عن سلطان النهضة ورجل الحكمة

إميل أمين –

هل يمكن للمرء أمام نوازل القدر أن يتساءل لماذا أو كيف ؟ بالقطع لا يسعنا سوى التسليم لمشيئة الله، غير ان العظماء توارى أجسادهم الثرى، إلا ان أسماءهم تبقى حية على مدى الأجيال بما قدمته أياديهم، وما جادت به قرائحهم، وما تركوه من ارث انساني وإيماني، ومن بناء مجتمعي، ومن أفكار خلاقة. يصعب على المرء ان يعمل قلمه على الورق في رحيل صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله، معددا مناقب الراحل الكريم، غير أنها محاولة متواضعة تجاه سلطان النهضة ورجل الحكمة وفاء لذكراه العطرة.

يلزمنا كي نكون شهودا عدولا على ما فعله السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ في بلاده ان نلقي نظرة على الماضي الذي سبق النهضة المباركة وكيف كانت البلاد، وان نجري مقاربة آنية مع الصورة الخلابة والمشرقة التي ترك عليها السلطنة يوم رحيله.
باختصار غير مخل وعلى سبيل المثال لا الحصر نقول انه يوم استلم جلالته مقاليد الحكم كانت نسبة الأمية بين العمانيين تصل الى 95%، وفي طول البلاد وعرضها لم يكن هناك سوى مستشفى واحد، فيما المدارس لم يكن عدد مرتاديها يتجاوز 900 تلميذ.
استلم السلطان الراحل السلطنة، والتي رغم تاريخها وحضارتها القديمة والمجيدة، كانت الحرب الداخلية قد أضرت بنيانها المجتمعي بشكل كبير، وبات من الصعب للغاية إحداث تغييرات جوهرية وإصلاحات جذرية وسط مجتمع له تقاليده وقيمه سواء الروحية أو الاجتماعية، فالقديم عادة يجابه الجديد، بل لا نغالي ان قلنا انه يكرهه ويسعى الى طرده خارجا.
السؤال الجوهري في هذا المقال: كيف استطاع جلالته رحمه الله ان يحدث تلك النقلة غير المسبوقة، والتي أعادت عمان مرة أخرى الى مدارات ومساقات ماضيها الزاهر المجيد، ومكنها من تجاوز سطوة الاستمرارية.. استمرارية الركود الناجمة ليس فقط عن الملابسات الخارجية، بل عن الخصومات الداخلية الأزلية على مدار مائة عام بين القوى السلفية التقليدية المعتمدة على القبائل وحدها وبين السلطة المركزية المستنيرة ؟
السر المعلن وليس الخفي تمثل في إيمان السلطان بالإنسان العماني كركيزة أساسية في فعل النهضة المباركة الحقيقي، وآمن جلالته منذ اليوم الأول ان بناء الإنسان يعني نجاحات متلاحقة تلقائيا، وهو مما أثبتت العقود الخمسة الماضية نجاعته، وهو الإرث الحقيقي الذي تراكم عليه السلطنة اليوم مرحلتها الثانية من نهضتها المباركة.
على ان بناء الإنسان يبدأ من عند التعليم والمعرفة، انطلاقا من ان الذين يقرأون لا ينهزمون، في ذلك الوقت رأى رحمه الله ان التعليم وتنوير الشعب هو الطريق المؤكد والوحيد للنجاح والفلاح، وللانطلاق الى الآفاق المعرفية التي تضمن عودة السلطنة الى الموقع والموضع اللذان تستحقهما في الوقت الحاضر.
حين نقول ان الراحل الجليل كان سلطان الحكمة فنحن لا نتجاوز الحقيقة بحال من الأحوال، وآية ذلك ان الرجل الكبير والحكيم عرف ان بناء الإنسان هو المدخل الطبيعي الى النهضة والتنمية، وان عائدات النفط لا يمكن ان تكون هي الرهان الحقيقي، بل ان توضع مقدرات تلك العوائد في خدمة الإنسان العماني، فالتعليم هو مفتاح النجاح، وهو ليس هدفا بذاته، وإنما وسيلة لوعي الناس واداركهم الذاتي في المقام الأول… يقول غفر الله له: « كانت مشكلة التعليم تشغل بالي منذ الصبا، فبدون التعليم لا يأخذ الناس فكرة عن الخير والشر والحق والباطل ولا يمكنهم ان يهتموا بأنفسهم ويسهروا على مصالحهم».
ويضيف جلالته في حوار له مع الصحفي والكاتب الروسي سيرجي بلخانوف قائلا : « كنت أتلمس بعمق ان بلادا مثل عمان بتاريخها الغني العريق إنما كانت في وضع عصيب لا ذنب لها فيه وليس هو قدرها، وإنما يجب عليها وهي قادرة ان تنهض وتزدهر، وكان يحز في نفسي ان بلادي ضيعت تلك العظمة وتلك الشهرة التي كانت تتمتع بها في العالم فيما مضي، ومعظم الناس في الخارج في عهد فتوتي ما كانوا يعرفون اين يقع موطني».
يمكن للناظر للمشهد العماني اليوم ان يقارب بين حال السلطنة حين تسلمها جلالته رحمه الله، وبين ما هي عليه الآن، لا سيما وان وفود العالم بدءا من القوى الكبرى المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، بريطانيا وفرنسا، وبقية الأقطار والأمصار، قد جاءت الى السلطنة ناعية ومقدمة واجب العزاء، فعرفت السلطنة لحظة مفارقة السلطان لها بنفس قدر معرفتها وربما أزيد من وقت حياته، الأمر الذي يدلل على النجاحات التي صنعها الراحل الكريم بوضع بلاده ومن جديد على خريطة الأمم الناجزة والفاعلة وذات الوزن والتأثير بما لها من أيادٍ بيضاء على القاصي والداني.
علامة استفهام اخرى اساسية وجذرية: هل كان للسلطنة ان تجري اصلاحات سياسية وان تمضي في طريق تكوين دولة عصرانية من غير المعرفة العميقة والواعية بل الواعدة ؟
كثيرا ما يقول الفلاسفة ان اتاحة الفرصة لمجتمع نام وبعيد عن معاني ومباني الحياة السياسية بمنظوماتها الحديثة كالشورى والديمقراطية، هو بمثابة اعطاء النار لمن لا يعرف قوتها، ذلك انها فيما يمكن ان تنير في الظلمة الا انها ايضا يمكنها ان تحرق وتسبب في هلاك الزرع والضرع.
من هنا كان تركيز جلالته طيب الله ثراه على شيوع وذيوع التعليم والمعرفة كدرجة اولى في طريق الاصلاح السياسي في البلاد.
وفي هذا السياق ايضا تبدت حكمة سلطان الحكمة، فقد اخذ بيد شعبه وذويه خطوة بخطوة، ويوما تلو الآخر، في نهضة متانية عقلانية، بعيدة كل البعد عن الشطحات الثورية والشعارات الجوفاء، ومرة اخرى ومع بداية العقد الثاني من القرن الحالي، اثبتت الايام صحة رؤية جلالته فقد تعرضت الدول التي مضت في طريق الثورات والفورات الى انتكاسات غير قادرة حتى الساعة على الخروج منها، في حين ظلت السلطنة وستظل باذن الله واحة وارفة الظلال للأمن والامان، ولمسيرة الاستقرار والاستمرار.
كان السلطان على يقين بأن أية محاولة للانفتاح وإطلاق الحريات دون تعليم ابناء الشعب انما تتحول الى مغامرة خطيرة، فهم لا يستطيعون ان يشاركوا بوعي وإدراك في البناء المدني إلا ببلوغ مستوى معين من الاطلاع والمعلومات.
أدرك جلالته باكرا جدا انه بالعلم والمال يبني الناس ملكهم وانه ما من ملك يبنى على جهل او إقلال، وعليه فقد وضع ثروات البلاد وريع النفط منذ البداية في خدمة الإنسان العماني، وتعليمه، وليس أي تعليم، بل التعليم الجيد، ذاك الذي بدا في الأيام الأولى من مدارس ومراكز محو الأمية وغالبا ما كانت تجتمع التلاميذ في ظلال الأشجار الوارفة، وصولا الى إيفاد الطلاب العمانيين الى الدول العربية والأوروبية والى الولايات المتحدة الأمريكية لتحصيل أعلى صنوف العلم وارفع أنواع المعرفة، وبذلك كان جلالته يضمن سد حاجة البلاد الماسة الى كوادر الاختصاصيين والمؤهلين.
مثير جدا شأن الراحل الكريم، فقد استلم السلطنة وفيها ثلاث مدارس متواضعة، وفي خلال عقد واحد من الزمان كان يصدر قراره السلطاني ببناء أول جامعة في البلاد، على مسافة 50 كيلومترا من العاصمة، منفقا نحو 500 مليون دولار على بناء أجنحة التدريس والمكتبات ودور الطلبة والمرافق والمواصلات والتشجير. كانت المعرفة الحديثة الناشئة على الأراضي العمانية مزيجا بين الأصالة والمعاصرة، الانفتاح على حداثة العلم، والحفاظ على جوهر الحياة البدوية وقيمها الأصيلة، كانت هذه هي خلطة السلطان العجيبة التي كفلت للعمانيين هذا الاتساق الرائق والراقي في انفسهم اذ اعتبر جلالته ان الجامعة إذ تباشر رسالتها لبناء كوادر وطنية مؤهلة علميا على ارقى المستويات فان المسؤولية الملقاة على عاتقها تتطلب منها في المقام الأول العناية بترسيخ القيم والتقاليد الأصيلة التي يعتز بها الشعب العماني كل الاعتزاز، والاهتمام بإبراز التراث العماني الحافل بالأمجاد ليستمد أبناء الوطن من هذا كله ما ينير أمامهم الطريق ويحفزهم للعطاء والتفاني في خدمة الوطن على مكتسبات نهضته والعمل على تحقيق المزيد منها في إطار المسيرة الجادة على طريق التقدم والنماء. لم يكن بناء الإنسان العماني قائم في عهد جلالته على العملية التلقينية فقط، بل باكرا جدا فتح مسارات ومساقات الإبداع بمختلف أشكالها وألوانها، فقد اهتم ببناء الجسد كما ببناء العقل، من خلال فكرة المراكز الرياضية التي يسعى اليها الشباب العماني، والمعروف ان من يقبل على الرياضة يبتعد تلقائيا عن أي مسار او مساق آخر للانحراف او للإدمان، ومن هنا تأتي القوة البدنية مع السلامة العقلية لتنتج لنا الإنسان الحديث. في هذا السياق كانت ايضا الرعاية الطبية مدارا ومسارا لسلطان الحكمة، فبغير رعاية صحية جيدة تكثر الأمراض وتنتشر الأوبئة، والمعروف ان شعب مريض مصاب بالأوبئة هو شعب غير قادر على الترقي او مواصلة النجاح، وما بين علاجات أولية بدائية ربما تضر بأكثر مما تفيد، وبين صروح طبية ومستشفيات على درجة من العالمية يدرك المرء ما الذي تركه سلطان الوفاء من خلفه.
جزء آخر في عملية بناء الفرد العماني، إنها الفنون، إنها الموسيقى التي أولاها جلالته رحمه الله مكانة فائقة الاهتمام، ولهذا تبقى الاوركسترا السلطانية العمانية تراثا مجيدا لجلالته، فمن دولة لا يوجد بها سوى 5% يجيدون القراءة والكتابة، الى دولة لديها اوركسترا تضارع نظيراتها في العواصم العالمية، ولو علمنا كيف ان الموسيقى ترقي الأمم والشعوب لأدركنا كيف كانت نظرة جلالته شاملة كافة مناحي الحياة الإنسانية ليترك من وراء شعب مثقف عروبي عولمي قادر على التثاقف مع شعوب العلم دون خجل او وجل، وبغير مشاعر نقص او خوف من ملاقاة الآخر المغاير. احدث السلطان قابوس ثورة ونهضة اقتصادية عمانية لا شك، غير ان ثروته الكبرى التي لن تضيع هي الإنسان العماني الذي سوف يذكره وتذكره الأجيال القادمة بالدعاء والترحم.