قابوس .. السلطة والمروءة

د. أم السعد مكي، الجزائر –
mekkioumsaad@yahoo.fr –

بكت سلطنة عمان قائدها، تماما كما بكاه كل من عرفه، وقيل إن أهل عُمان ضاقت بهم الأرض رغم رحابتها بعد رحيل السلطان قابوس، وهو الذي ملأ المكان بصوته، طموحه اللامحدود والمشروع، شغفه الكبير بصناعة كل شيء لشعبه، حتى قيل «رأيت شعوبا تحب زعماءها، لكن مثل حب العمانيين لسلطانهم أبدا ما احتوت القلوب»، فهذا السر الكبير بين الشعب والسلطان ما عاد سرا في حقيقة الأمر، حيث المشاعر التي فاضت عن جنبات القلوب لم تعد تخفي شيئا ومنذ عقود.
يقترن اسم (قابوس) دائما بالسلطنة بالمكان وبالزعامة، كما يقترن بالمروءة والتفاني، يقترن بالحداثة في البناء للإنسان والبنيان، يقترن أيضا بحياكة شبكة من العلاقات التي تطمح إلى «المودة والسلام»، يقترن بفضاء قصره الذي خسر وللأبد تلك الخطوات المهيبة وهي تطبع على السجاد والبلاط، ورائحة عنفوان المكانة، كما خسرت جنبات البلاد نظرات كانت تحاول دائما أن تغطي جغرافية المكان للتأكد من أن ما يتم التخطيط له ينجز، وما ينجز هو حتما تحت المراقبة.
السلطان قابوس -طيب الله ثراه- لم يكن رجعيا أبدا بقدر ما كان يطمح إلى تجاوز نكبات البلاد وحروبها الداخلية التي تشتعل ولا تنطفئ، حتى أن مجيئه الأول إلى فضاء السلطة كان على وقع حرب داخلية تمكن بفضل حكمته وحنكته من إخماد فتنتها، وتوحيد مرابع المكان بكل عزيمة للتوجه نحو مرحلة (البناء).
ولعلها أخطر وأكثر المسؤوليات جسامة على الإطلاق، وهو السؤال الجوهري الذي يُطرح في كل وقت وحين: ماذا نبني، وكيف نبني، وبأي الوسائل والأدوات يمكن تحقيق ذلك، أي آلية أنسب، وأي نقطة هي المرتكز والأولوية؟، في مساحة شاسعة، وبين تضاريس غاية في الصعوبة تتماهى إلى «الثلث الخالي»، لم يقف السلطان قابوس طويلا عن «استحالة» الإجابة عن السؤال…
عمل السلطان قابوس على كل الأوراق، بين تعليم، بناء المدارس والجامعات، المصانع، الاستثمار، السياحة، مد القنوات وشق الطرقات، وبناء منشآت غاية في التطور في قطاع النقل الجوي والبحري، وهي السلطنة التي تفتخر بامتدادها الطويل لصناعة السفن، لم يترك مجالا لم يطرقه، ولم يغفل قبل كل ذلك عن بناء «الإنسان»، وتكوينه، وتنمية القدرات والمهارات وتعزيز الكفاءات، كل تلك الأدمغة التي هاجرت للتعليم رجعت بناء على دعوته التي أطلقها معلنا حاجة الوطن «لسواعد وعقول أبنائه»، فلبى الجميع النداء، كان هدف المشاركة في المشروع المجتمعي يتصدر قائمة «الأولويات» بالنسبة للكفاءات العمانية.
أهمَ ما استطاع أن ينجزه السلطان قابوس، هو ذلك الإيمان العميق الراسخ لدى أبنائه بأن الوطن هو الأول وهو كل شيء، وأن الافتخار بالامتداد الجسدي والعاطفي له هو كل الفخر، يظهر ذلك في كل الخطابات الإعلامية، والرسمية، والتي تأتي متوائمة متمازجة مع بعضها دائما بكل اعتزاز بأن الإنسان (العُماني) الذي انتقل خلال خمسين سنة من تقلّد الراحل سدَة الحكم صنع فروقات كثيرة، صنع مجد الوطن الذي تضرب جذوره بعيدا في التاريخ والامتداد الجغرافي على حد سواء.
هذا المصاب الجلل هو ما جعل الوطن يضيق رغم رحابة مساحته بأرضه وسمائه، ، كيف لا يضيق الوطن اليوم وهو الذي كان يحمل «خارطة الإنسان»، هذا الذي كان جذوة لا تنطفئ، وساعة لا تتوقف عن الدوران، وهو الذي كان بمثابة الرحى التي لا تهدأ أبدا تمد الناس بالطاقة والهواء والماء.
السلطان قابوس، عوَّل كثيرا على كل متغيرات ومدخرات الوطن بأن يكونوا تخومًا للتطلع نحو مستقبل لا ينتهي من الآمال والطموحات، ومن الاستعدادات الحثيثة التي لا تتوقف عن التجديد، يحاول تطويعها دائمًا ليصنع على فترات متعاقبة مستقبلا يليق بكل فترة، وبكل قدرة تمكن من بلوغها، وبكل ما انطوت عليه نفسه من أفكار خلَّاقة ملامح عصر جديد داخل عصره القديم الذي لا ينتهي، هو الذي جعل رسالة الأجداد متواصلة، وهو الذي جعل من المضائق مصدر قوة ونفوذ، وجعل من الأفلاج نقطة استقلال ذاتي، ومن ضباب «صلالة» متكئًا للراحة والهدوء، ومن سلاسل الجبال المحيطة بالوطن أمنا وسلاما.
غير أن رحيل السلطان قابوس جعل المُصاب جللا، ترك الجبال والأفلاج والمحيط تئن من وطأة الحدث، ولعل الفلاة الخالية في هذه اللحظات أصبحت عامرة وهي لا تكف عن التضرع إلى الله بأن يتغمد جلالة السلطان بواسع الرحمة والمغفرة، وهو الذي شكَّل على امتداد نصف قرن (كاملٍ) من الزمن علامة فارقة .. قابوس الفارس، السلطان والمروءة، وستظل ما دامت السلطنة أيضا علامة فارقة.