بين اجتماع مسقط ومنتدى طهران وخيار الحوار

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

شاركت قبل اسبوعين في منتدى طهران للحوار الاقليمي بمشاركة واسعة من القيادات السياسية في المنطقة والعالم والخبراء الاستراتيجيين والمحللين من مراكز البحوث، حيث ينظم هذا المنتدى الحواري مركز طهران للبحوث الاستراتيجية، وقد شاركت السلطنة والتي تهتم دوما بقضايا الحوار والسلام ممثلة بمعالي يوسف بن علوي بن عبد الله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية.

وخلال جلسات المنتدى طرح عدد من الأوراق المهمة والتي تصب في نهاية المطاف حول ضرورة إطلاق الحوار على ضفتي الخليج وهو الأمر الذي نؤكد عليه في عدد من المقالات على هذه الصفحة، كما أكد المنتدى من خلال النقاشات والمنصات على ضرورة إيجاد حلول واقعية لأزمات المنطقة خاصة الحرب على اليمن والأوضاع في العراق وإطلاق الحوار بين إيران والدول الخليجية.
وقد رجعت الى الماضي وأنا استحضر هذا المنتدى الى عام 1976 عندما دعا جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيب الله ثراه – الى اجتماع إقليمي في عاصمة الوطن مسقط بمشاركة وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي قبل قيامه وأيضا وزراء خارجية كل من العراق وإيران بهدف إيجاد قواسم مشتركة للأمن الإقليمي والمحافظة على الملاحة وإقامة علاقات تعاون بين الدول المعنية على ضفتي الخليج ومن هنا تتجلى الرؤية العميقة لفقيد الوطن رحمه الله وحرصه وبشكل مبكر أي بعد ست سنوات من توليه الحكم الى أهمية إحلال السلام في المنطقة.

قراءة مبكرة

ما بين منتدى طهران للحوار الاقليمي الاخير وبين اجتماع مسقط عقود جرت خلالها احداث كبيرة وتحولات استراتيجية على مستوى الاقليم من صراعات وحروب واستنزاف لمقدرات شعوب المنطقة وغياب الحوار وكان جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ يبذل جهودا متواصلة حتى أيامه الأخيرة لأنه يدرك ومن خلال قراءته الفاحصة والمبكرة للأحداث ان السلام والاستقرار في المنطقة هو لصالح شعوب دول الإقليم وان الحروب لن يستفيد منها احد سوى مصانع السلاح الغربية، ومن هنا كان منتدى طهران للحوار الإقليمي يعيدنا الى رؤية السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه التي تنادي بضرورة الحوار الذي يؤدي الى السلام.

أوراق العمل القيمة التي استمعنا إليها خلال جلسات المنتدى تعبر عن رغبة إيرانية لفتح مسار الحوار مع الدول الخليجية وخاصة المملكة العربية السعودية الشقيقة وهي احدى الدول المحورية في المنطقة كما ان معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية وهو عميد الدبلوماسية العربية والدولية ركز في كلمته على ضرورة استقرار المنطقة وان السلطنة سوف تواصل جهودها لإحلال السلام والاستقرار في هذه المنطقة والتي شهدت خلال السنوات الأخيرة توترا كبير بين طهران وواشنطن وأيضا بين إيران وعدد من دول مجلس التعاون الخليجي، ويبدو لي ان الدعوات المتكررة من إيران للحوار هي خطوه لابد من تشجيعها واستثمارها لأن الحوار الذي دعت له السلطنة قبل عدة عقود لا يزال هو الخيار الصحيح وهي قراءة مبكرة من جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ والذي واصل نفس النهج ومن خلال فطنته السياسية استطاع ان يجمع الفرقاء خلال الجهود المضنية والتي استمرت عدة سنوات من المباحثات السرية والعلنية خاصة بين الإيرانيين والأمريكيين والقوى الكبرى الأخرى حتى تم التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني عام 2015م.

ايران ونهج السلام

من خلال اللقاءات مع عدد من الشخصيات الإيرانية ومع الشخصيات المشاركة في منتدى طهران للحوار الإقليمي فإن ثمة توافقا بأن الكل يتطلع للسلام حتى إدارة الرئيس ترامب تحدثت اكثر من مره بأنها لا تريد الحرب في المنطقة وخاصة مع ايران، وعلى ضوء ذلك فإن المنتدى ركز على ضرورة ايجاد القواسم المشتركة في ظل وجود عوامل جيو-استراتيجية، وايضا يواجه الرئيس الأمريكي عاما انتخابيا ملتهبا خلال شهر نوفمبر القادم وعلى ضوء ذلك فإن إيران تتطلع الى الحوار وهذا شيء إيجابي، ومن خلال الحوار على ضفتي الخليج تطرح كل المشكلات والخلافات فلكل طرف دوافعه وتحفظاته على سياسات محددة وهذا هو الأمر المنطقي ومن خلال النقاش تتقلص مساحات الاختلاف لتضيق حتى يكون هناك مرونة سياسية والتوصل الى اتفاقية أمنية وسياسية وعدم اعتداء بين دول الإقليم وفتح مجال التعاون الاقتصادي في منطقة جغرافية وجدت قبل آلاف السنين وشعوبها كانت تعيش على ضفتي الخليج.كما ان السلام والتعايش هما مصلحة إيرانية لأن ايران دولة كبيرة جغرافيا وسكانيا وتواجه الآن عقوبات اقتصادية قاسية من قبل الولايات المتحدة، ومن هنا فإن توصيات منتدى طهران للأمن الإقليمي يمكن البناء عليها وقد تفتح آفاقا جديدة لإبعاد المنطقة من التوتر والحروب التي عانت منها خلال العقود الأربعة الأخيرة.
المنطقة تحوي الكثير من الثروات الطبيعية والبشرية ويمكنها الانطلاق لتحقيق رؤيتها المستقبلية وفي مجال التنمية المستدامة وأنا دائما أشير الى نموذج مميز على الطرف الاخر من اسيا وهي دول جنوب شرق آسيا والتي دمرتها الحروب قبل خمسين عاما ولكنها تعلمت الدرس ووضعت امامها تحدي الاستقرار والتنمية وهي الآن من الدول الاقتصادية والتكنولوجية التي يشار لها بالبنان.
اذن منطقة الخليج يمكنها ان تكرر النموذج الآسيوي بل هي تتفوق عليه من خلال الثروات الطبيعية والبشرية والمواقع الاستراتيجية وعدد السكان المتوسط باستثناء إيران والسعودية، ومن هنا فإن نهج الحوار الذي يؤدي الى السلام هي منهجية عمانية حدثت قبل عدة عقود ولا يزال بيان مسقط موجودا في ارشيف وزارة الخارجية ونشر في الصحف العمانية.
النهج السياسي

بعد رحيل جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه، يتساءل الكثيرون عن النهج السياسي العماني والذي اصبح صمان امان للفرقاء في الشرق والغرب على حد سواء وجاءت الكلمة التاريخية الاولى لجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – بعد توليه مقاليد الحكم بأن النهج السياسي العماني سوف يتواصل وهذا شيء اعطى ثقة لكل الفرقاء في المنطقة والعالم وهو الأمر الذي تحدثت عنه كبرى الصحف العالمية وفي مقدمتها الصحيفتان الاهم وهما صحيفة واشنطن بوست وجريدة نيويورك تايمز الامريكيتان وهناك صحيفتا الايكونومست والجارديان في بريطانيا ومن خلال المعلقين في العالم العربي والعالم.
إذن سلطان البلاد – حفظه الله – اكد من خلال خطابه الاول على استمرار تلك الثوابت والتي يحتاجها العالم في هذه الأوقات الصعبة، ومن هنا سوف تستمر جهود السلطنة بقيادة جلالته – حفظه الله – في هذا النهج السياسي الذي جنب المنطقة والعالم وفي أوقات عصيبة الحروب والصراعات.
وعلى ضوء تلك المقاربة السياسية التي تحدثنا عنها بين اجتماع مسقط ومنتدى طهران نخلص الى ان الحوار والتفاهم الإقليمي هو الخيار الوحيد الذي يجعل المنطقة ممرا امنا للملاحة ومستقرة وذات علاقات طبيعية بين دولها وان الخلافات القائمة يمكن حلها من خلال طاولة الحوار ولنا في التاريخ عبرة بين اعداء الأمس في الغرب والشرق، ولعل النموذج الأمريكي الفيتنامي هو ابرز مثال في هذا الإطار بعد حرب قاسية استمرت لأكثر من عقد.
ان شعوب المنطقة تنشد السلام والاستقرار وعلى القيادات في المنطقة ان تنظر بعين فاحصة الى النموذج العماني المستقر لنصف قرن متواصلة وهي مدة زمنية شهدت فيها منطقة الخليج عددا من الحروب والصراعات والتوترات وهناك الآن الحرب في اليمن التي تعد من الحروب الكارثية وهناك الأزمة الخليجية وهناك تآكل واضح في منظومة مجلس التعاون وهناك المهاترات الإعلامية بين الأفراد والمجتمعات والدول.
كل هذه الارهاصات تحتاج الى فكر سياسي مختلف وتحتاج الى نموذج حقيقي اثبت جدارته على ارض الواقع ولعل النهج السياسي العقلاني المدروس الذي اختطه باني عمان الحديثة والعصرية جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور طيب الله ثراه وسوف يواصل جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله- نفس النهج السياسي لأنه المنهج الصحيح والذي جعل بلادنا تصادق الجميع وتمد يدها للتعاون والسلام وبذل الجهد المخلص لحل عدد من الأزمات في المنطقة والعالم.
رحم الله جلالة السلطان قابوس بن سعيد الذي أوجد هذا الإرث السياسي والذي جعل من عمان قبلة للسلام والحكمة ونسأله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد لجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه -.