قائد حكيم ونهضة تاريخية

صلاح أبو نار –

سوف يدخل صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله التاريخ مقرونا بالعديد من الصفات الجليلة، ولكن من بين تلك الصفات ستبرز صفتان: الحكمة والنهضة.
الحكمة كمنهج للنظر الى الواقع، وتقدير ما يجري فيه، وما هو جوهري فيه وماهو عارض، واستقلال النظر بعيدا عن الأهواء والصراعات، واتخاذ القرار السليم للتعامل معه والسياسة الصائبة للتعبير عنه.

والنهضة كرؤية لواقع الوطن والأمة. ما انتهت إليه في مرحله معينة من تاريخها الطويل، وما يتعين فعله لكي تنهض وتعيش عالمها المعاصر وتوطد صلاتها بأمتها العربية، وتجعل من واقعها المعاصر احياءً لتاريخها المجيد، وتوفر سبل الازدهار والنماء والمعرفة لشعبها العريق.
ولم تكن حكمة الراحل العظيم محض صفة فطرية يولد بها عظماء الرجال، بل ايضا صفة تولدت عبر المعرفة والتعلم المتواصل، وتنامت عبر وعيه الحميم بتاريخ بلاده وتحولاته ودروسه، وصقلتها خبرات وتجارب حياته الزاخرة والثرية، ونضجت عبر تأمله الدائم في أحوال العالم القريب والبعيد بما يحتويه من تناقضات وظواهر عابرة وما تظهره التطورات من حقائق. ولم يكن مشروع النهضة محض وعي باحتياجات الوطن وما يعانيه ابناؤها والمسافة التي تفصلهم عن عالمهم الحديث والمعاصر، بل كان ايضا تعبيرا عن وعي واقعي بحدود الموارد واولويات البناء، وادراك ثاقب لمزالق التسرع في القرار، وسعي مبكر لبناء موارد الثروة الانسانية الناتجة عن عمل العمانيين لكي تحل محل ثروة الطبيعة المتناقصة بطبيعتها، ووعي ان المستقبل لا تحدده فقط موجبات اللحظة الداخلية الراهنة بل ايضا مسار التحولات في هذا العالم الحديث، الذي بات يفرض في غمار العولمة المتنامية منطقه ومساراته على الجميع.
وعندما نتأمل مسار النهضة التي قادها صاحب الجلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ بحثا عن مفاتيح لرصدها وفهمها سوف نجد عدة مفاتيح اساسية.
سنجد اول هذه المفاتيح في الوعي بالتاريخ العماني وما يترتب عليه، فقد ادرك صاحب الجلالة مدى العمق التاريخي لبلاده. حضارة قديمة ظهرت في عصور مبكرة، ومجتمع بحري شيد موانئ شهيرة عرفتها سفن تجارة الشرق، وعرف في العالم القديم كموطن لأبرع صناع السفن والملاحين ومنهم ظهر احمد بن ماجد العظيم الذي قاد فاسكو دي جاما الى طريق الهند، واساطيل تجارية وصلت الى موانئ الصين والشرق الأقصي في عصور مبكرة، وتجار عمانيون جابوا العالم واستوطنوا مدن الشرق الأقصى الساحلية، ولا تزال قبورهم هناك باقية شاهدة على قدم وقوة حضورهم. ودولة قوية سيطرت على إقليمها وبنت الحصون والموانئ والجيوش والأساطيل، وتوسعت في اتجاه آسيا ثم في اتجاه إفريقيا لتصبح امبراطورية في مراحل من تاريخها. ومساهمة عميقة في تراث الحضارة الإسلامية يشهد عليها المؤرخون، تجلت في دور القادة العمانيين في الفتوح الإسلامية، والمساهمة العمانية في التراث الفكري الإسلامي والتي تجد رمزها الأكبر في مساهمة الخليل بن احمد الفراهيدي في علوم اللغة العربية.
ولقد كان من شأن هذا الوعي ان يجعل من مشروع النهضة مشروعا للإحياء التاريخي، وأن يحمل معه بعض تلك الخصائص التي تميز المجتمعات التجارية والبحرية، مثل الانفتاح والتسامح والإيمان بالتعددية والعقلانية.
وسنجد المفتاح الثاني في السعي لبناء الدولة العمانية القوية الحديثة. لا يمكن للنهضة العمانية أن تنطلق انطلاقتها الصحيحة، وترسخ جذورها وتمتلك القدرة على مواجهة التحديات، وتنجز الانتقال من مرحلة أدنى الى مرحلة أعلى إلا من خلال وجود دولة قوية. كانت الدولة القوية ضرورة لا غنى عنها من أجل تحقيق الاستقرار في مواجهة عوامل الاضطراب التي سادت خلال سنوات ما قبل النهضة، وكانت ضرورية لتخطي منظم ومتصاعد للعزلة التي ورثتها البلاد عن تلك الفترة، وكانت ضرورية من اجل تعبئة الموارد الإنسانية والمادية للنهضة، وكانت ضرورية من اجل وصول منافع النهضة الى كل العمانيين في كل المناطق، وكانت ضرورية من اجل إطلاق التخطيط التنموي.
ولكن ماذا تعني الدولة القوية؟
تعني دولة المؤسسات القادرة على أداء كفء للمهام الموكلة لها، عبر بنية مؤسسية متطورة يديرها إداريون متخصصون، يشغلون وظائف مفتوحة أمام جميع المواطنين، وتنظمها قوانين عامة مجردة يعرفها الجميع ويحترمها القائمون عليها. وتعني سيادة القانون بما تفرضه تلك السيادة من بنية تشريعية حديثة، وتحديد واضح للحقوق والواجبات، وبما تستلزمه من مؤسسات لفرض القانون ومحاكمة الخروج عليه. وتعني دولة وظيفية قادرة على الوصول الى كافة أرجاء ومواطني البلاد، لكي ترصد تطور أعدادهم وتقيس تحولات احتياجاتهم وتقوم بتوصيل كفء لخدماتها اليهم وتعبئ طاقاتهم وتنظم مشاركاتهم في حركة البناء. وتعني تأسيس مفهوم المواطنة بما يعنيه من تساو في الحقوق، واحترام للقانون، ومنظومة للحقوق الاجتماعية والثقافية، وفتح لأبواب المشاركة الاجتماعية، وتعميق للوعي الجماعي للذات الوطنية، وتأسيس مسارات للتعبئة الوطنية لمشروع النهضة.
وتعني أخيرا تأسيس الدولة التنموية ـ تختلف صفة التنموية عن صفة الوظيفية ـ كل دولة حديثة يجب ان تكون دولة وظيفية، لأن الصفة الوظيفية مرتبطة بأداء السلطة لوظائفها كسلطة، أي فرض القانون ورصد وتنظيم الواقع الاجتماعي، ولكن ليس كل دولة حديثة دولة تنموية. الدولة التنموية هي دولة التخطيط الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، وهي دولة تعبئة الموارد وإعادة توزيعها وفقا لاحتياجات النمو، وهي دولة بناء المدارس والمستشفيات وتقديم الخدمات العامة. الدولة الوظيفية بمنطقها نفسه يجب ان تشق الطرق وتبني المطارات والموانئ، ولكن الدولة التنموية هي التي تؤسس مشاريع التنمية حول تلك الطرق والموانئ.
وسنجد المفتاح الثالث في بناء الإنسان العماني. وسوف نجد عدة تجليات لهذا البعد داخل فكر وتطبيقات مشروع النهضة. سنجدها داخل سياسات توفير الاحتياجات والحقوق الأساسية للمواطن، أي الصحة والتعليم والمرافق العامة. الصحة والتعليم والمرافق العامة من مياه وكهرباء وصرف صحي وطرق حق للعمانيين بوصفهم مواطنين، لكنها أيضا ضرورة للدولة إذا أرادت ان تكون دولة قوية وحديثة، فلا يمكن للدولة ان تكون قوية وحديثة، دونما مواطنين أقوياء وأصحاء ومتعلمين.وسنجدها داخل سياسات المساواة النوعية. يشكل الحرص على المساواة النوعية احد ابرز أبعاد بناء الإنسان في مشروع النهضة العمانية. المرأة نصف المجتمع وحاضنة للتربية. وهي بوضعها هذا تشكل منبع نصف القوى العاملة في المجتمع، وحاضنة للتربية يماثل تأثيرها ان لم يرجح تأثير حاضنة التعليم. ودونما المساواة النوعية سيمارس المجتمع عملية إهدار كمي وكيفي لقواه العاملة. وسنجدها أيضا داخل سياسات التنمية الاقتصادية.
سعت خطط التنمية العمانية نحو مضاعفة الثروة الاجتماعية، وتنويع موارد الدخل الوطني، وتطوير البني التحتية، وتأسيس انفتاح وشراكة مع العالم الحديث، ورفع مستوى دخل المواطن. وكل ذلك في النهاية لا يبني فقط القاعدة المادية القوية والضرورية للدولة الحديثة، بل أيضا يؤسس لرفاهية المواطن ويؤمن الموارد اللازمة لتمويل دائم ومتنامٍ لسياسة توفير الاحتياجات الأساسية.
وهب صاحب الجلالة حياته كلها لوطنه، وكرس كل فكرة وحكمته من اجل خير شعبه، وسيظل اسمه على مر التاريخ مكتوبا بحروف من نور في ذاكرة شعبه البار الواعي بمكانته وفضله.