نوافذ: بين مقصودين

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

اختلاف وجهات النظر حالة إنسانية بامتياز، ولا خلاف عليها، والكل يعيها تماما، ويؤمن بها إيمانا مطلقا، وليس من الحكمة بمكان، أن ينتصر كل منا لرأيه انتصارا مطلقا، خاصة إذا كان الأمر متعلق بأمر عام، أما في الحالة الخاصة جدا، فذلك أمر متروك لخصوصية حالته، حيث لا سبيل إلى مناقشته هنا، فحركتنا في الحياة تقتصر على المساحة التي تحيطها دوائرنا المتاحة لنا فقط، ليس إلا، أما المساحة الموجودة في دوائر الآخرين، فهذه يصونها الشرع، والأعراف، والقوانين، وهذا أمر متفق عليه أيضا، وبالتالي لا يحق لأي شخص أن يناقش ما يدور داخل دوائر الآخرين الخاصة، وإلا اعتبر «حشرية» زائدة وممقوته، ولا بد أن توقف عند حد معين.
وأما فيما يخص المتاح، فإن الأمر يذهب إلى أحد الفهمين: « مقصود لم يُفهم … ومفهوم لم يُقصد …» وهنا مربط كل الحوارات القائمة بين بني البشر، ومن هنا تتصادم الرؤى، ومن هنا تقام الحروب؛ أحيانا؛ ومن هنا تغلق منافذ العلاقات، ومن هنا تتصيد الأخطاء، ومن هنا تكثر التفسيرات والتعليلات وسوء الظن بالآخر، ومن هنا يذهب كل واحد لسبيله، ومن هنا تتباعد المسافات، ومن هنا يكثر الهمس واللمز، ومن هنا تظهر بعض الحقائق الإنسانية المخفية، ومن هنا قد يمتد الحوار طويلا، ولا ينتهي.
«مقصود لم يُفهم … ومفهوم لم يُقصد …» هل علينا حينها أن ندخل في ضمائر الآخر؛ لنعي ما يقصد، ونقصد ما فهمنا؟ أم علينا أن نحسن النوايا فقط، ولا نذهب بعيدا إلى حيث تتوغل المعاني وتحتمل الكثير من التفسيرات والرؤى والتأويلات؟ هل علينا أن نتخذ قرارا سريعا، ولا نترك فرصة للمراجعة، والقاعدة الإنسانية تقول: «إذا غضبت وكنت واقفا؛ فاجلس، وإذا كنت جالسا فاضطجع»؟ هل نسلم أمرنا كله للذات المتعالية، والمتكارة، والمتعجرفة، أم علينا أن نستحضر مساحة التفكير العقلانية، والتي غالبا؛ ما تركن إلى الهدوء والصفاء، وعدم الشطط؟
«مقصود لم يُفهم … ومفهوم لم يُقصد …» لا أحد يشك بأنها فلسفة وجودية بامتياز، استوعبناها – كمفاهيم، وممارسات – أو لم نستوعبها، وإنما نمارسها هكذا من غير وعي، تبقى وجودية البقاء في مختلف علاقاتنا القائمة بيننا وبين الآخر، أكثر ما تكون، ولا يمكن الانزواء عنها بعيدا؛ هروبا من حقيقتها الماثلة بيننا في كل حواراتنا، وفي كل تقاطعاتنا، وفي كل مناخاتنا الإنسانية الصرفة، وفي كل تجاذباتنا، ولا فكاك من حضورها المطلق بيننا، وإن حاولنا التهرب إرضاء لذواتنا، واستسلاما لقناعاتنا الخاصة، فهي بقدر تجريديتها الصادمة، تبقى حقيقة لا يمكن إنكارها مطلقا.
«مقصود لم يُفهم … ومفهوم لم يُقصد …» من الجميل هنا؛ أن نأتي إلى الآخر، ونقول له بكل وضوح: «لم أفهم قصدك» حيث يبقى هذا الموقف من أجمل المواقف وأنقاها، وأطهرها وأسماها، ولكن هذه تحتاج إلى نفس مخضبة بالرضا، ومعطرة بالود، وليس يسيرا؛أن يقبل عليها أي حد، حيث تحتاج إلى شجاعة، وإلى حياد النفس عن الخاص، وإلى التحرر مطلقا من الخاص، والانتصار للذات، حيث تنأى عن مفهوم الربح والخسارة، حيث التصور أن الجميع رابح في الخير، وأن الجميع خاسر في الشر، وهذا أمر ليس سهلا، ولكنه ليس صعبا أيضا.
« مقصود لم يُفهم … ومفهوم لم يُقصد …» هي معادلة إنسانية بامتياز من يقدر على استيعابها فقد ملك ناصية أمره، ولا يحتاج إلى مؤازرة، ونجح في اختبار الإرادة، ولم تحل دون الرضا بها مظانه الخاصة، وهنا لا نتحدث عن مستحيل، ولكن نتحدث عن القدرة على ترويض الأنفس للنزول قليلا من عليائها، ومن جبروتها لنقلل من حدة الاحتقان الثائرة في نفوسنا تجاه الآخر؛ ليس إلا.