نوافذ :ما بين هزيمة الحياة والإرادة

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

ثمت علاقة قائمة ما بين الحياة التي نعيشها بكل تفاصيلها الدقيقة، وبين الإرادة التي تتصادم أمواجها بين جوانحنا، وهي الموكولة إليها مهمة الدفع بنا نحو الأمام، أو الرجوع إلى الخلف؛ حيث الهزيمة؛ وما بين الإقدام والتراجع تبقى قصتنا مع الحياة التي نعيشها زمنا، مفعما بالنشاط والحيوية، وآخر نتراجع فيه، حيث تهزمنا الإرادة ذاتها، ونتقوقع على مصائرنا، ونستسلم لهزائمنا، مع أن المحاولة الأولى ليست هي النهاية، وإنما تبقى هي الأولى فقط، وبالتالي فهناك الثانية والثالثة، وتتسلسل الأرقام إلى ما نهاية، فالمسألة لا تضيق عند رقم محدد بعينه، ولكنها تتسع إلى كل الأرقام المتاحة في السلسلة اللامتناهية في حيواتنا التي نعيشها، مع الإيمان بالقاعدة المعروفة: «كلما ضاق اتسع، وكلما اتسع ضاق» حسب ظروف كل شخص على حدة.
عندما نخرج من بيوتنا المعمرة بـ «الستر» تصادفنا مشاهد كثيرة لأناس أنهكتهم الحياة؛ إذا قيس مفهوم الحياة بالمقياس المادي الصرف، فالمادة سيف مسلط على العباد، وفق مفهوم «الربح والخسارة» ولذلك تجد مثل هؤلاء الناس، منهم من يبحث عن وجبة يومية من خلال البحث في صناديق القمامة، وكم تكون سعادته عندما يجد ما يسد رمقه في تلك اللحظة، بينما آخر؛ من نفس جنسه، كإنسان؛ تصل وجبته في تلك اللحظة بـ (50) ريالا في مطعم شبه راق، وتجد آخر يسوق عربة أمامه، أو يقف خلفها دافعا، محملة ببضاعة ما، نصفها يفسد مع آخر النهار، إذا كانت خضارا أو ما شابه ذلك، أو تقل قيمته لسلع «بائرة» لا يلتفت إليها إلا من هم دونه كذلك، وتجد آخر يبيع ملابس رثة، قد استهلكتها الطبقة المترفة زمنا، تسمى في بعض البلاد بأسواق الـ «بالة» ليجد منها بعد زمن أيضا، ما يعوض له جهد الأيام الخوالي، وقد لا يجد.
وفي كل هذه الأمثلة وغيرها، لم يفقد كل هؤلاء الأمل، لأن هناك إرادة قوية تزرع فيهم أمل البقاء، وأمل المداومة في هذه الحياة، وأمل الحلم الذي ينقلهم من حالة العسر إلى حالة اليسر ولو معنويا، ولذلك هم ينمون كما تنمو الأغصان البديلة في جذع الشجرة الهرمة، فهرم الحياة الذي لم يسعفهم لأن يكونوا في مصاف المستويات المادية الخصبة، يتشبثون بالبراعم المنبثقة للتو من متون الظلام، فتجدد فيهم النصر على هزائم الحياة المتوالية «وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل».
ربما هذه الصورة غير معايشة في واقعنا المحلي، فلا يزال الخير كثيرا، وكبيرا بفضل الله في هذا الوطن الحبيب، ولكن من يزر دولا أخرى ينقبض قلبه مما يشاهد من مآسٍ إنسانية قست عليهم الحياة بغير حول منهم ولا قوة؛ فنحمد الله على ما نحن عليه من نعم جلية؛ ولذلك هناك من تمتد أيديهم، وتذرف أعينهم، وربما تئن قلوبهم من شدة الحاجة، وتأنيب الضمير، فالموقف ليس سهلا، ومنهم من تنقطع بهم السبل حتى عن الاستعانة بوسيلة تعفيه مغبة الوقوع في سؤال الحاجة، حيث يضع علبة صغيرة يجمع فيها ما تجود به الأنفس السخية، والذوات المشبعة بالرحمة.
في بلد ما وجدت المرأة تعمل عمل الرجال؛ في البناء والتشييد، أعمالا تحتاج إلى عضلات، وإلى زنود قوية، وصدور عارية لمجابهة صلابة المهمة وصلافتها، فكيف للمرأة بتكوينها الأنثوي أن تتحمل كل ذلك لفترات عمل تمتد طويلا؟! إنها قسوة الحياة؛ أولا؛ وقوة الإرادة؛ ثانيا؛ وإلا خيار الفناء، وهو الخيار الصعب جدا على من يرى أن هناك متسعا للبقاء، ولذلك عندما تهزمنا الحياة، لا توقفنا الإرادة، وعندما تهن الإرادة قليلا، يكون هناك الأمل، هذا الكوكب الدري الذي يضيئ جنباتنا في عتمات الهزيمة.