التنميــة فــي فكــر الســـلطان قابــــوس .. يد تبني.. وعين على المستقبل

مـــنذ سنوات النهضة الأولى كان تركيزه على تنويع مصادر الدخل واستغلال كافة الإمكانيات –
خطط تنموية متوالية لمستقبل أفضل تواكب المتغيرات وترتقي بالإنسان العماني –
جلالة السلطان هيثم بن طـارق يقـود عُمان الى مستقبل تتبوأ فيه مكانة بـين الدول المتقدمة –
تقرير : حمود المحرزي –

حين كان التركيز ينصب على الإنتاج النفطي كمورد رئيسي في دول المنطقة كان هو يستنهض همم الشعب ويدعو للإسراع في التنويع الاقتصادي واستغلال كافة الثروات والإمكانيات، رغم أن عمان بلد نفطي أيضا..
جاء السلطان قابوس بن سعيد ـ طيّب الله ثراه ـ الى الحكم بفكر متقد ونظرة ثاقبة.. اليد في البناء والعين على المستقبل، يبني للحاضر فيما يضع لمستقبل عمان اعتباراته ومتطلباته، ويجسد ذلك حينما قال في أحد لقاءاته بالمواطنين « يجب أن تكون نظرتنا بعيدة».
ومنذ بداية تأسيسه عمان الحديثة كان السلطان قابوس يدرك انه لا يمكن ان نعتمد في اقتصادنا على النفط كمصدر وحيد وهو سلعة نابضة، وظل يوجه حكومته للعمل على ضرورة التنويع الاقتصادي لغد افضل، ويؤكد على ذلك بشكل متواصل في خطاباته، ففي عام 1975 قال جلالته: «عمان تزخر بالخير وخيراتها ملك لشعبها الأبي، واذا كانت عائدات النفط هي المصدر الرئيسي لدخلنا في الوقت الحاضر، فإننا ندرك ان لدينا مصادر اخرى وفيرة لا بد من استثمارها لندفع عجلة التنمية والتطور بالسرعة التي نرجوها لهذه البلاد».
وبقي السلطان قابوس على مدى 50 عاما من حكمه يولي حرصا شديدا في النهوض بكافة القطاعات الاقتصادية لتنويع مصادر الدخل وتقوية الاقتصاد، مدركا ما تتمتع به عمان من امكانيات وثروات هائلة ترتقي بالحياة وتضمن العيش الكريم لأبناء شعبه.. ولأن وجود البنية الأساسية والمرافق الحيوية أمر مهم لانعاش الاقتصاد فقد اهتم القائد الملهم بتوفيرها ، وافتتح ميناء قابوس في عام 1974 ليصبح قادرا على استيعاب حركة الشحن والتفريغ لمختلف البضائع والمواد، مؤكدا ان إنشاء الموانئ من الأولويات نظرا لأهمية النقل البحري في تنشيط التجارة وحركة التنمية الاقتصادية، والتركيز على إيجاد الوسائل والسبل والمشاريع لرفع مستوى الاقتصاد وتوفير العمل والعيش الكريم لكل مواطن. وقد سبق افتتاح ميناء قابوس تشغيل ميناء ريسوت ليستقبل البواخر وأصبح عاملا أساسيا في دفع التنمية.
وبشكل مستمر كان فكر السلطان قابوس بن سعيد يتميز ببعد النظر والاستعداد للمستقبل مخططا وموجها، والمتتبع لتطور الاقتصاد العماني يدرك ذلك من خلال الخطط التنموية المتوالية والاستراتيجيات طويلة المدى، فبعد المرحلة التمهيدية التي امتدت حتى عام 1975 والتي قام جلالته خلالها بتهيئة الظروف والمناخ الملائم لتطوير البلاد، وبناء أسس الاقتصاد الحديث، وضعت الحكومة أول استراتيجية طويلة المدى امتدت حتى عام 1995 وفق أهداف محددة سعت إليها تمثلت في تنمية مصادر جديدة للدخل تدعم المصادر النفطية بزيادة الاستثمارات في قطاعات الزراعة والأسماك والصناعة والتعدين، مع التركيز على تنمية الموارد البشرية باعتبار أن الإنسان هو حجر الزاوية فهو وسيلة وغاية التنمية.
ولأن البلاد كانت في بداية النهضة ولأهمية الارتقاء بها في إطار توفير التوازن في توزيع الاستثمارات وثمار التنمية تم التركيز على ان تشمل المشاريع الاستراتيجية كافة المناطق الرئيسية ولذا عمت المناطق الصناعية البلاد. وكان من ضمن المرتكزات إيجاد اقتصاد حر يرتكز على القطاع الخاص والمنافسة الحرة.
وعملت الدولة في تلك السنوات على ترجمة تلك الأهداف وقد حققت العديد منها، فقد ارتفع معدل النمو السنوي 17 بالمائة وارتفع متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي. كما ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية.
وفي عام 1995 أعلنت الحكومة عن رؤية مستقبلية جديدة «عمان 2020 » كخارطة طريق لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية على مدار 25 عاماً، وصولاً إلى عام 2020، حيث تمحورت الرؤية حول المستقبل الاقتصادي للسلطنة.
ودخلت رؤية عمان 2020 حيز التنفيذ في عام 1996 وتمت صياغتها لتحقق النمو والتوازن الاقتصادي ورفع مستوى التنمية البشرية، وتمثلت ركائز هذه الرؤية الاستراتيجية في توفير إطار اقتصادي كلي مستقر بالعمل على إحداث التوازن بين الإيرادات والإنفاق ورفع معدلات الادخار وبناء الاحتياطيات المالية والحد من التضخم. وتطوير الخدمات الأساسية وذلك بتعزيز دور الحكومة في مجال توفير وتحسين مستوى الخدمات الأساسية وكذلك تعزيز دورها كموجه استراتيجي لضمان التنمية المستدامة، وتطوير النظام التعليمي مع بما فيه التعليم الفني والتقني وموازنة مخرجات التعليم والتدريب مع احتياجات السوق وتطوير آليات سوق العمل لزيادة مشاركة العمالة العمانية، وتعزيز عمليات التنويع الاقتصادي وذلك بالاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية المتاحة بما فيها الموقع الجغرافي المتميز لعمان والتركيز على الصناعات والخدمات التصديرية وانتهاج استراتيجية القيمة المضافة العالية واستخدام التقنيات المتطورة.
وضمن الركائز الأساسية للاستراتيجية كان هناك هدف تنمية القطاع الخاص بمواصلة تخصيص المشاريع الخدمية وإزالة العراقيل الإدارية وتطوير البنية التشريعية بما يعمل على تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وتحقيق المنافسة الحرة في مختلف الأنشطة والعمل على نقل التكنولوجيا وتوطينها، وتعزيز مستوى معيشة المواطنين. وتكثيف ارتباط الاقتصاد العماني مع الاقتصاد العالمي وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول والتكتلات الاقتصادية المختلفة، وتشجيع الانسياب الحر للسلع وعوامل الإنتاج وتطوير مهارات العمالة الوطنية.
ووفق هذه الاستراتيجية حققت السلطنة إنجازات ملموسة في التنمية الاقتصادية، حيث اكتملت البنية الأساسية فيما يتعلق بالموانئ والمطارات وشبكة الطرق الحديثة، كما تم إنشاء العديد من المناطق الصناعية والمناطق الحرة، وتعد منطقة الدقم الاقتصادية أكبر منطقة اقتصادية وجاء إنشاؤها وفق رؤية السلطان قابوس ويعول عليها في إحداث نقلة نوعية في التنويع الاقتصادي وزيادة جذب الاستثمارات الى السلطنة.
وقد تحولت منطقة الدقم الاقتصادية في السنوات الماضية إلى قاطرة التنويع الاقتصادي، وأصبح لها مكانتها المتميزة على خارطة الاستثمارات العالمية، وبنهاية عام 2019 تجاوز حجم الاستثمارات في منطقة الدقم 6.7 مليار ريال ومازال أمامها طموح كبير في جذب مزيد من الاستثمارات في ظل المقومات الاستثمارية الضخمة التي تتوفر فيها، والتي تدعمها الجاهزية للاستثمار وجهود ترويج الاستثمار وتسهيل إجراءاته وتقديم حوافز مجدية للمستثمرين.
ونتيجة للتخطيط الذي انتهجته السلطنة بتوجيهات السلطان الراحل فقد حققت معدلات مطردة ، حيث ارتفع إجمالي الناتج المحلي للسلطنة بنهاية عام 2018 الى 30.5 مليار ريال ، منها 20.2 مليار ريال للقطاعات غير النفطية، وهو ما يظهر التحولات الهيكلية في بنية الناتج المحلي للاقتصاد المحلي، حيث تمثل مساهمة القطاعات غير النفطية نحو ثلثي الناتج المحلي، في انعكاس لجهود دعم التنويع الاقتصادي ورفع مساهمة كافة القطاعات في النمو خاصة القطاعات التي تمثل ركائز أساسية لخطط واستراتيجيات التنويع.. وبحسب تقرير التنمية البشرية لعام 2019م الذي يصدر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة فقد حلت السلطنة في المركز الـ 47 عالميا من بين 189 دولة والخامس عربيا، وجاءت ضمن الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة جدا.
وبلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالسلطنة 37 ألفا و39 دولارا أمريكيا، كما بلغ العمر المتوقع عند الميلاد بالسلطنة 77.6 عام.
ويأتي هذا الإنجاز في سياق المنحى التصاعدي للسلطنة منذ إدراجها في دليل التنمية البشرية منذ عام 2000م.
وخلال تنفيذ الخطة الخمسية التاسعة، وهي الخطة الأخيرة في إطار الرؤية المستقبلية 2020، أطلقت الحكومة مبادرة برنامج تنفيذ لتكون داعمة لجهود التنويع الاقتصادي من خلال وضع خارطة طريق بمشاركة أطياف المجتمع لـتنفيذ الحلول ومتابعة إنجازها.
وركز برنامج تنفيذ على قطاعات حددها السلطان قابوس وفق المرسوم السلطاني رقم 1/‏‏‏‏2016، وهي الصناعات التحويلية والسياحة والنقل والخدمات اللوجستية، والتعدين والثروة السمكية، من خلال رفع نسبة مساهمة تلك القطاعات في الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة وزيادة الاستثمارات في القطاعات الواعدة وزيادة فرص العمل.
وقد حقق برنامج تنفيذ العديد من الأهداف والمتمثلة في تسريع وتيرة تنفيذ الخطط في مجال تعزيز التنويع الاقتصادي، ومساعدة الحكومة للاستفادة من أفضل الممارسات الناجحة في التخطيط الاجتماعي والاقتصادي وتوظيف موازناتها في مشاريع ذات عوائد اقتصادية وقيمة مضافة، تعمل على توفير فرص دائمة للمواطنين، وتحقيق الأهداف والبرامج والسياسات المحددة للتنويع الاقتصادي في الخطة الخمسية التاسعة، إلى جانب وضع خطة واضحة ومحكمة لزيادة الاستثمارات الخارجية والداخلية للسلطنة وتمكينها من رفع درجة التنافسية في المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، ومساعدة الجهات المعنية على تنفيذ مشاريعها وخططها وفقا لأفضل الممارسات المتبعة، إضافة إلى تحسين كفاءة الإنجاز ومد جسور التعاون والمشاركة بين كافة الجهات المعنية ووضع مؤشرات قياس وأهداف محددة وآلية متابعة وتنفيذ دقيقة، وتحديد نسبة من الاستثمارات الرأسمالية غير الحكومية بحيث لا تقل عن 80% لتمويل مبادرات القطاعات الرئيسية للبرنامج وزيادة الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة.
وانطلاقا من نهج جلالة السلطان قابوس بن سعيد ، طيب الله ثراه ، في استشراف المستقبل والتخطيط له فقد أمر بإعداد رؤية عمان 2040 وصياغتها بتوافق مجتمعي واسع وبمشاركة فئات المجتمع المختلفة على أن تستوعب الواقع الاقتصادي والاجتماعي وتستشرف المستقبل بموضوعية لكي تكون دليلا ومرجعا أساسيا لأعمال التخطيط في العقدين القادمين.
وتتطلع رؤية عمان 2040 إلى المزيد من التطور وتحقيق الإنجازات وفق منظومة عمل طموحة، أسهمت في صياغتها كل شرائح المجتمع لتحديد الأهداف بدقة متناهية ورسم خارطة العمل وآليات التنفيذ والتفكير في 2040 مما يجسد رؤية بعيدة المدى تستشرف المستقبل..
وترتكز رؤية عمان 2040 على تحديد الفرص المتاحة والاستغلال الأمثل للمزايا النسبية لكل قطاع اقتصادي وخاصة المطارات والموانئ والمناطق الصناعية، إضافة الى الموارد المتوفرة بما يضمن تنويع مصادر الدخل والتوسع في مشاريع التشغيل الذاتي مع التأكيد على أهمية التوزيع المتوازن للتنمية على المحافظات بما يتناسب مع حجم واحتياجات كل محافظة، والعمل على تنمية قطاعات السياحة والزراعة والثروة السمكية والاتصالات والخدمات اللوجستية والموانئ، وهي محاور واعدة تمثل أدوات رئيسية يمكن أن تكون عماد الاقتصاد العماني خلال العقدين القادمين.
وانطلق النهج التشاركي في إعداد الرؤية المستقبلية عُمان 2040 من توجيهات السلطان قابوس بن سعيد ،طيب الله ثراه ، بترسيخ عملية المشاركة المجتمعية في مناقشة القضايا المطروحة وتبادل الآراء وإيجاد حوار مجتمعي حقيقي حولها، وصولًا إلى صياغة النتائج التي سترسم مستقبلا مزدهرًا لعُمان.
وتتبنى رؤية «عمان 2040» النهج التشاركي خلال مراحل تطوير المشروع، بمشاركة كافة القطاعات الفاعلة ذات العلاقة في الدولة والمتمثلة في شرائح واسعة من المواطنين الذين يعتبرون أساس التنمية، فضلًا عن القطاعات الحكومية وشبه الحكومية، ومؤسسات القطاع الخاص العاملة في القطاعات الاقتصادية المختلفة، إضافة للمجتمع المدني، وقطاعات الأكاديميين والنخب المثقفة وقادة الرأي.
ومنذ بداية النهضة العمانية الحديثة بقي الإنسان العماني هو الأساس الذي ترتكز عليه الاستراتيجيات فقد اهتم جلالة السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، بالشباب مركزا على ضرورة إعدادهم تعليما وتدريبا بما يضمن مساهمتهم في بناء نهضة عمان وان ينعموا بحياة كريمة داعيا القطاع الخاص الى المساهمة في هذا الجانب والوقوف مع الشباب باعتبار هذا القطاع مستقبل التوظيف،حيث يقول في احد خطاباته « وإيمانا بدور الشباب العماني في بناء الوطن فإننا نهيب به أن يضرب المثل في الجدية والجدارة ويعد نفسه للمشاركة الإيجابية في كافة قطاعات العمل… وفي الوقت الذي ندعو كل مواطن للإسهام فيما نحن بصدده من مهام التنمية الشاملة فإنه يتحتم على القطاع الخاص أن يتخذ خطوات جادة للاعتماد تدريجيا وبدرجة أكبر من ذي قبل على القوى العاملة والكفاءات والكوادر العمانية المتوفرة وفقا لاحتياجات مختلف الأنشطة التي يقوم بها ليؤدي بذلك دورا مهما في إطار سعينا الدؤوب لبناء وتطوير قدراتنا الذاتية في كافة المجالات..». وعلى هذا النحو تسير عمان بإعطاء الشباب أهمية خاصة والأخذ بأياديهم ومبادراتهم، إيمانا بدورهم في البناء والارتقاء، فقد أكد جلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور المعظم ، حفظه الله ورعاه ، ضمن رؤية عمان 2040 على المشاركة المجتمعية، خاصة الشباب حيث تقود رؤية 2040 عمان الى مصاف الدول المتقدمة..
وقال مخاطبا الشباب: «إن رؤية 2040 هي رؤيتكم ونتاج تطلعاتكم الجادة، وإننا نطمح إلى تحقيق فهم أعمق لتكامل الأدوار بين مختلف مكونات المجتمع العماني، من حكومة وقطاع خاص ومجتمع مدني وأفراد، مواطنين ومقيمين». مؤكدا أن الإنسان العماني هو الأساس في كافة محاور الرؤية 2040 وله دور كبير في المساهمة في بناء مجتمعه ووطنه، مشيدا بالإنجازات التي وصل إليها الشباب لتكون استكمالا لمسيرة الإنسان العماني وهو منفتح ومحب للمثابرة منذ القدم، وعلى الشباب السعي نحو اكتساب الخبرات والمهارات المطلوبة بسوق العمل، مؤكدا أن الإنسان هو عماد التنمية.