معجزة نهضة آسيا

راميش ثاكور اليابان تايمز –

هل اليابان بلد آسيوي؟ جغرافيا، هذا سؤال سخيف. لكنها بلد غربي بمنطق الاقتصاد والوجهة السياسية والتحالف الجيوسياسي في عصر يشهد اهتماما بالغا بسياسة الهوية.
طرح هذا السؤال ديباك نايار في كتابه الرائع الجديد « آسيا الناهضة: التنوع في التنمية «(مطبعة جامعة أكسفورد).
موضوع الكتاب تجربة التنمية في آسيا منذ عام 1968.
كانت اليابان البلد الآسيوي الوحيد في القرن التاسع عشر الذي نجح في اتخاذ المسار الأوروبي الأطلنطي نحو الاقتصاد الصناعي الحديث. وكانت القوة الكبرى الوحيدة لقارة آسيا في القرن العشرين.
لكن المؤسف أن اليابان تأسَّت بالقوى الأوروبية في عدوانها الاستعماري بعد أن بالغت في تقدير قوتها العسكرية ودفعت ثمنا باهظا لذلك تمثل في هزيمتها نوويا وقصفها بالقنبلة الذرية واحتلالها.
لاحقا أيضا، ظلت اليابان جزءا من مجموعة البلدان الغربية الغنية بعد تعافيها وإعادة تأسيس نفسها كثاني أكبر اقتصاد في العالم.
تناول نايار هذا الموضوع وهو مسلح بتأهيل أكاديمي استثنائي وخبرة بالسياسات الوطنية والدولية في العالم الواقعي. يمزج الكتاب الذي يكشف عن معرفة واسعة بين الدراسة البانورامية للخبرة الآسيوية في عمومها (باستثناء اليابان المُصَنَّعة سلفا) والدراسة التفصيلية الدقيقة لأربعة مناطق فرعية و14 بلدا.
كما يجمع بين ثروة من البيانات التجريبية وجداول عديدة ويَقرِن بين سردية تحليلية وحبكة قصصية مقنعة. كذلك يملك نايار قدرة لغوية فذة تجعل قراءة الكتاب تجربة ممتعة.
نقطة الانطلاق هي الكتاب القوي التأثير للاقتصادي السويدي غونر ميردال «الدراما الآسيوية: بحث في فقر الأمم»، الصادر عام 1968.
كان ميردال متشائما بشأن مستقبل آسيا لأن «دولها الهشة» تفتقر إلى القدرة المؤسساتية والقوة السياسية اللازمتين لهزيمة أصحاب المصالح الشخصية والنخب الراسخة. لكن النمو الاقتصادي غير المسبوق في آسيا خلال خمسين عاما بعد 1968 دحض تلك النظرة المتشائمة.
في فصول متتالية من الكتاب يشرح نايار فكرته التي تستند على سبعة عناصر.
أولا، بسطت القوة الأوروبية هيمنتها الاقتصادية والجيوسياسية ارتكازا على الثورة الصناعية. زوّدها ذلك بالوسائل العسكرية اللازمة للسيطرة على الأراضي الآسيوية وخدمة مصالحها التجارية والإستراتيجية.
ثانيا، بالنسبة للمستعمرات كانت النتيجة تفكيك صناعاتها وإفقارها. السبب الرئيسي لذلك «التباين العظيم» في مستويات الدخل الأوروبي والآسيوي خلال مائة عام هو أن شروط تكامل آسيا مع اقتصاد العالم أملَتْهَا حاجات القوة الاستعمارية التي اقتلعت موارد آسيا لمراكمة رأس المال وأغرقت أسواقها بمنتجاتها الصناعية. (التباين أو الافتراق أو التفاوت العظيم مصطلح صاغه صمويل هنتنغتون في عام 1996. يقترن به في معناه مصطلح آخر هو المعجزة الأوروبية وكلاهما يقصد به التحول الافتصادي والاجتماعي الذي جعل أوروبا تتقدم على بقية بلدان العالم في العصر الحديث- المترجم.) تسبب ذلك في معدلات نمو سلبية استمرت لفترة طويلة في آسيا وهبوط نصيبها من الدخل العالمي من النصف في عام 1980 إلى 15% في عام 1960 وتدني حصتها التصنيعية من النصف أيضا إلى 6%.
ثالثا، كان النمو في آسيا في حقبة ما بعد الاستعمار أفضل كثيرا من القرن السابق لها إبان الاستعمار. فالتصنيع ضروري للنمو الاقتصادي. والتنمية الاقتصادية للبلدان والتقدم الاجتماعي للشعوب يشكلان دائرة حميدة. كانت هنالك هجرة للعمال من الريف إلى المدن وتدن لدور الزراعة في الناتج الاقتصادي والتوظيف ونمو في الأنشطة الاقتصادية بقطاعي الصناعة والخدمات الحضريين. لقد عزز التحول الاقتصادي تحولا اجتماعيا كبيرا مع هبوط معدلات وفاة المواليد وارتفاع مستوى الإلمام بالقراءة والكتابة ومعدل العمر كمؤشرات رئيسية للرفاهية.
رابعا، أداء آسيا في فترة ما بعد 1968 أفضل كثيرا من أداء البلدان الأورو- أطلنطية أثناء الثورة الصناعية. إن من يأتون متأخرين للتصنيع يمكنهم من خلال تبني السياسات والمؤسسات الصحيحة اللحاق بالسابقين. وللتعويض عن الأوضاع الابتدائية غير المواتية والمتمثلة في ندرة رأس المال والعمالة غير الماهرة وانعدام ريادة الأعمال والقدرات التكنولوجية من الضروري أن تتدخل الدولة.
الدول الخَطَّاءة (القابلة لارتكاب الأخطاء) والأسواق غير المثالية متكاملان وليسا بديلين وإيجاد الموازنة الصحية بينهما عامل مفتاحي في شرح نجاح «الدول التنموية» في كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة. تبنت هذه البلدان النموذج الياباني للدولة التي هي إما محفزة أو مساعدة ضرورية للتصنيع.
كان التصنيع المحلي للصلب والأسمنت والسيارات مركزيا بالنسبة للتصنيع. وساعد الانفتاح الاقتصادي على التصنيع لكن فقط حين تضافر معه التنسيق الإستراتيجي للتجارة والسياسات الصناعية مثل الحماية الجمركية للصناعات الوليدة ومساندة الدولة للصناعات الناشئة والضمان الحكومي لإمكانية الحصول على الائتمان بمعدلات فائدة ميسرة.
خامسا، شهد نمط وتسلسل التصنيع ومعدلات النمو تنوعا كبيرا وكان شرق آسيا هو « النجم» وجنوب آسيا «المتلكئ» وجنوب شرق آسيا «في منزلة بين المنزلتين «. أيضا كان سجل البلدان متفاوتا على نحو شبيه بذلك إذا أخذنا كل بلد على حدة وكما يتضح على نحو لافت في حالتي الهند والصين. أيضا تَنَوَّعَ معدلُ النمو بقدر كبير داخل البلدان. فمثلا أداء الهند غير متساو إلى حد بعيد بين ولاياتها وبالتأكيد ذلك ينطوي على درس مهم فيما يخص الإستراتيجيات الناجحة والمختلة للنمو الاقتصادي المستدام والتحول الاجتماعي.
لم يتفحص نايار هذه المسألة. والراجح أن أُطُرَ السياسات ونوعية الحكم والقيادة السياسية هي التي تفسر التفاوت في الأداء.
سادسا، تفوقت آسيا وهي التي كانت أفقر قارة في العالم عام 1950 على كل من البلدان الصناعية والنامية. هذا الأداء الأفضل نسبيا في النمو رفع بنسبة كبيرة حصتها في الناتج المحلي الإجمالي للعالم وصادراته الصناعية والسلعية والخدمية واحتياطياته من النقد الأجنبي.
سابعا، التغيير الذي حدث في ميزان القوى لصالح آسيا لم يَقْضِ حتى الآن على الهيمنة السياسية للغرب في المؤسسات الرئيسية للحوكمة الدولية. ومن الممكن أن يتسبب التنافس بين القوى الآسيوية في استمرار حرمانها من مكانتها المستحقة في ذروة صناعة القرار الدولي.
هنالك مسألتان أخريتان لهما أهمية بالغة. فتماما كما أن تشاؤم ميردال في عام 1968 دحضه النمو غير المسبوق في آسيا خلال نصف القرن التالي كذلك قد يتضح أن التفاؤل الحالي في غير محله خلال نصف القرن القادم. فرغم خفض العدد الضخم للفقراء بحوالي 1.1 بليون شخص لايزال هنالك 500 مليون آسيوي في فقر مدقع. ولكي تتمكن الدول الآسيوية من تحويل التنبؤات المتفائلة إلى واقع سيكون لزاما عليها التغلب على التحديات الكبرى للفقر الواسع النطاق واستشراء البطالة واللامساواة المتزايدة ومصيدة الدخل المتوسط.
ولكي تنتقل البلدان في آسيا إلى التصنيع المستدام وإلى مستوى أعلى للدخول المتوسطة عليها تحسين الإنتاجية من خلال القدرات الإدارية والتعلم التكنولوجي والابتكار القائم على البحث والتطوير.
إن التحدي الأكثر أهمية هو استدامة عملية النمو الاقتصادي عبر التصنيع الذي يستند على الاستخدام الكثيف للطاقة دون التسبب في دمار بيئي يقضي على الأخضر واليابس.
لقد حققت الثورة الصناعية زيادات حادة في الإنتاجية والدخول ومستويات المعيشة. لكنها كانت تستمد طاقتها من موارد الوقود الأحفوري.

والسؤال هو: هل يمكن للاقتصادات الكبرى في الصين والهند الانتقال إلى موارد غير كربونية قبل أن يتجه العالم نحو كارثة مناخية لا يمكن تلافيها؟

  • الكاتب أستاذ فخري بمدرسة كروفورد للسياسات العامة بالجامعة الوطنية الأسترالية