وخطب في شعبه، خطابه الشهير: «سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء لمستقبل أفضل.. كان وطننا في الماضي ذا شهرة وقوة، وإن عملنا باتحاد وتعاون فسنعيد ماضينا مرة أخرى وسيكون لنا المحل المرموق في العالم العربي.. كان بالأمس ظلام ولكن بعون الله سيشرق الفجر على مسقط وعمان وعلى أهلها..»
إن البدايات غالبا ما تكون صعبة، لأن التحديات عادة ما تكون هي العقبة الكؤود، ولأن السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـــ طيب الله ثراه ـــ صاحب شخصية فذة، ورؤية واضحة، فقد رسم خط السياسة العمانية منذ البدء، فداخليا أولى اهتمامه بالإنسان العماني، ودعا من ناهضه وتمرد عليه بأن يعود وينضم إليه، لتُبنى عمان يدا بيد فهي وطن للجميع، ووجه نداءه لمن هاجر من أبناء شعبه، وطالبهم بأن يشدوا الرحال عائدين لأرض الوطن، بل إنه أدرك ومنذ وقت مبكر ضرورة أن يكون المواطنون ممثلين في الحكومة، فأمر بتشكيل الحكومة الجديدة «على أساس إسناد المناصب للموطنين اللائقين حيثما وجدوا في الداخل أو الخارج» حسب ما جاء في خطابه ـــ طيب الله ثراه ـــ سنة 1970 والذي رسم سياسات البلاد ومعالمها.
فعاد الاستقرار للسلطنة، وبدأ القائد مسيرة البناء والتطوير، في سبيل تحقيق حلمه لبناء دولة عصرية، هذه الدولة التي تقوم على أسس ثابتة لا تتغير، وهي أسس الدين الإسلامي، والعادات السامية والتقاليد النبيلة، وفي الوقت نفسه تحافظ على مبادئ التسامح، وتقبل الآخر وعدم التدخل في سياسات الغير، فامتزجت هذه بتلك، وأنتجت ثقافة عمانية خالصة، حافظت فيها عمان على إرثها الحضاري، ومعالم تاريخها الممتد، كما أنها استقت من الحضارة الحديثة معالم تقدمها وتطورها، فنجح السلطان قابوس ـــ طيب الله ثراه ـــ في تحقيق رؤيته أيما نجاح، فصارت عمان مضرب المثل في الحداثة والمحافظة، فجمعت الأضداد في سياستها الداخلية كما جمعتهم في نهجها الدبلوماسي الخارجي.
ومضى السلطان الراحل ينظر لعمان من علٍ، يصلح ما بها من العيوب والمثالب، وينجز الإصلاحات ويلبي المطالب، فبنى الطرق والموانئ والمطارات، وشيد المساجد والمدارس والجامعات، وأقام العيادات والمستشفيات، وسن الأحكام والقوانين، وأرسى دعائم العدل بين المواطنين، ومع كل عمل ينجز، ومشروع يفتتح، لا يغيب عنه الاهتمام بالإنسان العماني الذي هو أساس النهضة وركنها الركين الذي لولاه لما بدأت ولولاه لما استمرت، فما فتئ يكرر «على كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب»، وكان حريصا على أن يكون الإنسان هو هدف التنمية كما أنه محركها وصانعها، فقد ذكر في أحد خطاباته: «فالإنسان هو صانع التنمية، فيجب أن يكون هدفها إسعاده وإعداده ليعطي البلاد أحسن ما عنده من إنتاج»، والناظر لعمان التي تركها جلالة القائد ـــ طيب الله ثراه ـــ ليدرك أن هذا الفكر قد آتى أكله، والعالم يشهد.
وامتدادا لهذا الفكر السديد أتت رؤية «عمان 2040» بخطط تنموية شاملة وطموحة، فبعد أن كانت الجولات السامية، واللقاءات المباشرة مع المواطنين هي مصدر وحي ما سبق من خطط ومنجزات، فقد آن الأوان أن يرسم المواطن العماني خطط مستقبله المنشود، ويصوغ معالم بلاده التي يتمنى ويريد، وكأن هذا القائد قد حُنك بتمرة الحكمة منذ نعومة أظفاره، فقد اختار حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق ـــ حفظه الله ورعاه ـــ رئيسا للجنة الرئيسة لرؤية عمان 2040 ليكون على اطلاع تام بالوضع الراهن لعمان من كل النواحي، والعمل على رسم الخطط المناسبة للتغلب على كل التحديات وصنع عمان المستقبل، وبهذا فقد وضع المغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس، في القفل مفتاحه، وأحكم تدبير شأن عمان حتى ما بعد وفاته، ليثبت للجميع أنه شخصية متفردة، عز الزمان أن يأتي بمثله، فهيأ كل الظروف لسلطان عمان المقبل، وصنعه على عينه، وأطلعه على خبايا حكمته، وسقاه من معين مشربه، كل ذلك تم في هدوء، وبعيدا عن الأنظار، حتى إذا توفاه الله، رحل عن عمان وقد وضع الأمور في نصابها، واختار للخيل فارسها، وأعطى القوس باريها، فيا لعظمة سلطاننا الراحل، ويا لرباطة جأش سلطاننا المؤتمن، فكان انتقال السلطة سلسا لا تشوبه شائبة، وسهلا لا تداخله ريبة، ففي سويعات قليلة من شغور منصب السلطان، نُصّب حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـــ حفظه الله ورعاه ـــ، ولأن عمان حضارة عميقة ممتدة، ودولة راسخة عظيمة، فقد أراد العمانيون وبكل ثقة واقتدار نقل تجربتهم ليراه العالم أجمع وليصبح ما حدث في ساعات قليلة درسا عظيما للصغير والكبير، ونبذة مختصرة للديمقراطية العمانية الخالصة والمستمدة من نهج الشورى الإسلامي، يثني عليه القاصي قبل الداني، وتتعلم منه الدول المستحدثة، ويستفيد منه جديدو العهد بالسياسة.
إن مما يفهم من خطاب التنصيب الذي ألقاه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـــ حفظه الله ورعاه ـــ أنه مستمر في النهج القابوسي، وأنه سيسير على خطى باني النهضة العمانية الحديثة، وذلك بتأكيده على ثوابت السياسة العمانية التي ستستمر في الحفاظ على مكانة سلطنة عمان التي أرادها لها السلطان الراحل ـــ طيب الله ثراه ـــ بين دول العالم، كما أنه أولى اهتمامه بالشأن الداخلي، وبما أنه كان عرّاب رؤية «عمان 2040» المستقبلية ورئيس لجنتها الرئيسة فمن المؤكد أنه سيحقق الكثير من طموحات شعب عمان، وسيعمل على رفع مستوى معيشتهم، والتغلب على كل التحديات التي تواجههم، وكلنا ثقة بأنه سيقود عمان إلى نهضة كبرى، وسيحدث نقلة نوعية على كافة الأصعدة.
وختاما فحين يتولى الحكم خريج متفوق في جامعة أكسفورد العريقة، ودبلوماسي ملم بالعلاقات الخارجية والشؤون السياسية، ووزير سابق للتراث والثقافة، وقائد لفريق اللجنة الرئيسة للرؤية المستقبلية «عمان 2040»، علاوة على أنه كان محل الثقة السامية لسلطاننا الراحل قابوس بن سعيد ـــ طيب الله ثراه ـــ كل ذلك كفيل بأن يحقق لعمان وشعبها الأمن والسلام، ويضمن للعمانيين الحفاظ على الهوية الوطنية العمانية الفريدة، ويبعث فينا التفاؤل بأن مستقبل عمان في أيدٍ أمينة، فلا خوف علينا فقد سلمت العناية الإلهية عمان من يد «أعز الرجال وأنقاهم» رحمه الله تعالى، إلى يد «المؤتمن» حفظه الله وسدد على طريق الخير خطاه.