المخاطر غير المحسوبة في أزمات الشرق الأوسط

د. عبد العاطي محمد –

مع بداية كل عام اعتاد الناس على اختلاف مشاربهم التفاؤل خيرا، ولكن سرعان ما حمل عام 2020 صدمة جديدة عززت توقعات كثير من المحللين بأنه عام الارتباك وتزايد الصراعات في العلاقات الدولية. وبما أن الشرق الأوسط هو أكثر المناطق سخونة واضطرابا بحكم تعدد أزماته التي لا تزال مرشحة للتحول إلى خطر اندلاع الحروب، فإن أعين كبار المحللين تركزت عليه وهي تنظر إلى المستقبل القريب.
والجديد في هذه التقديرات أنه وسط المخاطر العديدة المتوقعة لهذه الأزمات، هناك مخاطر لا تدخل في حسابات الأطراف لأنها غير محتملة، ولكنها تحدث فعلا، وعندها ترتبك المواقف وتتوالى التداعيات السلبية سريعا دون قدرة على إيقاف اندفاعها!.
فما كادت الأيام القليلة الأولى من العام الجديد تطوي ساعاتها، حتى حدثت واقعة مطار بغداد التي راح ضحيتها قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الإيراني وقيادات أخرى بينهم قائد بارز في الحشد الشعبي العراقي، وذلك في هجوم قادته قوات أمريكية. وقبل أن يوارى جسد سليماني التراب ردت إيران بقصف واحد من أكبر معسكرات القوات الأمريكية في العراق. وكان من الطبيعي أن يقف العالم على رأسه ويحاول أن يحتوي ما جرى، خشية أن تتدهور الأوضاع في الشرق الأوسط إلى حد كارثة جديدة. وأثناء فض أول مظاهر الاشتباك بين الجانبين الإيراني والأمريكي وقعت كارثة سقوط طائرة أوكرانية بعد إقلاعها من طهران بقليل اتضح سريعا أنها تحطمت بفعل خطأ غير مقصود من وسائل الدفاع الجوي الإيراني اعتقادا أنها كانت صاروخ كروز أمريكيا. وقد مثلت هذه الواقعة الأخرى أحد نتائج ردود الفعل المتعجلة لحالة التوتر المستعصية بين الجانبين.
التفاصيل لم تعد تهم القارئ كثيرا لأن هذه الأحداث احتلت مساحة واسعة من الاهتمام الإعلامي الذي سجل ردود الأفعال من كل الجهات الأربع في العالم. وفي التفاصيل لم يعد هناك مجال شاغر للإجابة عن التساؤلات المعتادة في مثل هذه الأحداث: كيف تمت العملية العسكرية (مطار بغداد)، وما هو تفسير الإدارة الأمريكية لها، وكيف جاء رد فعل إيران، وكذلك العراق؟. وما هي تداعيات سقوط الطائرة الأوكرانية، برغم إقرار طهران بأنها المسؤولة؟ فكل ما هو في نطاق هذه التساؤلات والإجابات الأولية عليها أصبح متاحا للقارئ والمشاهد، خصوصا في الشرق الأوسط وداخل الولايات المتحدة وبقية الدول الكبرى.
ولكن برغم كل ما حمله مشهد الوقائع الثلاث الخطيرة من تساؤلات وإجابات عليها، ظل هناك تساؤلان على قدر كبير من الأهمية بعيدين عن دائرة الاهتمام الإعلامي والسياسي، يتعلقان في مجملهما بطبيعة الأزمات والصراعات ومن ثم حاضر ومستقبل الشرق الأوسط: ما الذي يجعلها تمضي بهذه الوتيرة في اتجاه التصعيد دون أفق للتهدئة أو التسويات السلمية المرضية لكل الأطراف والمعنيين، وما تأثير ذلك على استقرار المنطقة كلها، بل وعلى العالم أيضا؟
ما يبرر طرح هذين السؤالين انطلاقا من سبر أغوار ملابسات وظروف آخر حلقات المواجهة الساخنة بين واشنطن وطهران، كنموذج لما يجري بشأن الأزمات الأخرى، أسباب كثيرة، منها التوقف عند عامل التوقيت، وقسوة وجرأة القرار الأمريكي بتصفية سليماني، بكل ما فيه من مجازفة. فليس بعيدا أن يتكرر المشهد في التعامل مع بقية أزمات المنطقة، طالما العناصر الحاكمة في اتخاذه تكاد تكون متشابهة فيما بينها. ودون الدخول في استعراض تطورات الواقعة، فقد تسلسلت محطاتها سريعا بشكل مفاجئ ودراماتيكي لم يكن يتوقعه أكثر الخبراء دراية بالوضع برمته. تعرض معسكر أو قاعدة أمريكية في كركوك لهجوم صاروخي من جانب ميليشيا عراقية تعتبرها الإدارة الأمريكية مدعومة من طهران، نتج عنه مقتل مدني أمريكي (مقاول خدمات)، وردت سريعا القوات الأمريكية بالهجوم على 5 مواقع لحزب الله العراقي 3 منها في العراق و2 في الأراضي السورية أسفر عن مقتل 25 شخصا، بعد قليل من الوقت تظاهرت حشود من الحشد الشعبي عند السفارة الأمريكية في بغداد بعد أن اخترقت حواجز المنطقة الخضراء، وجرت محاولة اقتحام السفارة وتعرضت أسوارها للحرائق، بينما هرعت واشنطن إلى إجلاء طاقم السفارة، وجرى كل ذلك على الهواء مباشرة. ولم يمض وقت طويل حتى حدثت واقعة مقتل سليماني ومرافقيه بعد أن خرجوا من مطار بغداد، وعند نقطة ليست بالبعيدة عنه. وقصة الواقعة فيها الكثير من الروايات والتفاصيل التي تضفي عليها التباهي بقدرات القوات الأمريكية بما عمق من جراح الطرف الإيراني!
لقد كان من الوارد جدا أن تكتفي إدارة ترامب بالرد الذي حدث في مهاجمة 5 مواقع لميليشيات عراقية تراها هي أنها مدعومة من طهران أو محسوبة عليها، ولا تلجأ إلى عملية مطار بغداد القاسية، خصوصا أن زيارات سليماني للعراق تعددت كثيرا على مدى زمني طويل ولم تكن خافية على واشنطن، وكان باستطاعتها استهدافه من قبل (تردد في الإعلام الأمريكي أنها حاولت ذلك قبل نحو عامين وتراجع الفريق المكلف عن التنفيذ في آخر لحظة). كما أن المتظاهرين الذين حاولوا اقتحام السفارة فكوا الحصار وتراجعوا قبل الواقعة استجابة لطلب الحكومة العراقية (هكذا برر المتظاهرون عند السفارة مسألة الانسحاب). والمعنى أنه كان من الوارد ألا تتجه إدارة ترامب إلى عمل جديد لتصعيد المواجهة مع إيران من ناحية، ولعدم وضع الحكومة العراقية في موقف بالغ الصعوبة أكثر مما هو قائم منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية من ناحية أخرى.
ومن جهة أخرى من الوارد قطعا أن يكون الطاقم المحيط بالرئيس الأمريكي ترامب قد وضع أمامه ما يسمى بتقدير الموقف والخيارات المتاحة للرد على ما اعتبرته الإدارة تجاوزا للخطوط الحمراء لدورها في الساحة العراقية، بل أيضا تجاوزا لقواعد الاشتباك القائمة بين واشنطن وطهران منذ أزمة إلغاء الاتفاق النووي من جانب الأولى. ولكن اتضح أن الرجل اتخذ قرارا سياسيا مضمونه أن يضعف صورة إيران في الداخل وعلى الصعيد العراقي (تفكيك الرابطة بين بغداد وطهران) ووجد تطبيق هذه الرؤية السياسية باستهداف شخصية إيرانية بارزة جدا هي قاسم سليماني، كما أراد أن يتم إخراج المشهد بما يمس هيبة ومكانة طهران. ومن تابع ردود الفعل الإيرانية يسهل عليه التعرف على حجم المرارة الكبير الذي شعرت به القيادة الإيرانية من واقعة المطار.
ومرة أخرى، في سياق سبر أغوار قرار الرئيس الأمريكي، يظل التساؤل المحير: لماذا اختار ترامب سياسيا الخروج على قواعد الاشتباك هذه المرة مع أنه لم يفعل ذلك في وقائع سابقة حيث تبنى التهدئة إلى حد غير معتاد، وذلك عندما تم إسقاط إحدى طائرات الدرونز الأمريكية، وعندما تصاعدت السخونة في مياه الخليج، وعندما وقع الهجوم على أرامكو، وكلها وقائع توقع كثيرون أن يكون رد فعل ترامب حادا جدا تجاه طهران في ظل أن إدارته وجهت صراحة الاتهام لها بشأنها.
هنا تسمح لنا قراءة كبار المحللين لأبرز العناصر الحاكمة لآفاق العلاقات الدولية عام 2020 بناء على متابعتهم لأحداث وتفاعلات الأطراف الدولية معها في العام المنصرم 2019، تسمح لنا بفهم كيفية اتخاذ المواقف السياسية وصدور القرارات بشأنها فيما يتعلق بالمخاطر المحدقة بواقع منطقة الشرق الأوسط. مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة نشر في 26 ديسمبر 2019 تقريرا تضمن تلخيصا مفيدا ودقيقا لثلاثة لأهم ما جاء في 33 كتابا صدرت عن كبريات دور النشر العالمية، كتبه محمد عبد الله يونس، وقد حمل التقرير عنوانا رئيسيا هو احتواء المخاطر. والمهم من التقرير- في هذا المقام – ما ورد بخصوص مركزية القيادة السياسية انطلاقا من بروز أدوار من شخصيات قيادية تميل دائما لأن يكون دورها مؤثرا في حد ذاته على من حولها وتجاه العالم الخارجي مثل الرئيسين الأمريكي ترامب والصيني تشى جينبينج وغيرهم ممن يضخمون من الاعتبارات القومية، وكأنها عودة لرجال السياسة الأقوياء في الماضي البعيد مثل أدولف هتلر وماو تسي تونج!! مع الفارق بالطبع، وهؤلاء يقللون من دور المؤسسات ولديهم ميول شعبوية وقومية (أمريكا أولا..) وثقة لا حدود لها في صحة رهاناتهم السياسية، وهؤلاء يصعب التنبؤ بمواقفهم وقراراتهم. ومع أن المخاطر في هذه الحالة لا ترد في ذهن متخذ القرار اعتقادا بعدم احتمالها، إلا أنها تقع لا محالة. هكذا تصرف ترامب، وهكذا لم تحسب إيران جيدا رد فعله تجاه ما اعتبره تحديا وتهديدا منها للدور الأمريكي في العراق. وهكذا كانت الأجواء التي تقرر فيها إصابة الطائرة الأوكرانية بالخطأ.
ومما يهم في هذا التقرير أيضا، ما جاء في بعض أبرز المؤلفات بخصوص العلاقة بين الدولة والمجتمع وتأثيراتها على الاستقرار الداخلي، وفي هذا الصدد هناك تركيز على المخاطر غير المتوقعة التي لا يتم الاستعداد لمواجهتها اعتقادا بأنه من غير المتخيل حدوثها، ومن الأمثلة على ذلك تحميل المواطنين العاديين تكاليف الإصلاح الاقتصادي بصورة مستمرة، وتراجع قدرة الدول على حماية مواطنيها أمنيا ومعلوماتيا واقتصاديا وإخفاقها في أداء وظائفها. وكان من الواضح أن الواقع العراقي ليس بعيدا عن هذه المخاطر، وتشهد بذلك حالة عدم الاستقرار القائمة منذ شهور، ولو أن الأمر كان مختلفا، بمعنى تحقيق الاستقرار وقيام الدولة بوظائفها، ما كان لمشهد المواجهة الأخير بين طهران وواشنطن أن يحدث. المشكلة إذن في ظهور الشعبوية والنزعة القومية وتفكك الدولة، فكلها عوامل تضاعف من المخاطر وتجعل ما هو ليس في الحسبان واقعا صادما.

جريدة عمان

مجانى
عرض