القضاء حظي بالاهتمام والرعاية المباشرة من السلطان الراحل

منظومة مستقلة ومتكاملة تضمن تكافؤ الفرص والمساواة في الحقوق والحريات –
تقرير –  عهود الجيلانية –

ارتبطت متطلبات التنمية الشاملة في السلطنة بتوفير الأمن والاستقرار الذي من ركائزه نجاح المنظومة القضائية المستندة على ضمان تكافؤ الفرص والمساواة في الحقوق والحريات، ولذلك فقد حظي القضاء بالاهتمام والرعاية من لدن جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -طيب الله ثراه- الذي قام بوضع بيئة قضائية مستقلة ونزيهة وعمل على تحقيق رؤية القضاء في الريادة في تقديم التقاضي وتحقيق العدالة، كما أولت النهضة المباركة أهمية بالغة للسلطة القضائية كونها أحد أعمدة الدولة الحديثة، وجاء إنشاء وزارة للعدل ضمن أول تشكيل وزاري عام 1970م فسعت منذ إنشائها إلى بسط العدل بين المتقاضين عن طريق المحاكم الشرعية التي تنظر في القضايا المعروضة عليها وتفصل فيها بموجب الشرع الشريف، كما أن النظام الأساسي للدولة وفر الأرضية اللازمة لقيام نظام قضائي شامل حيث أفرد له بابًا خاصًا رسم فيه ملامح وإطار نظام السلطة القضائية.
وتمكنت السلطنة من الوصول إلى مصاف الدول المتقدمة بل تقدمت على غيرها من الدول التي سبقتها في التنظيم القضائي، وحققت المرتبة الأولى عربيًا فيما يتعلق بمؤشر استقلالية القضاء ضمن تقرير التنافسية العالمي لعام 2018 الصادر عن منتدى الاقتصاد العالمي الذي أكد نجاح السلطنة ممثلة في المنظومة القضائية في تحقيق إنجازات تعكس مدى التطور الذي يشهده العمل القضائي في السلطنة والذي يعد تتويجًا لما تشهده من استقلالية القضاء منذ عام 2012 بصدور المرسوم السلطاني رقم (10/‏‏‏2012) بشأن تنظيم إدارة شؤون القضاء.
وإدراكا من جلالته -طيب الله ثراه- بفكره الثاقب وبصيرته النيرة أن العدل هو أهم مقومات الدولة وأحد أركانها وأنه لا حياة للشعوب بغير العدل، فقد أكد في إحدى خطبه الخالدة أمام مجلس عمان أن «العدالة لا بد أن تأخذ مجراها وأن تكون هي هدفنا ومبتغانا ونحن بعون الله ماضون في تطوير المؤسسات القضائية والرقابية بما يحقق تطلعاتنا لترسيخ دولة المؤسسات، فدعمنا للقضاء واستقلاليته واجب التزمنا به، واحترام قراراته بلا محاباة أمر مفروغ منه فالكل سواسية أمام القانون».
ويعتبر 23 يوليو 1970م يوم تولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- مقاليد الحكم في البلاد بداية للنهضة العصرية في كل المجالات والتي على رأسها التنظيم القضائي، إلا أن هذا التنظيم لم يأت دفعة واحدة بل مر متطورا بمراحل متدرجة حسب متطلبات الأحوال ومقتضيات الزمان، وتميزت سياسة السلطنة المتبعة بالتطوير التدريجي والاستفادة من الدول في التنظيم والتقنين.

النظام الأساسي للدولة

وبصدور النظام الأساسي للدولة بالمرسوم السلطاني رقم (101/‏‏96م) دخلت السلطنة مرحلة جديدة ومتقدمة من مراحل دولة المؤسسات والقانون، فقد عُني النظام الأساسي للدولة عناية خاصة، بتنظيم القضاء فأفرد له بابا خاصا، إيذاناً بتطوير النظام القضائي على أسس حديثة ومرئيات تتواكب والتنمية الشاملة التي تشهدها السلطنة في مختلف المجالات، حيث نصت المادة (59) من النظام الأساسي للدولة على أن «سيادة القانون أساس للحكم في الدولة، وشرف القضاء ونزاهة القضاة وعدلهم ضمان للحقوق والحريات». ونصت المادة (60) على أن «السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفق القانون». والمادة (62) من هذا النظام تنص على أن «يرتب القانون المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، ويبين وظائفها واختصاصاتها…»
وعلى هدي النظام الأساسي سنت تشريعات جديدة منظمة للعمل القضائي، فصدرت مجموعة من قوانين متتالية، بها ينكشف النظام القضائي في سلطنة عمان، هذه القوانين هي: 1ـ قانون السلطة القضائية بالمرسوم السلطاني رقم (90/‏‏99م) 2ـ قانون لجان التوفيق والمصالحة بموجب المرسوم السلطاني رقم 98/‏‏2005. 3ـ قانون محكمة القضاء الإداري الصادر بموجب المرسوم السلطاني رقم 91/‏‏99م: 4-قانون الادعاء العام الصادر بموجب المرسوم السلطاني رقم 92/‏‏99م. 5ـ مرسوم سلطاني رقم( 93/‏‏99) بإنشاء المجلس الأعلى للقضاء
ويمثل قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (90/‏‏99) المعدل بالمرسوم السلطاني رقم (14/‏‏2001) حدثاً تشريعياً هاماً حيث يعد نقلة للقضاء من التعددية إلى الوحدة ومن المحدودية إلى الانتشار ليمتد ظل العدالة ويعم كافة ولايات السلطنة، وقد رتب المحاكم على اختلاف أنواعها إلى ثلاث درجات وهي ( المحكمة العليا ومحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية ) وبين اختصاصاتها.
وقد استحدث قانون السلطة القضائية هيئة برئاسة رئيس المحكمة العليا وعضوية عشرة من القضاة الأقدم فالأقدم من نواب الرئيس وقضاة للنظر في العدول عن مبدأ قانوني قررته إحدى دوائر المحكمة. وهيئة أخرى برئاسة رئيس المحكمة العليا وعضوية اقدم خمسة من نوابه او الأقدم فالأقدم من القضاة بها ورئيس محكمة القضاء الإداري ونائبه واقدم ثلاثة من مستشاري المحكمة تختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بمدى تطابق القوانين واللوائح مع النظام الأساسي للدولة وعدم مخالفتها لأحكامه.

استقلال القضاء

وأصدر جلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه- المرسوم السلطاني رقم 9/‏‏2012م بإنشاء المجلس الأعلى للقضاء وتحديد اختصاصاته، ويهدف المجلس إلى العمل على استقلال القضاء وتطويره وترسيخ قيم ومثل وأخلاقيات العمل القضائي ورعاية نظمه. وللمجلس الأعلى للقضاء في سبيل تحقيق أهدافه كافة الاختصاصات والصلاحيات بصفة خاصة ودوره في رسم السياسة العامة للقضاء، والعمل على ضمان حسن سير العمل بالمحاكم والادعاء العام وتطويره والعمل على تيسير إجراءات التقاضي وتقريبها للمتقاضين، واقتراح مشروعات القوانين المتعلقة بالقضاء، وإبداء ما يراه في شأن ما ترفعه الجهات المختصة من هذه المشروعات. إبداء الرأي في مشروعات اتفاقيات التعاون القضائي بين السلطنة والدول الأخرى.
وجاء المرسوم السلطاني رقم (54 /‏‏‏‏‏ 2012)، منظما لعمل مجلس الشؤون الإدارية للقضاء، ومعينا له في أداء دوره في تطوير منظومة القضاء، حيث نص على إنشاء أمانة عامة لمجلس الشؤون الإدارية للقضاء تعاون المجلس ورئيسه في ممارستهما لاختصاصاتهما المقررة قانونا، كما اعتمد المرسوم الهيكل التنظيمي للأمانة العامة لمجلس الشؤون الإدارية للقضاء، حيث يتكون الهيكل التنظيمي من ست (6) إدارات هي الإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية، الإدارة العامة للمحاكم، الإدارة العامة للتخطيط، الإدارة العامة لشؤون القضاة، الإدارة العامة لشؤون التنفيذ، الإدارة العامة للتفتيش القضائي. وعكس هذا الهيكل التنظيمي سياسات المجلس في الاهتمام بتطوير المنظومة القضائية انطلاقا من التخطيط وتوفير المتطلبات الإدارية والمالية، وصولا إلى العناية بالعمل القضائي منذ تسجيل الدعاوى وحتى تنفيذ الأحكام والرقابة التي تأتي بعد صدور الأحكام، لضمان تحقيق العدالة الناجزة.
وصدر المرسوم السلطاني رقم 10/‏‏2012م بشأن تنظيم شؤون القضاء والذي استقل فيه القضاء استقلالا تاما، وذلك بنقل تبعية المحاكم والإدارة العامة للتفتيش القضائي والإدارة العامة للمحاكم وموظفيها والاعتمادات المالية المقررة لها من وزارة العدل إلى مجلس الشؤون الإدارية المنصوص عليه في قانون السلطة القضائية، على أن يكون لرئيس المجلس الاختصاصات والصلاحيات المعقودة لوزير العدل بموجب القوانين والمراسيم السلطانية النافذة على أصول وحقوق وسجلات وموظفي تلك الجهات. كما شهد القضاء في السلطنة نقلة نوعية نحو الاستقلال التام عندما صدر المرسوم السلطاني رقم 25/‏‏2011م باستقلال الادعاء العام إداريا وماليا، وتولي المدعي العام صلاحيات المفتش العام للشرطة والجمارك المنصوص عليها في قانون الادعاء العام.

القضاء الاداري

جاء إنشاء محكمة متخصصة للقضاء الإداري في السلطنة تنفيذا لما نصت عليه المادة (67) من النظام الأساسي للدولة ، الأمر الذي يُعد نقلة حضارية هامة في التنظيم القضائي بالسلطنة وترسيخاً لدولة المؤسسات والقانون. وقد حرصت هذه المحكمة منذ بداية ممارسة اختصاصاتها المناطة بها على تحقيق العدالة بين المتقاضين في حدود القانون، واضعة جل اهتمامها تحقيق الأمور الآتية:
كما جاء إنشاء هذه المحكمة إيمانا بأهمية إيجاد قضاة متخصصين ملمين بأعمال الإدارة ويتفهمون ظروفها ومطالبها ويحرصون في الوقت ذاته على حماية الحقوق والحريات الفردية في مواجهة الإدارة، فيستطيعون بذلك التوفيق بين المصلحة العامة وما يجب لتحقيقها من تمتع الجهات الإدارية بقدر من الاستقلال وحرية في التقدير من أجل حسن سير المرافق العامة بانتظام واطراد، وبين المصلحة الخاصة للأفراد التي تستوجب توفير الحماية القضائية لهم من أي تصرفات قد تصدر مخالفة للقانون تؤدي إلى المساس بحقوقهم وحرياتهم ، فضلا عن أن وجود القضاء الإداري المتخصص سمح بإنشاء قانون إداري يحكم نشاط الإدارة في علاقتها بالأفراد، وذلك عن طريق النظر في الخصومات الإدارية وفقاً لمبادئ القانون الإداري التي تتفق وطبيعة هذه الخصومات وتختلف عن قواعد ومبادئ القوانين والأنظمة التي وضعت لتحكم العلاقات الخاصة بين الأفراد والتي يطبقها القضاء العادي، مما يتيح لهؤلاء القضاة فرصة ابتداع الحلول المناسبة للعلاقات القانونية التي تنشأ بين جهات الإدارة والأفراد، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى مساعدة الإدارة على إرساء مبدأ المشروعية والتعرف على الحلول السليمة التي يتعين عليها اتباعها عند اتخاذ قراراتها أو تصرفاتها. واستمرارا لنهج الدولة في تأكيد سيادة القانون بالبلاد وكفالة حق التقاضي للناس كافة فقد صدر المرسوم السلطاني رقم 3/‏‏2009 بتعديل بعض أحكام قانون محكمة القضاء الإداري، وكان من أبرز التعديلات توسيع اختصاص المحكمة فيما يتعلق بالدعاوى التي يقدمها الموظفون العموميون حيث أصبحت المحكمة مختصة بمراجعة القرارات الإدارية النهائية المتعلقة بسائر شؤونهم الوظيفية بعد أن كانت محددة على سبيل الحصر، كذلك زيادة ميعاد تقديم التظلم من القرار وميعاد رفع الدعوى إلى شهرين بدلا من شهر، بهدف منح المتقاضين والجهات الإدارية المهلة الكافية لإعادة النظر في القرار المتظلم منه ولرفع الدعوى أمام المحكمة، كما تضمنت التعديلات إمكانية تشكيل أكثر من دائرة استئنافية بالمحكمة بعد أن كانت مقصورة على دائرة واحدة، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بتنظيم إجراءات التقاضي وسير العمل بالمحكمة.